فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 564

وأما الأساس الثاني: المتعلِّق بطبيعة العبادة، فإن الإسلام أراد أنْ يجعلَ العبادة عملًا عقليًّا وتفكيريًّا، بعدما أصبحت في كثير من المذاهب الوثنيّة وغيرها مراسم شكليّة، أو أنغامًا موسيقيّة.

فقد انتشرت قبل الإسلام وبعده إلى اليوم طرائق التعَبُّد بالموسيقا، فاختلطَتِ الأحاسيسُ والمشاعِر الفنيّة الجَميلة، وما ينشأ عنها من نشوة وطَرب، فامتزَجت بالعبادة مُناجاة الله، بينما الأحاسيس الفنية والعبادة هما أمران مُتبايِنان.

فإذا أصبحت العِبادة موسيقا وأنغامًا حُقَّ للفاسِق في الملاهي أن يُعِدَّ نَفْسَه مُتعبِّدًا بالنشوة والإحساس الفني من الموسيقا؛ التي يسمعُها في الملَهى كمن يسمعها في المَعبد!!

وهكذا ترفَّع الإسلام بالعبادة عن مُستوى المَراسم العَمياء، والطقوس الشَّكليّة المَحضة التي يُقْصَد بها السيطرة على أوهام الناس دون معنى عقلي، كما ترفَّع أيضًا عن موضوع النّشوة والطَّرب الناشئين من العمل الفني كالموسيقا، وهذا سموٌّ بالعبادة إلى مستوى رفيع يَليق بالإنسان العاقِل المتميِّز بعقله وتفكيره عن سائر المخلوقات.

ولذا نجد العباداتِ في الإسلام تشتمل كلُّها على عنصريِ التَّفكير والعزيمة الإنشائيّة، فالتفكير والعَزيمة هما ركن العبادة في الإسلام كما يتَّضِح من المُلاحظات التالية:

أولًا: إنّ العِباداتِ كلَّها أعمال إراديّة تنشأ بها العبادة بعزيمة إنشائيّة، وتنعَقِد في نظر الشَّرع كما تنعقد العقود، وتُشترَط لها شرائطُ، تخضع للصحة والبُطلان كما تخضَع العقود.

ثانيًا: إن العبادات في الإسلام تُشترَط فيها جميعها النية، والنِّيّة عمل عقلي باطني، وعزيمة فكريّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت