فهرس الكتاب

الصفحة 521 من 564

إن عموم البلوى لا يُبيح فعْل المعاصي التي تحريمها تعبير عن نظام الإسلام وتخطيطه للحياة البشرية الصالحة، وإنما يُعتبر عموم البلوى عذرًا فيما أصبح من المُتعذَّر اجتنابه دون حرج عام، كالنظر دون تَقصُّدٍ وتتبُّعٍ للمرأة المتكشِّفة اليوم، وهي تملأ الشوارع التي لابد للرجل أن يَمشِي فيها، ومراكز الأعمال التي لابد أن يَطْرُقها أو يوجد فيها.

ومثل ذلك يُقال في قبْض الموظَّفين المسلمين رواتبهم اليوم من الخزينة العامة التي اختَلط فيها المال الحلال بالحرام، وليس للموظَّف طريق لاجتنابها إلا أن يَترك العمل في وظائف الدولة، وفي هذا ما فيه من الحرج علاوة على ما يؤدي إليه من أن تصبح وظائف الدولة وأعمالها وقْفًا على الذين لا يُبالون ما يَفعلون، لا يُهمُّهم تمييزٌ بين حلال وحرام!

والخلاصة: أن شيوع الفِسْق لا يُبيحه بحُكم عموم البلوى؛ لأن الفسْق وانتهاك المحرَّمات لا يُمكن أن يكون حاجة عامة أو تَتوقف عليه حاجة عامة للمسلمين بحال من الأحوال، وإنما تَخضع إباحة المحظورات لقاعدة الضرورات بحدودها الشخصية وشرائطها وقيودها، مثل كشف العورة للطبيب لأجل المداواة من مرض. فالضرورات مقياسها شخصي، وهي تُقدَّر بقدرها، أما قاعدة عموم البلوى فمقياسها عامٌّ، وأساسه تعذُّر الاجتناب، وإنَّ فِعْل المحرَّمات لا يُعتبر من هذا القَبِيل. وقد قال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"ما نَهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتُكم به فأتُوا منه ما استطعتم". (5)

ومتى كان حضور المرأة المسلمة في المؤتمرات والندوات مكشوفة الرأس، مُصفَّفة الشعر، عارضة لجمالها ومفاتنها، متى كان ذلك حاجة عامة يُتعذَّر اجتنابها؟

ولا شك أنَّ كشف المرأة رأسَها وشعْرَها الذي هو من أهم معالم زينتها هو من الفسق بعد قول الله ـ تعالى ـ في مُحْكم قرآنه: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ) (النور: 31) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت