ثالثًا: إن هذه النِّيّة العقليّة هي كلُّ شيء في العِبادات الملحَقة، وهي الأفعال الحيويّة والمُتع المُباحة من مَأكل ومَشرب ومَنْكِح ومُتَنَزَّهٍ، فتنقلها النِّيّة كما أشرنا إليه آنفًا من استمتاع حيوانيّ إلى عبادة عقليّة، ولذلك يقول علماء الإسلام: إن النِّيّة هي المُميِّز الفارق بين العادة والعبادة.
وتتجلَّى هذه الناحية التفكيرية في جميع العبادات الإسلامية الأربع الأساسية:
فالحج يقوم فيه المسلم بعمل فيه تفكير رُوحي واجتماعي وسياسي.
والزكاة والصيام يتجلَّى فيهما كذلك ممّن يقوم بهما أجلى صور التفكير الرُّوحي والاجتماعي.
والصلاة تَبْرُز فيها وتتجلَّى هذه الصورة من العمل العقلي السامي أكثرَ من سواها، فهي كلُّها أدعية وأذكار وقرآن ومناجاة وتضرُّع وتوجُّه إلى الله، والأعمال والحركات فيها مناسِبة للمعاني التي يردِّدها المصلِّي.
وأما الموسيقا التي تتجلَّى في ترتيل القرآن وتجويده، فإنها التوقيع الطبيعيُّ الذي يتجلَّى في حسن القراءة، وجودة النُّطق الصَّحيح والأداء المُحكَم، فهي كالجَمال الطبيعي والنَّظافة وحسن التجميل بالحدود الطبيعيّة.
فكل كلام حسن الأداء فيه موسيقا طبيعيّة ذاتيّة، وهذا غير الموسيقا الخارجية الصناعية التي هي عمل فني مستقِلّ.
وعلى هذا الأساس لا يَقبل الإسلام أن تُصاغ سور من القرآن قِطعًا موسيقيّة، كما لا يقبل أن تَصحَبَ العبادةَ موسيقا خارجيّة؛ لأن العمل العقلي في العبادة عندئذٍ يَغيب تحت رداء النشوة الفنيّة، فنخرج من حيِّز العبادة والفكر السامي إلى حيِّز الطرب الذي يكون حظُّ الحس فيه أكبر من حظ العقل، كما قد يكون حظ المُتعبَد فيه أوفَى من المتعبَد، فيضيع معنى العبادة.
ولذا نعَى القرآن على الجاهلين أن صلاتهم عند البيت ما كانت إلا مُكاءً وتصدية، أي: مراسمَ من تصويت وتصفيق.