ولكن تُحكَّم هنا قاعدة الاضطرار أيضًا من قواعد الشريعة، فإذا خَشِيَ الوقوع في محظور أعظم كالزّنى، أو الاضطرابات النفسيّة المُضِرّة، فإنها تُباح في حدود دفع ذلك، على أساس أن الضّرورات تقدر بقدرها.
ومعنى ذلك أن الإفراط في جميع الأحوال غير جائز لسببين:
أولًا: لأنّه لا ضرورة فيه؛ إذ الدّوافعُ إليه عندئذٍ ابتغاء اللّذة لا تَخفيفُ ألم الدوافع.
ثانيًا: لأنه مُضِرٌّ صِحِّيًّا دون ريب، وما كان مُضِرًّا طِبِّيًا فهو محظور شرعًا، وهذا محلُّ اتفاق بين الفقهاء.
ويجب الانتباه أخيرًا إلى أن من الملحوظ في هذا الحكم شريطتَيْن أخريين غير ما يصرِّح به الحنفية مفهومتين من القواعد العامّة أيضًا، وهما:
1 -عدم تيسُّر الزّواج للرّجل.
2 -عدم تمكُّنه من الصيام الذي أرشد إليه النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ في الأحاديث الثابتة؛ ممّن لا تساعِده ظروفُه المادِّيّة على الزواج، حيث قال ـ عليه الصلاة والسلام:"فعليه بالصّوم فإنه له وِجاء" (3) . أو إذا كان لجأ إلى الصوم، ولكنّه لم يَكْفِ صومُه لكسر شدة تَوقانِه.
هذا ما أرى أنّه الموقف الشرعيّ الصّحيح في هذا المَوضوع، والله سبحانه وتعالى أعلم.
تعقيب مجلة الحضارة:
ونحن إذ نُقَدِّم هذه الفتوى الغالية الحكيمةَ التي تفضّل بها أستاذنا الزرقا ـ شكر الله له ـ لا ننسى أن نقرِّر حقيقة ماثِلةً صارخةً هي: أن عوامل التوجيه التي كان ينبغي أن تكون فِينا عواملَ ارتقاءٍ ـ كما هو الشأن في الأُمَم الغالبة اليوم ـ تَنْقلِب عواملِ إفناءٍ وتمزيق لما بقي في شَبابنا من رجولة وحياء، نحن أحوج ما نكون إليهما في كِفاحنا نحو أهدافنا المُثْلَى، هذا بالإضافة إلى إثقال العادات والتقاليد التي تعوق أمر الزواج وتُيَسِّر الفاحشة، مما لا يَرضى عنه الإسلام بحال من الأحوال.