فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 564

ولقد رأينا من بعض زملائنا من المُشتغِلين بالفقه: من يجمد على ظواهر النصوص، ويفهمها فهمًا حرفيًّا، ولا ينفذ إلى مقصدها وهدفها، كالذين يوجِبون إخراج زكاة الفطر من الحبوب في المدن الحديثة، برغم أن الفقراء لا ينتفعون بها، فلم يعودوا يطحَنون أو يخبزون، وكالذين يمنعون رمي الجمرات قبل الزوال في ثاني وثالث أيام النحر، برغم شدة الزِّحام، الذي أدَّى أحيانًا إلى موت الناس تحت الأقدام، ورغم أن ذلك ليس خلاف الإجماع، بل قال به ثلاثة من الأئمة الكبار: عطاء فقيه مكة، وطاووس فقيه اليمن، وأبو جعفر الباقر فقيه آل البيت.

بل رأيت من هؤلاء ـ على فضلهم وإخلاصهم ـ من يجمد على أقوال الفقهاء السابقين، وعلى ما قعدوه من قواعد، وإن بدا ذلك بوضوح معارضًا لمقاصد الشرع، ورُوح الدين، وعدل الله في خلقه.

مثال ذلك: قاعدة (المثليات والقيميات) واعتبار الفقهاء النقودَ من المثليّات. فطبق هؤلاء الإخوة الفضلاء (النقود الورقية) الحديثة على (النقود المعدنية) القديمة. وأعطوا الورقية جميع أحكام النقود المعدنية. وهذا لم يجئ به كتاب ولا سنة، ولا أحسَبُ أن الفقهاء القدامى قصدوا إليه.

إن الذي رجحته وتبنيته من قديم في كتابي"فقه الزكاة"هو اعتبار النقود الورقيّة (نقودًا شرعية) تجب فيها الزكاة، ويجري فيها الربا؛ لأنها أثمانُ الناس، ومقياس قيمتهم، وأداة تبادلهم، ورؤوس أموالهم.

وردَّدت على من أنكر ذلك ممن يدَّعون العلم أو ينتسبون إلى أهلِه.

ولكن هذا لا يعني أن هذه النقود الورقية تأخذ كل أحكام النقود الأصلية من الذهب والفضة؛ لأن هذه لها قيمة ذاتية في نفسها. حتى لو بَطَلَ التعامل بها فإنها في نفسها ذات قيمة يرغَب فيها الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت