فهرس الكتاب

الصفحة 359 من 564

فما يستحقّه الوسيط الأول في هذا الاحتمال الأكثر إلزامًا للمالك، إنما هو أجر المثل على ما قام به من سَعي لإيجاد مشترٍ خلال بضعة الأيام المذكورة في السؤال، وإن لم ينفِّذ ما وكل به، وذلك لأن المالك الذي استعمل حقه في العدول قد قطع عليه بعدوله هذا، طريق متابعة السعي لتنفيذ المطلوب، وهو لم يبذل ما بذل من مَسعًى إلا على أساس العوض، فلا يمكن إهدار مسعاه، فيستحق أجر المثل عما بذل من سعي في سبيل تحقيق المطلوب وإن لم يتحقق.

2 ـ احتمال كون هذا الاتفاق من قبيل الجعالة.

الجعالة هي أن يلتزم شخص بجعل مالي محدَّد لمن يقوم له بعمل يُحقِّق به له غاية معينة.

فإذا كان ذلك باتفاق بين الجاعل وشخص آخر، فهي عقد ذو طرفين.وذلك كمن ضاع له حيوان مثلًا، فاتفق مع شخص ليبحث عنه، ويُعيده إليه لقاء جعل محدّد. فإن وجده وأعاده إليه استحق الجعل، وإن لم يجده فلا شيء له. وكمن أراد أن يُنشئ في أرضه مَزرعةً فاتفق مع آخر لكي يحفِرَ له فيها بئرًا، ويستنبط الماء، فإذا حَفَر الماء استحق الجعل، وإن لم يخرج الماء فلا شيءَ له على الحفر.

وأما إذا كان الجاعل لم يتّفق مع شخص بعينه، وإنما أعلن للجمهور أن مَن أحضر إليه ضالتَه فله كذا، فهذا عندئذٍ من تصرُّفات الإرادة المنفرِدة، فمن أحضر الضّالة استحقّ الجعل.

ويقابل ذلك في القانون (في بحث الإرادة المنفرِدة من مصادر الالتزام) إعلان شخص عن جائزة مُحدَّدة لمن يقوم بعمل يحقِّق غاية معينة، أو لمن يخترع آلة تؤدِّي وظيفة معينة، فمن حقّق المطلوب استحق الجائزة (الجعل) ، ومن لم يحقِّق المطلوب لم يستحق شيئًا مهما بذل من جهد.

وواضح أن الجعالة في صورتيها العقديّة والإراديّة المنفرِدة، وفي الفقه الإسلامي والقانون الوضعي معًا، إنما تُنشئ التزامًا بتحقيق غاية، وليس التزامًا ببذل عناية فقط، فما لم يحقق المجعول له الغايةَ المطلوبة لا يستحق الجعل (أو الجائزة) مهما بذل من جهد وسعي وعناية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت