وقد حدثني صديق سوري منذ شهرين أن ابنًا له يعيش في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو مصوِّر صحفي، كان يصور حادثة حريق فأصابته لفْحة كادت تودي به، فبقِي في المستشفى زمنًا طويلًا نسبيًّا، وكلَّف علاجه تسعين ألف دولار دفعتها شركة التأمين، ولولا ذلك للقي حتفه. وأنت تعلم تكاليف العلاج في المملكة، وسواها في البلاد العربية إذا أريد إتقان العلاج، وما يستلزمه من كشوف تصوير وفحوص مخبرية وزرْع جرثومي لتحديد المضاد الحيوي المفيد وتخطيطات و..الخ، فمن الذي يستطيع اليوم بدون التأمين الطبي أن يحفظ صحته وصحة أسرته كما يجب سوى أصحاب الملايين الكثيرة؟ وماذا تعمل الكثرة الكاثرة من جماهير الناس؟
إن الجهالة والغرر اللذيْن أشرتم إليهما مما يورده السلبيون، قد تمسكوا بهما من منطلق خاطئ، وهو اعتبارهم عقد التأمين من قَبيل الإجارة أو المعاوضة بين المستأمِن وشركة التأمين، وهنا مكْمن الخطأ، فالتأمين عقد جديد لا يجوز قياسه وإلحاقه بأحد العقود التقليدية وتنزيل أحكامه عليه، بل يجب أن تقرَّر له أحكام تناسبه بحسب غايته ضمن إطار القواعد العامة لنظام التعاقد، ومع بعض استثنئات إذا اقتضت الحاجة ذلك، كما استثنى الفقهاء عقد الاستصناع، من عدم جواز بيع المعدوم، ومن بعض الشرائط بيع السلم لحاجة الناس إليه في كثير من لوازم حياتهم. ولا يوجَد شرعًا أي مانع من نشوء عقود جديدة لم تكن معروفة في عصور فقهائنا الأولين، وهذا محل إجماع فيما أعلم بين علماء العصر لم يخالف فيه أحد؛ لأن ظروف الحياة وتطوُّرَها مع المستجدَّات العلْمية واكتشافاتها تُوَلِّد أنواعًا جديدة من العقود، وهذا من البَدهيات، وشواهده قديمًا وحديثًا قائمة.