قال ابن الصلاح [1] :"إمام الحرمين والإمام الغزالي والإمام أبو اسحق رضي الله عنهم هل بلغ أحد هؤلاء الأئمة المذكورين درجة الاجتهاد في المذهب على الإطلاق أم لا وما حقيقة الاجتهاد على الإطلاق وما حقيقة الاجتهاد في المذهب وهل بلغ أحد منهم رتبة الاجتهاد على الإطلاق؟ ."
أجاب رضي الله عنه لم يكن لهم الاجتهاد المطلق وبلغوا الاجتهاد المقيد في مذهب الشافعي رضي الله عنه، ودرجة الاجتهاد المطلق يحصل بتمكنه من تعرف الأحكام الشرعية من أدلتها استدلالا من غير تقليد، والاجتهاد المقيَّد درجته تحصل بالتبحُّر في مذهب إمام من الأئمة بحيث يتمكن من إلحاق ما لم ينصَّ عليه ذلك الإمام بما نص عليه معتبرا قواعد مذهبه وأصوله"."
وقال أيضًا عند كلامه على شروط المجتهد المطلق [2] :"الثالث إنما يشترط اجتماع العلوم المذكورة في المفتي المطلق في جميع أبواب الشرع، أما المفتي في باب خاص من العلم نحو علم المناسك أو علم الفرائض أو غيرهما فلا يشترط فيه جميع ذلك، ومن الجائز أن ينال الإنسان منصب الفتوى والاجتهاد في بعض الأبواب دون بعض، فمن عرف القياس وطرقه وليس عالما بالحديث فله أن يفتي في مسائل قياسية يعلم أنه لا تعلق لها بالحديث، ومن عرف أصول علم المواريث وأحكامها جاز أن يفتي فيها وإن لم يكن عالما بأحاديث النكاح ولا عارفا بما يجوز له الفتوى في غير ذلك من أبواب الفقه، قطع بجوازه الغزالي وابن برهان وغيرهما،ومنهم من منع من ذلك مطلقا، وأجازه أبو نصر ابن الصباغ غير أنه خصصه بباب المواريث، قال: لأن الفرائض لا تبنى على غيرها من الأحكام، فأما ما عداها من الأحكام فبعضه مرتبط ببعض، والأصحُّ أن ذلك لا يختصُّ بباب المواريث والله أعلم."
القسم الثاني المفتي الذي ليس بمستقلٍّ منذ دهر طويل ،طويَ بساطُ المفتي المستقلِّ المطلق والمجتهد المستقل، وأفضى أمرُ الفتوى إلى الفقهاء المنتسبين إلى أئمة المذاهب المتبوعة، وللمفتي المنتسب أحوال أربعٌ:
الأولى أن لا يكون مقلِّدا لإمامه لا في المذهب ولا في دليله لكونه قد جمع الأوصاف والعلوم المشترطة في المستقلِّ، وإنما ينسب إليه لكونه سلك طريقه في الاجتهاد ودعا إلى سبيله ،وقد بلغنا عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني رحمه الله أنه ادَّعى هذه الصفة لأئمة أصحابنا، فحكى عن أصحاب مالك وأحمد وداود وأكثر أصحاب أبي حنيفة رحمهم الله أنهم صاروا إلى مذاهب أئمتهم تقليدا لهم ، ثم قال: الصحيح الذي ذهب إليه المحققون ما ذهب إليه أصحابُنا وهو أنهم صاروا إلى مذهب الشافعيِّ رحمه الله لا على جهة التقليد له؛ ولكن لما وجدوا طريقه في الاجتهاد والفتاوى أسدَّ الطرق وأولاها ولم يكن لهم يدٌ من الاجتهاد سلكوا طريقه في الاجتهاد وطلبوا معرفة الأحكام بالطريق الذي طلبها الشافعي به","
قلتُ: وهذا الرأيُ الذي حكاه عن أصحابنا واقعٌ على وفق ما رسمه لهم الشافعي ثم المزنيًّ في أول مختصره وفي غيره، وذكر الشيخ أبو علي السنجي شبيها بذلك فقال: اتبعنا قول الشافعي دون قول غيره من الأئمة لمَّا وجدنا قوله أصحَّ الأقوال وأعدلها، لا أنا قلدناهُ في قوله"."
قلت: دعوى انتفاء التقليد عنهم مطلقًا من كل وجهٍ لا يستقيمُ إلا أن يكونوا قد أحاطوا بعلوم الاجتهاد المطلق وفازوا برتبة المجتهدين المستقلِّين ؛وذلك لا يلائم المعلوم من أحوالهم أو أحوال أكثرهم.
وقد ذكر بعضُ الأصوليين منا أنه لم يوجد بعد عصر الشافعي مجتهدٌ مستقلٌّ وحكى اختلافا بين أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة في أبي يوسف وأبي محمد المزني وابن سريج خاصة هل كانوا من المجتهدين المستقلِّين أو من المجتهدين في المذاهب ؟ ولا ينكَر دعوى ذلك فيهم في فنٍّ من الفقه دون فنٍّ، بناء على ما قدمناه في جواز تجريد منصب المجتهد المستقِلِّ، ويبعد جريانُ ذلك الخلاف في حق هؤلاء المتبحرين الذين عم نظرهم الأبواب كلها، فإنه لا يخفى على أحدهم إذا أكمل في بابٍ مالا يتعلَّقُ منه بغيره من الأبواب التي لم يكمل فيها لعموم نظره وجولانه في الأبواب كلها ،إذا عرفت هذا ففتوى المستفتين في هذه الحالة في حكم فتوى المجتهدِ المستقلِّ المطلَقِ يعملُ بها ويعتدُّ بها في الإجماع والخلاف والله أعلم.
الحالةُ الثانيةُ أن يكون في مذهب إمامه مجتهدا مقيَّدا فيستقلُّ بتقرير مذاهبه بالدليل غير أنه لا يتجاوزُ في أدلته أصول إمامه وقواعده ،ومن شأنُه أن يكون عالما بالفقه خبيرا بأصول الفقه ،عارفا بأدلة الأحكام تفصيلًا، بصيرا بمسالك الأقيسة والمعاني، تامَّ الارتياض في التخريج والاستنباط، قيِّما بإلحاق ما ليس بمنصوص عليه في مذهب إمامه بأصول مذهبه وقواعده، ولا يعرَى عن شوبٍ من التقليد له لإخلاله ببعض العلوم والأدوات المعتبرة في المستقل؛ مثلُ أن يخلَّ بعلم الحديث أو بعلم اللغة العربية، وكثيرا ما وقع الإخلالُ بهذين العلمين في أهل الاجتهاد المقيَّد، ويتخذُ أصولَ نصوص إمامه أصولًا يستنبط منها، نحو ما يفعله المستقلُّ بنصوص الشارع، وربما مرَّ بهِ الحكمُ وقد ذكره إمامُه بدليله فيكتفي بذلك ،ولا يبحث هل لذلك الدليلِ من معارضٍ، ولا يستوفي النظر في شروطه كما يفعله المستقلُّ، وهذه صفةُ أصحاب الوجوه والطرق في المذهب، وعلى هذه الصفة كان أئمةُ أصحابِنا أو أكثرُهم ،ومَن كان هذا شأنَه فالعاملُ بفتياهُ مقلِّدٌ لإمامهِ لا لهُ معوِّلٌ على صحة إضافةِ ما يقوله إلى إمامه لعدم استقلالِه بتصحيحِ نسبتهِ إلى الشارع واللهُ أعلم"."
وقال ابن حجر الهيثمى [3] جوابا على سؤال:"قَالَ الشَّيْخَانِ: النَّاسُ كَالْمُجْمِعِينَ الْيَوْمَ عَلَى أَنَّهُ لَا مُجْتَهِدَ الْيَوْمَ هَلْ لَهُمَا مُسْتَنَدٌ فِي ذَلِكَ مَعَ مَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِن تَعَطُّلِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ وَتَأْثِيمِ النَّاسِ وَالْمُفْتِينَ غَيْرُ الْمُجْتَهِدِينَ ؟ ."
( فَأَجَابَ ) بِقَوْلِهِ سَبَقَهُمَا إلَى ذَلِكَ الْفَخْرُ الرَّازِيّ وَغَيْرُهُ ،بَلْ قَالَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ مِنَّا لَمْ يُوجَدْ بَعْدَ عَصْرِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ مُجْتَهِدٌ مُسْتَقِلٌّ أَيْ مِن كُلِّ الْوُجُوهِ، فَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُ كَثِيرِينَ مِن أَصْحَابِنَا اتَّبَعْنَا الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى دُونَ غَيْرِهِ ؛لِأَنَّا وَجَدْنَا قَوْلَهُ أَرْجَحَ لَا أَنَّا قَلَّدْنَاهُ ،أَيْ فِي كُلِّ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَلْ وَافَقَ اجْتِهَادُنَا اجْتِهَادَهُ فِي كَثِيرٍ مِن الْمَسَائِلِ وَمِن ثَمَّ قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَابْنِ الصَّلَاحِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى: وَدَعْوَى انْتِفَاءِ التَّقْلِيدِ عَنهُمْ مُطْلَقًا لَا يَسْتَقِيمُ وَلَا يُلَائِمُ الْمَعْلُومَ مِن حَالِهِمْ أَوْ حَالِ أَكْثَرِهِمْ، لَكِنْ نَازَعَهُمْ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَاخْتَارَ قَوْلَ الْحَنَابِلَةِ لَا يَخْلُو الْعَصْرُ عَن مُجْتَهِد،ٍ وَمَالَ إلَيْهِ فِي الْخَادِمِ، قَالَ وَالِدُ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيد:ِ وَعِزَّةُ الْمُجْتَهِدِ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ لَيْسَ لِتَعَذُّرِ حُصُولِ آلَةِ الِاجْتِهَادِ؛ بَلْ لِإِعْرَاضِ النَّاسِ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُفْضِيَةِ إلَيْهِ ،وَظَاهِرُ كَلَامِهِ هَذَا تَأْثِيمُ كُلِّ النَّاسِ مِن عَصْرِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ إلَى الْآنَ؛ لِأَنَّ مِن فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ عَصْرٍ مَن يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ كَابْنِ الصَّلَاحِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى:وَمِن دَهْرٍ طَوِيلٍ يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ عُدِمَ الْمُجْتَهِدُ الْمُسْتَقِلُّ، وَلِقَوْلِهِمْ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ لَا يَتَأَتَّى بِأَصْحَابِ الْوُجُوهِ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَيَظْهَرُ تَأَدِّي الْفَرْضَ بِهِ فِي الْفَتْوَى وَإِنْ لَمْ يَتَأَدَّ فِي إحْيَاءِ الْعُلُومِ الَّتِي مِنهَا اسْتِمْدَادُ الْفَتْوَى؛ لِأَنَّهُ قَامَ مَقَامَ الْمُسْتَقِلِّ، وَعَلَى تَسْلِيمِ مَا ذَكَرَهُ فَقَدْ تَعَطَّلَ فَرْضُ الْكِفَايَةِ بِالْمَعْنَى الثَّانِي الَّذِي ذَكَرَهُ ،فَاَلَّذِي يَجِبُ الْجَزْمُ بِهِ أَنَّ عِزَّةَ الْمُجْتَهِدِ إنَّمَا هُوَ لِتَعَذُّرِ حُصُولِ آلَةِ الِاجْتِهَادِ لَا لِلْإِعْرَاضِ عَن طَرِيقِهِ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَنَا وَغَيْرَهُمْ بَذَلُوا جُهْدَهُمْ فَوْقَ مَا يُطْلَقُ كَمَا يُعْلَمُ لِمَن تَأَمَّلَ أَخْبَارَهُمْ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَظْفَرُوا بِرُتْبَةِ الِاجْتِهَادِ الْمُطْلَقِ كَمَا مَرَّ ،وَأَيْضًا فَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ فَرْضِيَّةَ مَا مَرَّ إنَّمَا يُخَاطَبُ بِهَا مَن جَمَعَ الشُّرُوطَ الَّتِي ذَكَرُوهَا، وَإِذَا تَأَمَّلْت جَمِيعَ أَهْلِ الْأَعْصَارِ الْمُتَأَخِّرَةِ لَمْ تَجِدْهُمْ جَمَعُوا تِلْكَ الشُّرُوطَ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِمْ ،إذْ مِن تِلْكَ الشُّرُوطِ الذَّكَاءُ، وَالْمُرَادُ بِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ ذَكَاءٌ يُوَصِّلُ إلَى رُتْبَةِ الِاجْتِهَادِ لِمَن بَذَلَ جُهْدَهُ وَأَفْنَى عُمُرَهُ فِي اقْتِنَاصِ شَوَارِدِ الْعُلُومِ ،وَأَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ قَدْ بَذَلُوا جُهْدَهُمْ وَأَفْنَوْا عُمُرَهُمْ وَلَمْ يَظْفَرُوا بِذَلِكَ، فَعَلِمْنَا أَنَّهُمْ لَمْ يَتَّصِفُوا بِالذَّكَاءِ الْمَذْكُورِ فَلَا وُجُوبَ عَلَيْهِمْ، وَكَذَا يُقَالُ فِي أَعْصَارِنَا الَّتِي خَلَتْ عَنِ الْمُجْتَهِدِ بِجَمِيعِ أَقْسَامِهِ حَتَّى مُجْتَهِدِ الْفَتْوَى فَلَا إثْمَ عَلَيْهِمْ فِي تَعَطُّلِ الْفَرْضِ بِالْمَعْنَيَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي كَلَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ السَّابِقِ، فَإِنْ قُلْتَ:مَا وَجْهُ التَّعَطُّلِ عَن مُجْتَهِدِ الْفَتْوَى؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرَهُمَا مِمَن لَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةُ أَصْحَابِ الْوُجُوهِ كَالْغَزَالِيِّ وَإِمَامِهِ عَلَى نِزَاعٍ فِي ذَلِكَ ،إنَّمَا هُمْ مُجْتَهِدُونَ فِي الْفَتْوَى لَا فِي الْمَذْهَبِ وَلَا مُجْتَهِدُونَ مُنْشِئُونَ، وَإِذَا كَانَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةَ كَذَلِكَ فَأَنَّى لَك فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَعْصَارِ الْمُتَأَخِّرَةِ أَنْ تَجِدَ مِثْلَ أَقَلِّهِمْ؟!.
وَيَدُلُّ لِمَا ذَكَرْته قَوْلُ الْجَلَالِ الْمَحَلِّيِّ عَقِبَ حِكَايَتِهِ الْقَوْلَ بِجَوَازِ إفْتَاءِ الْمُقَلِّدِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى التَّفْرِيعِ وَالتَّرْجِيحِ، لِأَنَّهُ نَاقِلٌ لِمَا يُفْتِي بِهِ عَن إمَامِهِ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِنَقْلِهِ عَنهُ ،وَهَذَا هُوَ الْوَاقِعُ فِي الْأَعْصَارِ الْمُتَأَخِّرَةِ ،وَقَوْلُ النَّوَوِيِّ كَابْنِ الصَّلَاحِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْمُنْتَسِبَ وَمُجْتَهِدَ الْمَذْهَبِ: الثَّالِثَةُ أَنْ لَا يَبْلُغَ مَرْتَبَةَ أَصْحَابِ الْوُجُوهِ لَكِنَّهُ فَقِيهُ النَّفْسِ حَافِظُ مَذْهَبِ إمَامِهِ إلَى أَنْ قَالَ: وَهَذِهِ صِفَةُ كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ إلَى أَوَاخِرِ الْمِائَةِ الرَّابِعَةِ ،الصِّنْفُ الَّذِينَ رَتَّبُوا الْمَذْهَبَ وَحَرَّرُوهُ وَصَنَّفُوا فِيهِ تَصَانِيفَ مِنهَا مُعْظَمُ اشْتِغَالِ النَّاسِ الْيَوْمَ ،وَلَمْ يَلْحَقُوا الَّذِينَ قَبْلَهُمْ فِي التَّخْرِيجِ ثُمَّ قَالَ: الرَّابِعَةُ أَنْ يَقُومَ بِحِفْظِ الْمَذْهَبِ وَفَهْمِهِ وَلَكِنْ عِنْدَهُ ضَعْفٌ فِي تَقْرِيرِ أَدِلَّتِهِ وَتَحْرِيرِ أَقْيِسَتِهِ، ثُمَّ قَالَ:وَمَا لَمْ تَجِدْهُ مَنقُولًا إنْ وُجِدَ فِي الْمَنقُولِ مَعْنَاهُ بِحَيْثُ يُدْرَكُ بِغَيْرِ كَبِيرِ فِكْرٍ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا جَازَ إلْحَاقُهُ بِهِ فِي الْفَتْوَى ،وَكَذَا مَا يُعْلَمُ انْدِرَاجُهُ تَحْتَ ضَابِطٍ مُمَهِّدٍ فِي الْمَذْهَبِ ،وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ يَجِبُ إمْسَاكُهُ ،وَمِثْلُ هَذَا يَقَعُ نَادِرًا فِي حَقِّ الْمَذْكُورِ، إذْ يَبْعُدُ كَمَا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنْ تَقَعَ مَسْأَلَةٌ لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهَا فِي الْمَذْهَبِ وَلَا هِيَ فِي مَعْنَى الْمَنصُوصِ وَلَا مُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ ضَابِطٍ، فَانْظُرْ جَعْلَهُ مَن بَعْدَ الْمِائَةِ الرَّابِعَةِ لَيْسَ مِن مُجْتَهِدِي الْمَذْهَبِ الدَّالِّ لِمَا قَدَّمْته، ثُمَّ كَلَامُ الْجَلَالِ الْمَحَلِّيِّ الْمَذْكُورُ يُفْهِمُ اعْتِمَادَهُ لِذَلِكَ الْقَوْلِ وَهُوَ قَرِيبٌ لِئَلَّا يَلْزَمَ عَلَيْهِ تَأْثِيمُ كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ بِإِفْتَائِهِمْ مَعَ قُصُورِهِمْ عَن دَرَجَةِ الْمَذْكُورِينَ فِي كَلَامِ النَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ،وَأَمَّا قَوْلُهُ عَقِبَ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ:وَكُلُّ صِنْفٍ مِنهَا يُشْتَرَطُ فِيهِ حِفْظُ الْمَذْهَبِ ،أَيْ مُعْظَمِهِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنَ الْوُقُوفِ عَلَى الْبَاقِي عَلَى قُرْبٍ كَمَا ذَكَرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَفِقْهُ النَّفْسِ، فَمَن تَصَدَّى لِلْفُتْيَا وَلَيْسَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَقَدْ بَاءَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ: {أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) } [المطففين/4، 5] , فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا وُجِدَ هُنَاكَ مُتَّصِفٌ بِأَحَدِ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ:فَإِنْ قِيلَ مَن حَفِظَ كِتَابًا أَوْ أَكْثَرَ فِي الْمَذْهَبِ وَهُوَ قَاصِرٌ لَمْ يَتَّصِفْ بِصِفَةِ أَحَدٍ مِمَن سَبَقَ وَلَمْ يَجِدِ الْعَامِّيُّ فِي بَلَدِهِ غَيْرَهُ فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ إلَى قَوْلِهِ؟ فَالْجَوَابُ: إنْ كَانَ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ مُفْتٍ يَجِدُ السَّبِيلَ إلَيْهِ وَجَبَ التَّوَصُّلُ إلَيْهِ بِحَسَبِ إمْكَانِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَكَرَ مَسْأَلَتَهُ لِذَلِكَ الْقَاصِرِ، فَإِنْ وَجَدَهَا بِعَيْنِهَا فِي كِتَابٍ مَوْثُوقٍ بِصِحَّتِهِ وَهُوَ مِمَن يُقْبَلُ خَبَرُهُ، نَقَلَ لَهُ حُكْمَهَا بِنَصِّهَا ،وَكَانَ الْعَامِّيُّ فِيهَا مُقَلِّدًا صَاحِبَ الْمَذْهَبِ، قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَهَذَا وَجَدْته فِي ضِمْنِ كَلَامِ بَعْضِهِمْ وَالدَّلِيلُ يُعَضِّدُهُ اهـ .
