"ولعل ذلك أن تغيير صورة المسجد وغيره من الوقف لمصلحة راجحة جائز؛ إذ ليس في المساجد ما هو مُعيَّن بذاته إلا البيت المعمور، وإلا المساجد التي تشدُّ إليها الرِّحال، إذ هي من بناء الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ، فكانت كالنصوص عليه (أي: على مسجديّته) بخلاف المساجد التي بناها غيرهم، فإن الأمر فيها يتبع المصلحةَ التي تختلف باختلاف الأعْصار والأمصار". أهـ.
جاء في آخر كتاب الوقف من"منتهى الإرادات"لابن النجار (ج 2 ص 21) ما نصه:
ويجوز رفع مسجد أراد أكثر أهله ذلك، وجعل سفله سقايةً وحوانيتَ.
هذا، وقد جوَّز الحنابلة نقل المسجد من مكان إلى مكان آخر إذا دعت الحاجة والمصلحة إلى ذلك، ويسمُّون هذه العملية"مناقَلةً"في الوقف، ويجوِّزونها في غير المسجد من العقارات الموقوفة بطريق الأولوية.
وهَذه المُناقلةُ في غيرِ المَسْجِدِ مَحَلُّ اتِّفاقٍ في مُعظَمِ المذاهِب الفِقْهِيّةِ عِند الحاجةِ، كَما لو تَوهَّنَ عَقارُ الوقْفِ، وضَعُفت غَلَّتُه حَيثُ يُباعُ ويُشْترَى ما هو أحسَنُ منه، فيَحِلُّ محَلَّه في الوقفيّةِ، أمّا في المسجدِ فإنَّ المُناقلةَ محَلُّ خِلافٍ بَينَ المذَاهِبِ.
وحجة الحنابلة في الجواز صَنيعُ عُمرَ بنِ الخطّاب ـ رضيَ الله عنه ـ في خلافته حين نقَب اللصوص جدارَ بيت المال في الكوفة وسرَقوا منه، فأمرَ عمرُ عبدَ الله بن مسعود، رضي الله عنهما ـ بنقل المسجد، وجعل بيت المال في قبلتِه لأجل الرِّقابة؛ لأن المسجد لا يخلو من المُصلِّين، وجعل موضع المَسجد السابق سوقًا للتَّمَّارينَ.
ونقل صاحب"مطالب أولى النهى"تعليقًا على هذه الحادثة للشيخ شهاب الدين بن قدامة في كتابه عن المناقلة في الأوقاف، قال رحمه الله: