وإذا قيل إنّ هذا لم يؤخَذ باسم فائدة بل أُخِذَ رأسًا باسم صَدقة، قلنا: ما الفَرْقُ بَيْنَهما بعد أن يكون الشَّخص قَد أخذ المبلغ بِنيّة إعطائه الفُقراء ولم يأخذْه لِيُدْخِلَه على أموالِه، سواءٌ سمّاه المصرف فائدةً أو سمّاه صَدقة، ألَم يقُل عمر ـ رضي الله عنه ـ للنَّصارَى بشأن الجِزْية: أَدُّوها وسَمُّوها مَا شِئْتُمْ؟
لقد قال ابن عابدين، رحمه الله، في حاشيته على"المنار"وشرحه في بحث تقسيم القضاء عند الأصوليين، إلى قَضاء بمثل معقول كـ"رد مثل المغصوب الهالك"، وقضاء بمِثل غير معقول كـ"فِدية الصّيام للعاجِز عنه"قال رحمه الله تفسيرًا لغَير المعقول ما نصُّه:
"أي ما لا ندركه بعقولِنا، فالمراد من كونِه غير معقول أنّه غير مُدرَك، وليس المراد أن العقل ينفيه ويردُّه، فإن العقل من حجُج الله تعالى كالسَّمع بل أقوى"أهـ.
هذا من ناحية المعقول، أما من ناحية المنقول، فقد نصَّ فقهاء الشّريعة على أن الكسب الخبيثَ سبيله الصّدقة، فإذا كانت الفائدةُ مالًا خبيثًا فإن سبيله الفقراء، ولكنّ المصرِف لا يُعطيهم من نفسه، فإذا أخذتَ منه وأعطيتَ إلى الفقراء كان القائم بذلك قد أوصل الشيء إلى محلِّه الشَّرْعِي.
هذا ما أراه، ولكلٍّ رأيُه وفهمه، والله يعلم المُفسِد من المُصلِح، ولن أدخل في جدلٍ وأخذٍ وردٍّ بعد ذلك، فهذا مبلغ فَهمي وعلمي، والله سبحانه وتعالى أعلم (3) .
هامش
(2) حضارة الإسلام ـ العدد الأول ـ السنة الخامسة ـ 1384هـ .