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ عَقِبِ ذَلِكَ: ثُمَّ لَا يُعَدُّ هَذَا الْقَاصِرُ بِأَمْثَالِ ذَلِكَ مِنَ الْمُفْتِينَ وَلَا مِنَ الْأَصْنَافِ الْمُسْتَعَارِ لَهُمْ سِمَةُ الْمُفْتِينَ، وَأَمَّا مَا قَطَعَ بِهِ الْحَلِيمِيُّ وَالْجُوَيْنِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِن تَحْرِيمِ إفْتَاءِ الْمُقَلِّدِ بِمَا هُوَ مُقَلِّدٌ فِيهِ فَهُوَ مَحْمُولٌ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ عَلَى مَا إذَا ذَكَرَهُ بِصُورَةِ مَن يَقُولُهُ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: فَعَلَى هَذَا مَن عَهِدْنَاهُ مِنَ الْمُفْتِينَ الْمُقَلِّدِينَ لَيْسُوا مُفْتِينَ حَقِيقَةً، لَكِنْ لَمَّا قَامُوا مَقَامَهُمْ وَأَدَّوْا عَنهُمْ عُدُّوا مَعَهُمْ، وَسَبِيلُهُمْ أَنْ يَقُولُوا مَثَلًا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ كَذَا وَنَحْوَ هَذَا وَمَن تَرَكَ الْإِضَافَةَ فَقَدْ اكْتَفَى بِالْمَعْلُومِ مِنَ الْحَالِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ اهـ .
وقال ابن بدران [4] :"إن هذه الشروط المذكورة كلها إنما تشترط للمجتهد المطلق الذي يفتي في جميع الشرع، أما من أفتى في فن واحد في مسألة واحدة ووجدت فيه شروط الاجتهاد بالنسبة إلى ذلك الفن أو تلك المسألة فلا يشترط له ذلك وجاز له أن يجتهد فيما حصل شروط الاجتهاد فيه وإن لم تتوفر فيه الشروط في غيرها، وخالف قوم في هذا وهذا مبني على أنه هل يجوز تجزيء الاجتهاد أم لا يجوز؟ والحق أنه يتجزأ ؛لأن كثيرا من أئمة السلف الصحابة وغيرهم كانوا يسألون عن بعض مسائل الأحكام فيقولون لا ندري حتى إن مالكا رضي الله عنه قال لا أدري في ست وثلاثين مسألة من ثماني وأربعين مسألة، وقد توقف الشافعي وأحمد بل الصحابة والتابعون في الفتاوى كثيرا، فلو كان الاجتهاد المطلق في جميع الأحكام شرطا في الاجتهاد في كل مسألة على حدتها لما كان هؤلاء الأئمة مجتهدين، لكنه خلاف الإجماع فدلَّ على أن ذلك لا يشترط ،ولا يشترط عدالة المجتهد في اجتهاده لكنها مشترطة في قبول فتياه وخبره هذا ما يذكره علماء الأصول في المجتهد المطلق، ويسمى عندهم بالمجتهد المستقِلِّ ويعرفونه بأنه الذي يستقلُّ بإدراك الأحكام الشرعية من الأدلة الشرعية من غير تقليد ولا تقييد بمذهب معين."
وقد جعل بعض المتأخرين أقسام المجتهدين على خمسة مراتب وممن علمناه جنح إلى هذا التقسيم أبا عمرو ابن الصلاح وابن حمدان من أصحابنا في كتابه أدب المفتي وتلاهما شيخ الإسلام أحمد بن تيمية فإنه نقل في مسودة الأصول كلام ابن الصلاح ولم يتعقبه ،وتتبعهم العلامة الفتوحي في آخر كتابه شرح المنتهى الفقهي ونحن نلخص كلامهم هنا فنقول ذهبوا إلى أن المفتي يعني المجتهد ينقسم إلى مستقل وغير مستقل.
فالمستقلُّ: هو المجتهد المطلق وقد مر بيانه.
وأما غير المستقلِّ فقد كان ابن الصلاح ومن دهر طويل طوى بساط المفتي المستقل والمجتهد المطلق وأفضى أمر الفتيا إلى الفقهاء المنتسبين لأئمة المذاهب المتنوعة انتهى. ولا يلزم من طي البساط عدم الوجود فإن فضل الله لا ينحصر في زمان ولا في مكان. سنبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى ثم إن للمفتي المنتسب إلى أحد المذاهب أربع أحوال:
أحدها: أن لا يكون مقلدا لإمامه لا في مذهبه ولا في دليله لكنه سلك طريقه في الاجتهاد والفتوى ودعا إلى مذهبه وقرأ كثيرا منه على أهله فوجده صوابا وأولى من غيره وأشد موافقة فيه وفي طريقه، وإلى هذا أشرنا أول الكتاب حيث بينا لأي شيء اختار كبار أصحاب أحمد مذهبه على مذهب غيره. ويؤخذ هذا من كلام ابن الصلاح أيضا فإنه قال: ذكر عن أبي إسحاق الإسفراييني أنه حكى عن أصحاب مالك وأحمد وداود وأكثر أصحاب أبي حنيفة أنهم صاروا إلى مذاهب أئمتهم تقليدا لهم. قال ابن الصلاح والصحيح الذي ذهب إليه المحققون ما ذهب إليه أصحابنا وهو أنهم صاروا إلى مذهب الشافعي لا على جهة التقليد له ،لكن لأنهم وجدوا طريقه في الاجتهاد والفتاوى أسدَّ الطريق، قال أبو عمرو: ودعوى انتفاء التقليد مطلقا من كل وجه لا يستقيم إلا أن يكونوا قد أحاطوا بعلوم الاجتهاد المطلق وذلك لا يلائم المعلوم من أحوالهم أو أحوال أكثرهم، وذهب بعض الأصوليين من أصحابنا إلى أنه لم يوجد بعد عصر الصحابة مجتهد مستقلٌّ، وحكى اختلافا بين الحنفية والشافعية في أبي يوسف ومحمد والمزني وابن سريج هل كانوا مستقلين أم لا؟ قال: ولا تستنكر دعوى ذلك فيهم في فن من فنون الفقه بناء على جواز تجزئ منصب الاجتهاد ،ويبعد جريان الخلاف في حق هؤلاء المتبحرين الذين عم نظرهم الأبواب كلها ،وفتوى المنتسبين في هذه الحال في حكم فتوى المجتهد المستقل المطلق يعمل بها ويعتدُّ بها في الإجماع والخلاف.
