وقد جُعِلَتْ لهذه العبادات محطات أساسية، هي الفرائض في دوراتها العُمُريّة أو السنويّة أو اليوميّة، وترك ما يزيد عنها للتطوُّع الاختياري بصورة يُحفَظ فيها حقُّ النفس في الحياة ودواعيها ولوازِمها، وحقُّ الله، وحقُّ الأسرة، وحقُّ المجتمع، دون أن يطغَى فيها جانب على جانب. فإن جار المكلَّف على أحد هذه الجوانب لأجل الآخر أصبحت عبادته معصية، كما لو أهمل نفسه في سبيل العبادة، أو أهمل زوجه أو ولده، وَفقًا لقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لمن انقطع عن العبادة:"إنَّ لِرَبِّك عليك حَقًّا، ولِنَفسِك عليك حقًّا، ولأهلِك عليك حقًّا، فأعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّه" (4) .
وإن دواعي الأهواء والشهوات والأطماع والمغريات وسائر أسباب الغفلة عن الله كثيرة متكرِّرة يوميًّا، فالصلوات الخمسُ إذا مُورِسَتْ بخُشوع وتدبُّر كَفيلةٌ بأنْ تردَّ الإنسان إلى الجادّة، وتذكِّره أو تنبِّهه كلّما حدثَت له غفلة؛ ليبقَى دائمًا مع الله تعالى.
وفي الوقت نفسه وَسَّعَ الإسلامُ مفهومَ العبادة، فجعل الاستمتاع واستيفاء الحظوظ، من مَطعم ومَشرب ومَنْكِح وراحة ونُزهة وغير ذلك من المُتَع الحلال، كلها تصبح عبادات ملحَقة إذا استوفاها الإنسان بنيّة الطاعة، أي: على أساس أنها أباحها الله، وأنها وسيلة لِتقوية نفسه على القيام بالواجبات.
وبذلك تكون جميع المُتع اللذيذة المُباحة هي من المؤمِن المتذكِّر عمَلًا إنسانيًا ملحَقًا بالعبادات، وتكون من غير المؤمِن عملًا حيوانيًّا، كما يقول الله تعالى: (والذِينَ كَفَروا يَتَمَتَّعونَ ويَأْكلونَ كَمَا تَأْكُلُ الأنْعامُ) (محمد: 12) وذلك بحسب الفكرة التي تصاحب الاستمتاع.
والقصد أن يكون المؤمِن دائمًا مع الله، غيرَ غافل عنه.