ولكن هل يمكن النظر إلى المقصود منه بحسب قاعدة (إن العبرة في العقود للمقاصد لا للألفاظ) ، واعتباره حينئذٍ وصيّةً مضافة إلى ما بعد الموت، وهذا التخريج في نظري أقرب جَريًا مع قاعدة سدِّ الذرائع كيلا يُتَّخَذ مثل هذا الشرط ذريعة للاحتيال على أحكام الوصية وحدودها في الإسلام. كل ذلك محلُّ نظر في هذه القضية من الوجهة الفقهية، ويحتاج بحثه إلى وقت لا أملِكه الآن، وهو في النهاية بحث عقيم عمليًّا في هذه الحادثة. أقول: إنه بحث عقيم عمليًّا بعدما بينت لكم أن الحكم القانوني هو صحة هذا البيع ولزومه؛ لأن اشتراط منفعة في العقد للبائع أو لشخص ثالث مدى حياته، هو مقبول في أحكام قانوننا المدني.
وبما أن المشتريَ هو جمعية خيريّة للعناية بالأيتام والعَجَزة ومصالِحهم تعاقَد باسمها ممثلُها القانوني عقدًا فيه لها غبطة وحظّ وربح في حكم القانون النافذ، فإن هذا الممثل لا يستطيع تطبيق حكم آخر على الجمعية يخسرها غير حكم القانون، وليس له إذا كان العقد صحيحًا قانونًا وغير صحيح شرعًا أن يوافِق على إقالة العقد، أو فسخه لأي سبب كان غير ما يوجِبه، أو يسوِّغه القانون النافذ في كل ما يُلحق الجمعية خسارة أو ضررًا، ولو بحُجة أن العقد الذي كسبت به الجمعية ذلك الحقّ والمنفعة هو عقد فاسد شرعًا؛ لأن القضاء لدينا لا يقضي بغير القانون في كل ما تناوله نصُّه بعبارته أو بفحواه.
هذا بخلاف ما لو كان العقد بين شخصين عادِيَّين، فإن لكلٍّ منهما أن يتخلَّى عمّا يُكسبه إيّاه القانون بمحض إرادته؛ لأنه حرٌّ في التصرُّف بحقِّ نفسه، وليس كذلك الشخص الاعتباري كالجمعية الخيريّة؛ فإن ممثلها ليس متصرِّفًا لحسابه، بل لحساب الجهة الخيريّة، وعلى هذا الأساس لا يستطيع ردَّ الإبراء الصادر من دائن الجمعية، بينما المَدين العادي يستطيع ردَّ الإبراء الصادر من دائنه.