"الصحابة إذا ذاك مُتوافِرون، ولم يُنْقَل إنكارُها عن أحد منهم، بل عمر هو الخليفة الآمِر، وابن مسعود هو المأمور الناقل، وإنما ظهرت المصلحة في نقل المسجد لحراسة بيت المال الذي جُعِل في قبلة المسجد الثاني."
ثم نقل في"المطالب"أيضًا موافقة كثير من فقهاء المذهب الكبار والشيخ تقي الدين بن تيمية على ذلك، وتأليف بعضهم رسائل في ذلك، فلينظر في المحل المذكور من"المطالب".
وجاء أيضًا في كتاب"الفروع"وتصحيحه في باب الوقف تأييد ذلك.
الرأي:
يتضح من هذه النصوص ما يلي:
أ ـ أنَّ نقلَ المسجد من مكان إلى آخر، وإباحةَ المكان الأول لكل داخل إليه لزوال المسجديّة عنه جائز عند الحنابلة للحاجة والمصلحة بإطلاق، خلافًا لغيرهم ممن يَعتبرون صفة المسجديّة في المسجد دائمةً لا تزول إلى قيام الساعة، ويعطُون هذه الصفةَ لما تحت المسجد من أعماق الأرض، وما فوقه من هواءٍ.
ب ـ أن جواز نقل المسجد عند الحنابلة من مكان إلى مكان آخر تتغير به بقعتُه الأرضيّة، يدلُّ بالأولويّة على جواز رفعه في أرضه نفسها، وجعل سفلِه حوانيتَ موقوفة للاستغلال. وهذا ما قد صرحوا به فيما نقلنا من نصوص؛ لأن هذه الحالة الثانية تبقَى فيها أرض المسجد موقوفةً، ويبقَى المسجد على هوائها، وإنما ارتفع عنها طبقةً.
وممّا يَستدعِي الانتباهَ ويؤيِّد تعليل الشيخ تقي الدين ابن تيميةَ رحمه الله (من أنه لا يُوجَد في نظر الإسلام ما هو متعيّن للمسجديّة بعينه سوى المساجد الثلاث التي تشدُّ إليها الرِّحال لأنّها بناها الأنبياء) أنَّ مسجد الكوفة الذي نقله عمر ـ رضي الله عنه ـ لتحقيق حراسة دائمة على بيت المال قد كان من المُمكن تحقيقُ المقصود دون نقل المسجد، وذلك بنقل بيت المال نفسه إلى صقب المسجد دون العكس، فلجوء عمر ـ رضي الله عنه ـ إلى نقل المسجد نفسه لهذه الغاية يؤيِّد كل التأييد رأي شيخ الإسلام ابن تيمية وتعليله.