فهرس الكتاب

الصفحة 433 من 564

10 ـ أما الوقف الذري إنشاءً أو بقاءً، فالأمر فيه يختلف تمامًا عن الموقف الواجب من حقوق القرآن الآنِفة الذكر.

فالوقف الذُّرِّيُّ مشروع أصلًا، ومشمول بإطلاق الحديث النبوي الثابت الذي أرشد به الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ أبا طلحة وعمر بن الخطّاب ـ رضي الله عنهما ـ إلى ما يفعلان من البِرِّ لما سألاه إثر نزول قوله تعالى: (لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) (آل عمران: 92) وتتابعت فيه أوقاف الصحابة على أولادهم وابن السبيل والضيف... إلخ

وقد نقل أخبار ذلك الإمامان الفقيهان هلال الرائي والخصاف، وجمعها من المتأخرين الطرابلسي في كتابه"الإسعاف في الجمع بين أوقاف هلال والخصَّاف".

ثم إن الوقف ـ ولو كان ذُرّيًّا ـ لا يصِحُّ إلا إذا كان فيه من البداية جهة بِرٍّ وخَيْر (كالمَساكينِ والفقراء) ، دائمة لا تنقطع، أو كانت مشروطة فيه مآلا بعد انقراض الذُّرِّيّة.

فالوقف الذُّري على نفس الواقف مدة حياته وعلى ذُرِّيتِه من بعده، ثم إلى جهة البر الدائمة، كان هو الطريق إلى وجود كثير من الأوقاف الخيرية في مختلف وجوه البر من المساجد والمدارس الشرعية والفقراء والأيتام... إلخ

لأن جهة البِرِّ في الوقف الذري لابدَّ منها حالًا أو مآلا لصحة الوقف، كما أصبح كثير من الأوقاف الذرية خَيريًّا مَحضًا بانقراض الذُّرِّيّة.

ومعظم الناس الميسورين يتردَّدون ويتباطؤون عن أن يُخرجوا عن أموالهم إلى جهات البِرِّ ابتداء، حرصًا على مستقبل ذريتهم، أما أن يجعلوا أموالهم لجهة الخير بعد ذريتِهم فإنهم يجودون بذلك، ولا يتردَّدون، ولا سيما إذا كانوا غير مطمئنين لسلوك أولادِهم من بعدهم في صيانة الثروة، فيلجؤون للوقف على أنفسهم ثم ذريتهم، ثم إلى جهة خيريّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت