2 -قرَّر الفقهاء في مختلف المذاهب"أن الموقوف لا يُباع ولا يُوهَب ولا يُورَّث، بل يبقى محبوسًا أصله عن كل تمليك وتملُّك، وتُرصَد منفعته العينية أو ريعه (بحسب كونه موقوفًا للانتفاع بعينه كالمساجد والمقابر، أو للانتفاع بريعه وغلّته كالدّور والحَوانيت والأراضي الزِّراعية) للجِهة الموقوف عليها أبدًا إحياءً لها، وذلك لقول الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ لعمر بن الخطاب ـ رضِيَ الله عنه ـ حين سأله قائلًا: يا رسول الله إني أصبت مالًا بخَيبر لم أُصِب قَطُّ مالًا أنفسَ عندي منه، فما تأمرني فيه؟ قال:"إن شئتَ حبستَ أصلَها وتصدَّقْتَ بها"، قال:"فتصدَّق بها عمر أنه لا يباع أصلها ولا يوهَب ولا يُورّث" (1) والمراد من التصدُّق بها رصدُ ثمرتها في وجوه البِرِّ للمسلمين، بدليل فعل عمر في وقفه هذا. (ينظر كتاب"أحكام الأوقاف"للإمام الخصاف، وكتاب"الإسعاف"للطرابلسي، و"مطالب أولي النهي"في أوائل الوقف) ."
وقد أجاز الفقهاء بيعَ الوقف بإذن القاضي لمصلحة لا تنافي رُوح ذلك الحديث النبوي، وذلك فيما إذا تَوهَّنَ عَقار الوقف، ولم تكن للوقف غلّة تَفِي بتعميره أو ترميمه، وزهد الناس في استئجاره، فقال الفقهاء في مثل هذه الحال يباع عقار بعقار آخر أنفع منه أو بالدراهم، ويُشترَى بثمنه عقار آخر يحِلُّ محله في الوقفية، ولا يخفى أن هذا في ظاهره بيع، وفي حقيقته صيانة واستصلاح، وقد قال تعالى في محكم كتابه: (واللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ) .
ولم يُجوِّز فقهاء الشريعة في الأنقاض التي تتخلّف عن ترميم عقار الوقف أن تصرف كالغلّة في المصارف الموقوف عليها، بل نصُّوا على وجوب صرفها في تعمير الوقف وترميمه واستصلاح عَين؛ لأنها من عين المال الموقوف لا من غلته. (ينظر كتاب الوقف من الدر المختار ورد المحتار عند قول المتن ـ وصرف نقضه إلى عمارته) .