فهرس الكتاب

الصفحة 299 من 564

لا شكَّ بعد ما أوضحناه أن الحكم الذي جاءت به المادة / 878 / من القانون المدني ليس مختلفًا عمّا توجِبه قواعد الشريعة الإسلامية وفقهها، بل هو ما تقضي به تلك القواعد والفقه الشرعي؛ ذلك لأن من أصول الشريعة ومبادئها المقرّرة مبدأ سدِّ الذّرائع المعروف عند العلماء، فكلُّ طريق يمكن أن يُتَّخذ ذريعة إلى الفساد أو إلى الاحتيال على الأحكام الشرعية بصورة تعطِّل مقاصدها، أو تعكسها، وجب الحكم بسدِّه وردّ الشخص إلى الجادّة، ومن ثم حكم الفقهاءُ بتوريث الزوجة في طلاق الفرار (وهو أن يطلِّق الرجل زوجته طلاقا بائنًا وهو في مرض موته لحرمانها من الميراث) كما اعتبرت الشريعةُ قتلَ المورِّث موجبًا حرمان القاتل من إرثه كي لا يُتَّخَذ شيء من ذلك ذريعةً إلى تغيير مقاصد الشارع وأحكامه الإلزامية، وتطبيقات هذا المبدأ كثيرة في فروع الأحكام. هذا بالنسبة إلى مبدأ سدِّ الذرائع بوجه عام، أما بالنسبة إلى العقود وتصرفات الإدارة بوجه خاصّ، فمن قواعد الشريعة وفقهها، أن العبرة في العقود والتصرفات للمقاصد والمعاني وأن الأمور بمقاصدها (المجلة م 2 و3) فهذه القواعد وما بمعناها هي أساس في جعل القصد هو الحكم في تفسير العقود وفي تكييفها أيضًا، والمذاهب الفقهية متفِقة على ذلك، وإن اختلفتْ أحيانًا نتائج التطبيقات الفرعية في المذاهب باختلاف وجهات النظر القياسي.

ويقول ابن القيم في كتابه القيم"إعلام الموقِّعين"تقريرًا لهذا المبدأ، وتأييدًا لاعتبار الباعث على العقد وتأثيره فيه ما ملخصه:

"قد تظاهرت أدلة الشرع وقواعده على أن القُصود في العقود معتبَرة، وأنها تؤثِّر في صحة العقد وفساده، وفي حِلِّه وحرمته، بل أبلغ من ذلك تؤثِّر في الفعل الذي ليس بعقد تحليلًا وتحريمًا، فيصير حلالًا تارة، وحَرامًا تارة أخرى باختلاف النِّيّة والقصد، كما يصير صحيحًا تارة وفاسدًا تارة أخرى باختلافها."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت