المبحث الثاني عشر - دليلُ المجتهدين في زيادة الأحكام المستنبطة من الكتاب والسُّنَّة [1]
قال ابن عليش:"فَإِنْ قِيلَ فَمَا دَلِيلُ الْمُجْتَهِدِينَ فِي زِيَادَاتِهِمْ الْأَحْكَامَ الَّتِي اسْتَنْبَطُوهَا عَلَى صَرِيحِ الْكِتَابِ والسُّنَّة وَهَلَّا كَانُوا وَقَفُوا عَلَى حَدِّ مَا رَأَوْهُ صَرِيحًا فَقَطْ وَلَمْ يَزِيدُوا عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا ; لِحَدِيثِ"مَا تَرَكْتُ شَيْئًا يُقَرِّبُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ وَيُبَاعِدُكُمْ عَنِ النَّارِ إِلَّا قَدْ بَيَّنْتُهُ لَكُمْ ، وَإِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رَوْعِي ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّهَا لَا تَمُوتُ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ أَقْصَى رِزْقَهَا ، وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا ، فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ ، وَلَا يَحْمِلَنَّ أَحَدَكُمُ اسْتِبْطَاءُ رِزْقِهِ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ لَا يُدْرِكُ مَا عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا بِطَاعَتِهِ" [2] ."
فَالْجَوَابُ:
دَلِيلُهُمْ عَلَى ذَلِكَ الِاتِّبَاعُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي تَبْيِينِهِ مَا أُجْمِلَ فِي الْقُرْآنِ مَعَ قوله تعالى: { مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ } (38) سورة الأنعام، فَإِنَّهُ لَوْلَا بَيَّنَ لَنَا كَيْفِيَّةَ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا اهْتَدَى أَحَدٌ مِن الْأَئِمَّةِ لِمَعْرِفَةِ اسْتِخْرَاجِ ذَلِكَ مِن الْقُرْآنِ وَلَا كُنَّا نَعْرِفُ عَدَدَ رَكَعَاتِ الْفَرَائِضِ وَلَا النَّوَافِلِ وَغَيْرَ ذَلِكَ فَكَمَا أَنَّ الشَّارِعَ بَيَّنَ لَنَا بِسُنَّتِهِ مَا أُجْمِلَ فِي الْقُرْآنِ فَكَذَلِكَ الْأَئِمَّةُ الْمُجْتَهِدُونَ بَيَّنُوا لَنَا مَا أُجْمِلَ فِي أَحَادِيثِ الشَّرِيعَةِ وَلَوْلَا بَيَانُهُمْ لَنَا ذَلِكَ لَبَقِيَتْ الشَّرِيعَةُ عَلَى إجْمَالِهَا , وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي أَهْلِ كُلِّ دَوْرٍ بِالنِّسْبَةِ لِلدَّوْرِ الَّذِينَ قَبْلَهُمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَإِنَّ الْإِجْمَالَ لَمْ يَزَلْ سَارِيًا فِي كَلَامِ الْأَئِمَّةِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَوْلَا ذَلِكَ مَا شُرِحَتْ الْكُتُبُ وَلَا عُمِلَ عَلَى الشُّرُوحِ حَوَاشٍ . وَسَمِعْت بَعْضَ أَهْلِ الْكَشْفِ يَقُولُ إنَّمَا يَعْبُدُ اللَّهَ تَعَالَى الْمُجْتَهِدُونَ بِالِاجْتِهَادِ لِيَحْصُلَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِن التَّشْرِيعِ وَتَثْبُتَ لَهُمْ فِيهِ الْقَدَمُ الرَّاسِخَةُ فَلَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِمْ فِي الْآخِرَةِ سِوَى نَبِيِّهِمْ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - فَيُحْشَرُ عُلَمَاءُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَحُفَّاظُ أَدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ الْعَارِفُونَ بِمَعَانِيهَا فِي صُفُوفِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ لَا فِي صُفُوفِ الْأُمَمِ فَمَا مِن نَبِيٍّ أَوْ رَسُولٍ إلَّا وَبِجَانِبِهِ عَالِمٌ مِن عُلَمَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوْ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ أَوْ أَكْثَرُ وَكُلُّ عَالِمٍ نَهِمٌ لَهُ دَرَجَةُ الْأُسْتَاذِيَّةِ فِي عِلْمِ الْأَحْكَامِ وَالْأَحْوَالِ وَالْمَقَامَاتِ وَالْمُنَزَّلَاتِ إلَى خِتَامِ الدُّنْيَا بِخُرُوجِ الْمَهْدِيِّ عليه السلام وَمِن هُنَا يُعْلَمُ أَنَّ جَمِيعَ الْمُجْتَهِدِينَ تَابِعُونَ لِلشَّارِعِ فِي التَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ فَيَا سَعَادَةَ مَن أَطْلَعَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَى عَيْنِ الشَّرِيعَةِ الْأُولَى كَمَا أَطْلَعَنَا وَرَأَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَيَا فَوْزَهُ وَكَثْرَةَ سُرُورِهِ إذَا رَآهُ جَمِيعُ الْعُلَمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَخَذُوا بِيَدِهِ وَتَبَسَّمُوا فِي وَجْهِهِ وَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ يُبَادِرُ إلَى الشَّفَاعَةِ فِيهِ وَيُزَاحِمُ غَيْرَهُ عَلَى ذَلِكَ وَيَقُولُ مَا يَشْفَعُ فِيهِ إلَّا أَنَا وَيَا نَدَامَةَ مَن قَالَ الْمُصِيبُ وَاحِدٌ وَالْبَاقِي مُخْطِئٌ فَإِنَّ جَمِيعَ مَن خَطَّأَهُمْ يَعْبِسُونَ فِي وَجْهِهِ لِتَخْطِئَتِهِ لَهُمْ وَتَجْرِيحِهِمْ بِالْجَهْلِ وَسُوءِ الْأَدَبِ وَفَهْمِهِ السَّقِيمِ فَاسْعَ يَا أَخِي فِي الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ عَلَى وَجْهِ الْإِخْلَاصِ وَالْوَرَعِ وَالْعَمَلِ بِكُلِّ مَا عَلِمْت حَتَّى تُطْوَى لَك الطَّرِيقُ بِسُرْعَةٍ وَتُشْرِفَ عَلَى مَقَامَاتِ الْمُجْتَهِدِينَ وَتَقِفَ عَلَى الْعَيْنِ الْأُولَى الَّتِي أَشْرَفَ عَلَيْهَا إمَامُك وَتُشَارِكَهُ فِي الِاغْتِرَافِ مِنهَا فَكَمَا كُنْت مُتَّبِعًا لَهُ حَالَ سُلُوكِك مَعَ حِجَابِك عَن الْعَيْنِ الَّتِي يَشْهَدُ مِنهَا كَذَلِكَ تَكُونُ مُتَّبِعًا لَهُ فِي الِاغْتِرَافِ مِن الْعَيْنِ الَّتِي اغْتَرَفَ مِنهَا ثُمَّ إذَا دَخَلْت ذَلِكَ الْمَقَامَ فَاسْتَصْحِبْ شُهُودَ الْعَيْنِ وَمَا تَفَرَّعَ مِنهَا فِي سَائِرِ الْأَدْوَارِ تَصِيرُ تُوَجِّهُ أَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ ،وَلَا تَرُدُّ مِنهَا قَوْلًا وَاحِدًا ،إمَّا لِصِحَّةِ دَلِيلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنهُمْ عِنْدَك مِن تَخْفِيفٍ أَوْ تَشْدِيدٍ وَإِمَّا لِشُهُودِك صِحَّةَ اسْتِنْبَاطِهِمْ وَاتِّصَالِهِمْ بِعَيْنِ الشَّرِيعَةِ وَإِنْ نَزَلْت فِي آخِرِ الْأَدْوَارِ . فَإِنْ قُلْت إذَا قُلْتُمْ إنَّ جَمِيعَ مَذَاهِبِ الْمُجْتَهِدِينَ لَا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنهَا عَن الشَّرِيعَةِ فَأَيْنَ الْخَطَأُ الْوَارِدُ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ ، فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ ، فَلَهُ أَجْرٌ"، [3] . مَعَ اسْتِمْدَادِ الْعُلَمَاءِ كُلِّهِمْ مِن بَحْرِ الشَّرِيعَةِ .
فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَطَأِ هُنَا هُوَ خَطَأُ الْمُجْتَهِدِ فِي عَدَمِ مُصَادَفَةِ الدَّلِيلِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ لَا الْخَطَأُ الَّذِي يَخْرُجُ بِهِ عَن الشَّرِيعَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا خَرَجَ عَن الشَّرِيعَةِ فَلَا أَجْرَ لَهُ لِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -: « مَن أَحْدَثَ فِى أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ » [4] وَقَدْ أَثْبَتَ الشَّارِعُ لَهُ الْأَجْرَ فَمَا بَقِيَ إلَّا أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا اجْتَهَدَ وَصَادَفَ نَفْسَ الدَّلِيلِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ عَن الشَّارِعِ فَلَهُ أَجْرَانِ أَجْرُ التَّتَبُّعِ وَأَجْرُ مُصَادَفَةِ الدَّلِيلِ وَإِنْ لَمْ يُصَادِفْ عَيْنَ الدَّلِيلِ وَإِنَّمَا صَادَفَ حُكْمَهُ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ وَهُوَ أَجْرُ التَّتَبُّعِ فَالْمُرَادُ بِالْخَطَأِ هُنَا الْخَطَأُ الْإِضَافِيُّ لَا الْخَطَأُ الْمُطْلَقُ فَافْهَمْ فَإِنَّ اعْتِقَادَنَا أَنَّ سَائِرَ أُمَّةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى هُدًى مِن رَبِّهِمْ فِي جَمِيعِ أَقْوَالِهِمْ ،وَمَا ثَمَّ إلَّا قَرِيبٌ مِن عَيْنِ الشَّرِيعَةِ وَأَقْرَبُ وَبَعِيدٌ عَنهَا وَأَبْعَدُ بِحَسَبِ طُولِ السَّنَدِ وَقِصَرِهِ وَكَمَا يَجِبُ عَلَيْنَا الْإِيمَانُ بِصِحَّةِ جَمِيعِ شَرَائِعِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَ نَسْخِهَا مَعَ اخْتِلَافِهَا وَمُخَالَفَةِ أَشْيَاءَ فِيهَا لِظَاهِرِ شَرِيعَتِنَا ،فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الْمُقَلِّدِينَ اعْتِقَادُ صِحَّةِ جَمِيعِ مَذَاهِبِ الْمُجْتَهِدِينَ وَإِنْ خَالَفَ كَلَامُهُمْ ظَاهِرَ كَلَامِ إمَامِهِمْ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كُلَّمَا بَعُدَ عَن شُعَاعِ نُورِ الشَّرِيعَةِ خَفِيَ مَدْرَكُهُ وَنُورُهُ وَظَنَّ غَيْرُهُ أَنَّ كَلَامَهُ خَارِجٌ عَن الشَّرِيعَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ . وَلَعَلَّ ذَلِكَ سَبَبُ تَضْعِيفِ الْعُلَمَاءِ كَلَامَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا فِي سَائِرِ الْأَدْوَارِ إلَى عَصْرِنَا هَذَا فَتَجِدُ أَهْلَ كُلِّ دَوْرٍ يَطْعَنُ فِي صِحَّةِ قَوْلِ بَعْضِ الْأَدْوَارِ الَّتِي قَبْلَهُ وَأَيْنَ مَن يَخْرِقُ بَصَرُهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ جَمِيعَ الْأَدْوَارِ الَّتِي مَضَتْ قَبْلَهُ حَتَّى يَصِلَ إلَى شُهُودِ اتِّصَالِهَا بِعَيْنِ الشَّرِيعَةِ الْأُولَى الَّتِي هِيَ كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِمَن هُوَ مَحْجُوبٌ عَن ذَلِكَ ، فَإِنَّ بَيْنَ الْمُقَلِّدِينَ الْآنَ وَبَيْنَ الدَّوْرِ الْأَوَّلِ مِن الصَّحَابَةِ نَحْوَ خَمْسَةَ عَشَرَ دَوْرًا مِن الْعُلَمَاءِ فَاعْلَمْ ذَلِكَ انْتَهَى كَلَامُ الْعَارِفِ الشَّعْرَانِيِّ بِتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ .
وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ: فَلَمَّا أَنْ مَضَوْا لِسَبِيلِهِمْ طَاهِرِينَ عَقَبَهُمْ التَّابِعُونَ لَهُمْ رضي الله تعالى عنهم فَجَمَعُوا مَا كَانَ مِن الْأَحَادِيثِ مُتَفَرِّقًا وَبَقِيَ أَحَدُهُمْ يَرْحَلُ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ وَالْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ الشَّهْرَ وَالشَّهْرَيْنِ وَضَبَطُوا أَمْرَ الشَّرِيعَةِ أَتَمَّ ضَبْطٍ وَتَلَقَّوْا الْأَحْكَامَ وَالتَّفْسِيرَ مِن فِي الصَّحَابَةِ رضوان الله عليهم ..وَقَالَ عبد الله بن مسعود فِي ابْنِ عَبَّاسٍ تُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ" [5] فَمَن لَقِيَ مِثْلَ هَؤُلَاءِ كَيْفَ يَكُونُ عِلْمُهُ وَكَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ وَعَمَلُهُ فَحَصَلَ لِلْقَرْنِ الثَّانِي نَصِيبٌ وَافِرٌ أَيْضًا فِي إقَامَةِ هَذَا الدِّينِ , وَرُؤْيَةِ مَن رَأَى بِعَيْنِ رَأْسِهِ صَاحِبَ الشَّرِيعَةِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ - فَلِذَلِكَ كَانُوا خَيْرًا مِن الَّذِينَ بَعْدَهُمْ ثُمَّ عَقَبَهُمْ التَّابِعُونَ لَهُمْ , وَهُمْ تَابِعُو التَّابِعِينَ رضي الله عنهم فِيهِمْ حَدَّثَ الْفُقَهَاءُ الْمُقَلِّدُونَ الْمَرْجُوعُ إلَيْهِمْ فِي النَّوَازِلِ الْكَاشِفُونَ لِلْكُرُوبِ فَوَجَدُوا الْقُرْآنَ , وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مَجْمُوعًا مُيَسَّرًا وَوَجَدُوا الْأَحَادِيثَ قَدْ ضُبِطَتْ , وَأُحْرِزَتْ فَجَمَعُوا مِنهَا مَا كَانَ مُفَرَّقًا وَتَفَقَّهُوا فِي الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ عَلَى مُقْتَضَى قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ وَاسْتَخْرَجُوا فَوَائِدَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ وَاسْتَنْبَطُوا مِنهَا فَوَائِدَ وَأَحْكَامًا وَبَيَّنُوا عَلَى مُقْتَضَى الْمَنقُولِ وَالْمَعْقُولِ وَدَوَّنُوا الدَّوَاوِينَ وَيَسَّرُوا عَلَى النَّاسِ وَأَزَالُوا الْمُشْكِلَاتِ بِاسْتِخْرَاجِ الْفُرُوعِ مِن الْأُصُولِ وَرَدُّوا الْفَرْعَ إلَى أَصْلِهِ وَتَبَيَّنَ الْأَصْلُ مِن فَرْعِهِ فَانْتَظَمَ الْحَالُ وَاسْتَقَرَّ مِن الدِّينِ لِأُمَّةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - بِسَبَبِهِمْ الْخَيْرُ الْعَمِيمُ فَحَصَلَتْ لَهُمْ فِي إقَامَةِ هَذَا الدِّينِ خُصُوصِيَّةٌ أَيْضًا بِلِقَائِهِمْ مَن رَأَى صَاحِبَ الْعِصْمَةِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ - وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُبْقُوا لِمَن بَعْدَهُمْ شَيْئًا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ بِهِ بَلْ كُلُّ مَن أَتَى بَعْدَهُمْ إنَّمَا هُوَ مُقَلِّدٌ لَهُمْ فِي الْغَالِبِ وَتَابِعٌ لَهُمْ فَإِنْ ظَهَرَ لَهُمْ فِقْهٌ غَيْرُ فِقْهِهِمْ أَوْ فَائِدَةٌ غَيْرُ فَائِدَتِهِمْ فَمَرْدُودٌ كُلُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَعْنِي بِذَلِكَ أَنْ يَزِيدَ فِي حُكْمٍ مِن الْأَحْكَامِ الَّتِي تَقَرَّرَتْ أَوْ يُنْقِصَ مِنهَا فَذَلِكَ مَرْدُودٌ بِالْإِجْمَاعِ وَأَمَّا مَا اسْتَخْرَجَهُ مَن بَعْدَهُمْ مِن الْفَوَائِدِ غَيْرِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَحْكَامِ فَمَقْبُولٌ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام فِي الْقُرْآنِ لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ وَلَا يَخْلَقُ ،وَلا يَخْلَقُ مِن كَثْرَةِ الرَّدِّ" [6] فَعَجَائِبُ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ لَا تَنْقَضِي إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلُّ قَرْنٍ لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ فَوَائِدَ جَمَّةً خَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا وَضَمَّهَا إلَيْهِ لِتَكُونَ بَرَكَةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُسْتَمِرَّةً إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ قَالَ عليه الصلاة والسلام: « مَثَلُ أُمَّتِى مَثَلُ الْمَطَرِ لاَ يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ » [7] يَعْنِي فِي الْبَرَكَةِ وَالْخَيْرِ وَالدَّعْوَى إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَتَبْيِينِ الْأَحْكَامِ لَا أَنَّهُمْ يُحْدِثُونَ حُكْمًا مِن الْأَحْكَامِ اللَّهُمَّ إلَّا مَا يَنْدُرُ وُقُوعُهُ مِمَّا لَمْ يَقَعْ فِي زَمَانِ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ لَا بِالْفِعْلِ وَلَا بِالْقَوْلِ , وَلَا بِالْبَيَانِ فَيَجِبُ إذْ ذَاكَ أَنْ يُنْظَرَ الْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مُقْتَضَى قَوَاعِدِهِمْ فِي الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ عَنهُمْ الْمُبَيَّنَةِ الصَّرِيحَةِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى مُقْتَضَى أُصُولِهِمْ قَبِلْنَاهُ فَلَمَّا أَنْ مَضَوْا لِسَبِيلِهِمْ طَاهِرِينَ ثُمَّ أَتَى مَن جَاءَ بَعْدَهُمْ وَلَمْ يَجِدْ فِي هَذَا الدِّينِ وَظِيفَةً يَقُومُ بِهَا وَيَخْتَصُّ بِهَا بَلْ وَجَدَ الْأَمْرَ عَلَى أَكْمَلِ الْحَالَاتِ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ إلَّا أَنْ يَحْفَظَ مَا دَوَّنُوهُ وَاسْتَنْبَطُوهُ وَاسْتَخْرَجُوهُ وَأَفَادُوهُ فَاخْتَصَّتْ إقَامَةُ هَذَا الدِّينِ بِالْقُرُونِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ لَيْسَ إلَّا فَلِأَجْلِ ذَلِكَ ،كَانُوا خَيْرًا مِمَن أَتَى بَعْدَهُمْ وَلَا يَحْصُلُ لِمَن أَتَى بَعْدَ هَذِهِ الْقُرُونِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْخَيْرِ خَيْرٌ إلَّا بِالِاتِّبَاعِ لِمَن شَهِدَ لَهُ صَاحِبُ الْعِصْمَةِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ - بِالْخَيْرِ فَبَقِيَ كُلُّ مَن أَتَى بَعْدَهُمْ فِي مِيزَانِهِمْ وَمِن بَعْضِ حَسَنَاتِهِمْ فَبَانَ مَا قَالَ عليه الصلاة والسلام"خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" [8] فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ وَعُلِمَ فَكُلُّ مَن أَتَى بَعْدَهُمْ يَقُولُ فِي بِدْعَةٍ إنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ ثُمَّ يَأْتِي بِدَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ خَارِجٍ عَن أُصُولِهِمْ فَذَلِكَ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ انْتَهَى .
فَتَبَيَّنَ مِن هَذِهِ النُّقُولِ الصَّحِيحَةِ وَالنُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ بُطْلَانُ قَوْلِهِمْ إنَّ كُتُبَ الْفِقْهِ لَا تَخْلُو مِن الْخَطَأِ وَفِيهَا أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ مُخَالِفَةٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ , وَأَمَّا قَوْلُهُمْ كَيْفَ تَتْرُكُ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ وَتُقَلِّدُ الْأَئِمَّةَ فِي اجْتِهَادِهِمْ الْمُحْتَمِلِ لِلْخَطَأِ فَجَوَابُهُ أَنَّ تَقْلِيدَ الْأَئِمَّةِ فِي اجْتِهَادِهِمْ لَيْسَ تَرْكًا لِلْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ بَلْ هُوَ عَيْنُ التَّمَسُّكِ وَالْأَخْذِ بِالْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ مَا وَصَلَ إلَيْنَا إلَّا بِوَاسِطَتِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ أَعْلَمَ مِنَّا بِنَاسِخِهِ وَمَنسُوخِهِ وَمُطْلَقِهِ وَمُقَيَّدِهِ وَمُجْمَلِهِ وَمُبَيَّنِهِ وَمُتَشَابِهِهِ وَمُحْكَمِهِ وَأَسْبَابِ نُزُولِهِ وَمَعَانِيهِ وَتَأْوِيلَاتِهِ وَلُغَاتِهِ وَسَائِرِ عُلُومِهِ وَتَلَقِّيهِمْ ذَلِكَ عَن التَّابِعِينَ الْمُتَلَقِّينَ ذَلِكَ عَن الصَّحَابَةِ الْمُتَلَقِّينَ عَن الشَّارِعِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ - الْمَعْصُومِ مِن الْخَطَأِ الشَّاهِدِ لِلْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ بِالْخَيْرِيَّةِ . وَكَذَلِكَ الْأَحَادِيثُ مَا وَصَلَتْ إلَيْنَا إلَّا بِوَاسِطَتِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ أَعْلَمَ مِمَن بَعْدَهُمْ بِصَحِيحِهَا وَحَسَنِهَا وَضَعِيفِهَا وَمَرْفُوعِهَا وَمُرْسَلِهَا وَمُتَوَاتِرِهَا وَآحَادِهَا وَمُعْضِلِهَا وَغَرِيبِهَا وَتَأْوِيلِهَا وَتَارِيخِ الْمُتَقَدِّمِ وَالْمُتَأَخِّرِ وَالنَّاسِخِ وَالْمَنسُوخِ وَأَسْبَابِهَا وَلُغَاتِهَا وَسَائِرِ عُلُومِهَا مَعَ تَمَامِ ضَبْطِهِمْ وَتَحْرِيرِهِمْ لَهَا وَكَمَالِ إدْرَاكِهِمْ وَقُوَّةِ دِيَانَتِهِمْ وَاعْتِنَائِهِمْ وَتَفَرُّغِهِمْ , وَنُورِ بَصَائِرِهِمْ فَلَا يَخْلُو أَمْرُ هَذِهِ الشِّرْذِمَةِ مِن أَحَدِ شَيْئَيْنِ إمَّا نِسْبَةُ الْجَهْلِ لِلْأَئِمَّةِ الْمُجْمَعِ عَلَى كَمَالِ عِلْمِهِمْ الْمُشَارِ لَهُ فِي أَحَادِيثِ الشَّارِعِ الصَّادِقِ عليه الصلاة والسلام ،وَإِمَّا نِسْبَةُ الضَّلَالِ وَقِلَّةُ الدِّينِ لِلْأَئِمَّةِ الَّذِينَ هُمْ مِن خَيْرِ الْقُرُونِ بِشَهَادَةِ الرَّسُولِ الْمُعَظَّمِ - صلى الله عليه وسلم - { فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} (46) سورة الحج , وَقَوْلُهُمْ لِمَن قَلَّدَ مَالِكًا مَثَلًا نَقُولُ لَك قَالَ اللَّهُ أَوْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَنْتَ تَقُولُ قَالَ مَالِكٌ أَوْ ابْنُ الْقَاسِمِ أَوْ خَلِيلٌ . . . إلَخْ جَوَابُهُ أَنَّ قَوْلَ الْمُقَلِّدِ قَالَ مَالِكٌ إلَخْ مَعْنَاهُ قَالَ مَالِكٌ فَاهِمًا مِن كَلَامِ اللَّهِ أَوْ كَلَامِ رَسُولِهِ أَوْ مُتَمَسِّكًا بِعَمَلِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ الْفَاهِمِينَ كَلَامَ اللَّهِ أَوْ كَلَامَ رَسُولِهِ أَوْ الْمُتَأَسِّينَ بِفِعْلِ رَسُولِهِ , وَمَعْنَى قَوْلِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنَّهُ نَقَلَ عَن مَالِكٍ مَا فَهِمَهُ مِن كَلَامِ اللَّهِ إلَخْ أَوْ أَنَّهُ فَهِمَهُ نَفْسُ ابْنِ الْقَاسِمِ مِن كَلَامِ اللَّهِ إلَخْ وَمَعْنَى قَوْلِهِ قَالَ خَلِيلٌ مَثَلًا أَنَّهُ نَاقِلٌ عَمَن ذَكَرَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ مُجْمَعٌ عَلَى إمَامَتِهِمَا وَمِن خَيْرِ الْقُرُونِ وَالتَّارِكُ لِلتَّقْلِيدِ يَقُولُ قَالَ اللَّهُ أَوْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مُسْتَقِلًّا بِفَهْمِهِ مَعَ عَجْزِهِ عَن ضَبْطِ الْآيَةِ , وَالْحَدِيثِ وَوَصْلِ السَّنَدِ فَضْلًا عَن عَجْزِهِ عَن مَعْرِفَةِ نَاسِخِهِ وَمَنسُوخِهِ وَمُطْلَقِهِ وَمُقَيَّدِهِ وَمُجْمَلِهِ وَمُبَيَّنِهِ وَظَاهِرِهِ , وَنَصِّهِ وَعَامِّهِ وَخَاصِّهِ وَتَأْوِيلِهِ وَسَبَبِ نُزُولِهِ وَلُغَاتِهِ وَسَائِرِ عُلُومِهِ فَانْظُرْ أَيَّهُمَا يُقَدِّمُ قَوْلَ الْمُقَلِّدِ . قَالَ مَالِكٌ: الْإِمَامُ بِالْإِجْمَاعِ أَوْ قَوْلُ الْجَهُولِ قَالَ اللَّهُ أَوْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ إنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ .
(1) - فتاوى ابن عليش - (ج 1 / ص 91)
(2) - مصنف عبد الرزاق (20101) وجامع معمر (707) وقيه جهالة
(3) - صحيح البخارى (7352 ) ومسلم (4584 )
(4) - صحيح البخارى (2697 ) ومسلم (4589)
(5) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 12 / ص 111) (32884) صحيح موقوف
(6) - سنن الترمذى (3153 ) حسن لغيره
(7) - سنن الترمذى (3109 ) صحيح لغيره
(8) - مسند البزار (4508) صحيح