5 -مما تقدّم يُستخلَص أن المقابر الإسلامية إذا أصبحت دوارسَ بسبب منع البلديات الدّفنَ فيها رعايةً لبعض الاعتبارات العُمرانية، أو درستْ بسبب آخر تبقَى وقفًا إسلاميًّا له حرمته، ولا يجوز لأحد (غير السلطة ذات الولاية على الأوقاف) أن تستوليَ عليها، وتجعلَها من أملاكها الخاصة أو العامة، فتبنيَ عليها مبانيَ لها، أو تبيعَها وتُدخِلَها في ميزانياتها، سواء أكانت تلك السلطة التي تريد هذا الاستيلاء هي البلديات أو وزارات أخرى، بل هذا يعتبر غَصْبًا لمال إسلاميٍّ مرصود لمصالح المسلمين، وتصرُّفًا فيه لمصالح لا تخصُّ المسلمين وحدَهم وإن كانت عامّة.
ذلك أن البلديات وسائر الوزارات الأخرى لا تخصُّ خدماتها وأموالها المسلمين وحدهم، بل هي لجميع المواطنين، فكما تُخصِّص لها ميزانيات من الموارد العامة التي تُجبَى بطريق الضرائب من جميع المواطنين مسلمين وغير مسلمين، تكون أيضًا خدماتها التي تؤدّيها للناس خدمات عامة لجميع المواطنين مسلمين وغير مسلمين.
وبما أن الأوقاف الإسلامية هي مال إسلاميّ مِلِّيّ محض، سواء أكان للانتفاع بعينه كالمساجد والمقابر والمدارس والزوايا، أو كان للاستغلال والإنفاق على تلك المصالح الإسلامية الأخرى كالدور والحوانيت والأراضي الموقوفة على المساجد والمدارس ونحوها، فكل ذلك مال إسلامي مِلِّي يخصُّ المسلمين وحدَهم، فلا يجوز إدخالُه في الأموال العامة التي تعود ثمراتُها على المواطنين كافة من مسلمين وغير مسلمين.
فكما لا يجوز للبلديات وسائر الوزارات شرعًا أن تستوليَ على شيء من أوقاف الكنائس، فتضمَّها إلى أملاكها الخاصّة أو العامّة؛ لأن أوقاف الكنائس أموال تخصّ طوائفها وحدهم دون سائر المواطنين، كذلك لا يجوز هذا الاستيلاء على شيء من أوقاف المسلمين، وإدخاله في الأموال العامة الأخرى التي تكون منافعها أو ثمراتها للعموم، ولا تخصّ المسلمين وحدهم.