ثانيها: أن يكون مجتهدا مقيَّدا في مذهب إمامه يستقلُّ بتقرير مذهبه بالدليل ،غير أنه لا يتجاوز في أدلته أصول إمامه، ولا بد أن يكون عالما بأصول الفقه لكنه قد أخل ببعض الأدوات كالحديث واللغة ،وإذا استدل بدليل إمامه لا يبحث عن معارض له ولا يستوفي النظر في شروطه، وقد اتخذ نصوص إمامه أصولا يستنبط منها كما يفعل المجتهد المستقل بنصوص الشارع، والعامل بفتيا هذا مقلد لإمامه، قال: ومثل هذا يتأدَّى به فرض الكفاية في الفتوى ولا يتأدَّى به في إحياء العلوم التي منها استمدادُ الفتوى ؛لأنه قائمٌ مقام المطلق.
ثالثها: أن لا يبلغَ رتبة أئمة المذهب أصحاب الوجوه والطرق غير أنه فقيه النفس حافظ مذهب إمامه عارف بأدلته قائم بتقريره ونصرته يصور ويحرر ويمهد ويقرر ويزيف ويرجح لكنه قصَّر عن درجة أولئك، إمَّا لكونه لا يبلغ في حفظ المذهب مبلغهم، وإما لكونه غير متبحر في أصول الفقه ونحوه، غير أنه لا يخلو مثله في ضمن ما يحفظه من الفقه ويعرفه من أدلته عن أطراف من قواعد أصول الفقه ونحوه، وإما لكونه مقصرا في غير ذلك من العلوم التي هي أدوات الاجتهاد الحاصلة لأصحاب الاجتهاد بالوجوه والطرق،قال ابن الصلاح:وهذه هي مرتبة المصنفين إلى أواخر المائة الخامسة وقد قصَّروا عن الأولين في تمهيد المذهب وأمَّا في الفتوى فبسطوا بسط أولئك وقاسوا على المنقول والمسطور غير مقصِّرين على القياس الجلي وإلغاء الفارق.
رابعها: أن يحفظَ المذهب ويفهمه في واضحات المسائل ومشكلاتها، غير أنه مقصِّر في تقرير أدلته، فهذا يعتمد نقله وفتواه في نصوص إمامه وتفريعات أصحابه المجتهدين في مذهبه، وما لم يجده منقولا، فإن وجد في المنقول ما يعلم أنه مثله من غير فضل فكر وتأمل أنه لا فارق بينهما كما في الأمَة بالنسبة إلى العبد المنصوص عليه في إعتاق الشريك جاز له إلحاقه به والفتوى به ،وكذلك ما يعلم اندراجه تحت ضابطٍ منقول ممهد في المذهب فإنه يجوز له إلحاقه به والفتوى به، وما لم يكن كذلك فعليه الإمساكُ عن الفتوى به، قال ابن الصلاح: ويندر عدم ذلك، كما قال أبو المعالي: يبعد أن تقع واقعة لم ينص على حكمها في المذهب ولا هي في معنى شيء من المنصوص فيه من غير فرق ولا هي مندرجة تحت شيء من ضوابطه، ولا بدَّ في صاحب هذه المرتبة أن يكون فقيه النفس، لأن تصور المسائل على وجهها ونقل أحكامها لا يقوم به إلا فقيه النفس، قال ابن حمدان: ويكفيه أن يستحضر أكثر المذاهب مع قدرته على مطالعة بقيته انتهى.
وقال ابن الصلاح: ولا تجوز الفتوى لغير هؤلاء الأصناف الخمسة يعني المجتهد المطلق والطبقات الأربع بعده كما قطع به أبو المعالي في الأصولي الماهر المتصرف في الفقه أنه يجب عليه الاستفتاء، قال ابن الصلاح: وكذا المتصرف النظار البحَّاث في الفقه"هذا كلامه وكلام غيره في طبقات الفقهاء."
ــــــــــــــــ
(1) - فتاوى ابن الصلاح - (ج 1 / ص 133)
(2) - فتاوى ابن الصلاح - (ج 1 / ص 10)
(3) - الفتاوى الفقهية الكبرى - (ج 10 / ص 102) الشاملة 2 و فتاوى ابن حجر الهيثمى - (ج 6 / ص 317)
(4) - المدخل إلى مذهب الإمام أحمد - الرقمية - (ج 1 / ص 195)