والباعث لبعض المورِّثين على سلوك هذا المسلك في الاحتيال على القانون؛ لترجيح بعض الورثة على بعض دون اللجوء إلى هبةٌ لهم مُنجَزةٌ حال حياة المورِّث هو أن المورِّث في كثير من الأحوال يُريد أن يحتاط لعدم طمأنينته إلى الوارث الذي سيخصُّه بالتفضيل، فلعل هذا الوارث إذا مَلَكَ المالَ، وأُطلِقت يده فيه في حياة المورِّث يُسيء التصرُّف فيه، أو يُسيء معاملة مورِّثه، ولا يكترِث به بعد حصوله على المقصود، أو لعلّ للوارث الممنوح عاجلًا يموت، فيرثه ورثة له أجانب عن المورِّث المانح، كما لو كان الوارث الممنوح زوجة، وهكذا ينتقل مال هذا المورِّث المانح إلى الأجانب تحت سمعه وبصره.
وأذكر أنا من هذا القَبيل حوادث آخرها: راجعني رجل منذ سنتين يريد أن يهَب لزوجته عقارًا لا يملِك سواه، مع الاحتفاظ لنفسه بحيازة العين والمنفعة مدى حياته، وله ورثة من الأقارِب العَصبات يُريد أن يَحرِمَهم، فأجبته بأنّها لا تستفيد من ذلك شيئًا فوق حقِّها الإرثيّ؛ لأن هبتَه هذه تُعتبر بمقتضَى المادة / 878 / من القانون المدني كالوصية للوارث مضافة لما بعد الموت، فتتوقف على إجازة بقية الورثة، فسألني: ما السبيل؟ قلت: لا سبيل إلا أن تهَبَها هبة ناجِزةً في حياتك، أو تبيعها بثمن بخسٍ، فأنت حُرٌّ أن تتصرف في حياتك، حال صحّتك ورشدك كما تشاء، دون أن يكون لتصرُّفك أثر مؤجّل إلى ما بعد الموت. قال: لا أستطيع لأنني أخشى أن تموت زوجتي قبلي فيرثها أهلها وعيناي تنظران ذَهاب مالي إلى غير مَن أردت! فقلت له: خير لك إذًا ألَّا تحاول تغيير الطريق الذي شرعه الشارع، وراعى فيه مصالح الناس جميعًا واستقامة أمورهم، لا مصلحة فردٍ دون آخر.
الموقف الذي تدلُّ عليه نصوص فقهاء الشريعة في هذه الحال: