قال في ترجمة الإمام مالك رحمه الله [1] :"قَالَ مَالِكِيٌّ: قَدْ نَدَرَ الاجْتِهَادُ اليَوْمَ، وَتَعَذَّرَ، فَمَالِكٌ أَفْضَلُ مَنْ يُقَلَّدُ، فَرَجَّحَ تَقْلِيْدَهُ."
وَقَالَ شَيْخٌ: إِنَّ الإِمَامَ لِمَنِ التَزَمَ بِتَقلِيْدِهِ، كَالنَّبِيِّ مَعَ أُمَّتِهِ، لاَ تَحِلُّ مُخَالَفَتُهُ.
قُلْتُ: قَوْلُهُ: لاَ تَحِلُّ مُخَالَفَتُه: مُجَرَّدُ دَعْوَى وَاجْتِهَادٍ بِلاَ مَعْرِفَةٍ، بَلْ لَهُ مُخَالَفَةُ إِمَامِهِ إِلَى إِمَامٍ آخَرَ، حُجَّتُهُ فِي تِلْكَ المَسْأَلَةِ أَقوَى، لاَ بَلْ عَلَيْهِ اتِّبَاعُ الدَّلِيْلِ فِيْمَا تَبَرهَنَ لَهُ، لاَ كَمَنْ تَمَذْهَبَ لإِمَامٍ، فَإِذَا لاَحَ لَهُ مَا يُوَافِقُ هَوَاهُ، عَمِلَ بِهِ مِنْ أَيِّ مَذْهَبٍ كَانَ، وَمَنْ تَتَبَّعَ رُخَصَ المَذَاهِبِ، وَزَلاَّتِ المُجْتَهِدِيْنَ، فَقَدْ رَقَّ دِيْنُهُ، كَمَا قَالَ الأَوْزَاعِيُّ أَوْ غَيْرُهُ: مَنْ أَخَذَ بِقَوْلِ المَكِّيِّيْنَ فِي المُتْعَةِ، وَالكُوْفِيِّيْنَ فِي النَّبِيذِ، وَالمَدَنِيِّينَ فِي الغِنَاءِ، وَالشَّامِيِّينَ فِي عِصْمَةِ الخُلَفَاءِ، فَقَدْ جَمَعَ الشَّرَّ.
وَكَذَا مَنْ أَخَذَ فِي البُيُوْعِ الرَّبَوِيَّةِ بِمَنْ يَتَحَيَّلُ عَلَيْهَا، وَفِي الطَّلاَقِ وَنِكَاحِ التَّحْلِيْلِ بِمَنْ تَوسَّعَ فِيْهِ، وَشِبْهِ ذَلِكَ، فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلانحِلاَلِ، فَنَسْأَلُ اللهَ العَافِيَةَ وَالتَّوفِيْقَ.
وَلَكِنْ شَأْنُ الطَّالِبِ أَنْ يَدْرُسَ أَوَّلًا مُصَنَّفًا فِي الفِقْهِ، فَإِذَا حَفِظَهُ، بَحَثَهُ، وَطَالَعَ الشُّرُوحَ، فَإِنْ كَانَ ذَكِيًّا، فَقِيْهَ النَّفْسِ، وَرَأَى حُجَجَ الأَئِمَّةِ، فَلْيُرَاقِبِ اللهَ، وَلْيَحْتَطْ لِدِيْنِهِ، فَإِنَّ خَيْرَ الدِّيْنِ الوَرَعُ، وَمَنْ تَرَكَ الشُّبُهَاتِ، فَقَدِ اسْتَبرَأَ لِدِيْنِهِ وَعِرْضِهِ، وَالمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَهُ اللهُ.
فَالمُقَلَّدُوْنَ صحَابَةُ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِشَرْطِ ثُبُوْتِ الإِسْنَادِ إِلَيْهِم، ثُمَّ أَئِمَّةُ التَّابِعِيْنَ كَعَلْقَمَةَ، وَمَسْرُوْقٍ، وَعَبِيْدَةَ السَّلْمَانِيِّ، وَسَعِيْدِ بنِ المُسَيِّبِ، وَأَبِي الشَّعْثَاءِ، وَسَعِيْدِ بنِ جُبَيْرٍ، وَعُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ، وَعُرْوَةَ، وَالقَاسِمِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالحَسَنِ، وَابْنِ سِيْرِيْنَ، وَإِبْرَاهِيْمَ النَّخَعِيِّ.
ثُمَّ كَالزُّهْرِيِّ، وَأَبِي الزِّنَادِ، وَأَيُّوْبَ السِّخْتِيَانِيِّ، وَرَبِيْعَةَ، وَطَبَقَتِهِم.
ثُمَّ كَأَبِي حَنِيْفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالأَوْزَاعِيِّ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، وَمَعْمَرٍ، وَابْنِ أَبِي عَرُوْبَةَ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالحَمَّادَيْنِ، وَشُعْبَةَ، وَاللَّيْثِ، وَابْنِ المَاجِشُوْنِ، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ.
ثُمَّ كَابْنِ المُبَارَكِ، وَمُسْلِمٍ الزَّنْجِيِّ، وَالقَاضِي أَبِي يُوْسُفَ، وَالهِقْلِ بنِ زِيَادٍ، وَوَكِيْعٍ، وَالوَلِيْدِ بنِ مُسْلِمٍ، وَطَبَقَتِهِم.
ثُمَّ كَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَالبُوَيْطِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ بنِ أَبِي شَيْبَةَ.
ثُمَّ كَالمُزَنِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ الأَثْرَمِ، وَالبُخَارِيِّ، وَدَاوُدَ بنِ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدِ بنِ نَصْرٍ المَرْوَزِيِّ، وَإِبْرَاهِيْمَ الحَرْبِيِّ، وَإِسْمَاعِيْلَ القَاضِي.
ثُمَّ كَمُحَمَّدِ بنِ جَرِيْرٍ الطَّبَرِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ بنِ خُزَيْمَةَ، وَأَبِي عَبَّاسٍ بنِ سُرَيْجٍ، وَأَبِي بَكْرٍ بنِ المُنْذِرِ، وَأَبِي جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ الخَلاَّلِ.
ثُمَّ مِنْ بَعْدِ هَذَا النَّمَطِ تَنَاقَصَ الاجْتِهَادُ، وَوُضِعَتِ المُخْتَصَرَاتُ، وَأَخلَدَ الفُقَهَاءُ إِلَى التَّقْلِيْدِ، مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي الأَعْلَمِ، بَلْ بِحَسبِ الاتِّفَاقِ، وَالتَّشَهِّي، وَالتَّعْظِيْمِ، وَالعَادَةِ، وَالبَلَدِ.
فَلَو أَرَادَ الطَّالِبُ اليَوْمَ أَنْ يَتَمَذْهَبَ فِي المَغْرِبِ لأَبِي حَنِيْفَةَ، لَعَسُرَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَتَمَذْهَبَ لابْنِ حَنْبَلٍ بِبُخَارَى وَسَمَرْقَنْدَ، لَصَعُبَ عَلَيْهِ، فَلاَ يَجِيْءُ مِنْهُ حَنْبَلِيٌّ، وَلاَ مِنَ المَغْرِبِيِّ حَنَفِيٌّ، وَلاَ مِنَ الهِنْدِيِّ مَالِكِيٌّ.
وَبِكُلِّ حَالٍ: فَإِلَى فِقْهِ مَالِكٍ المُنْتَهَى، فَعَامَّةُ آرَائِهِ مُسَدَّدَةٌ، وَلَو لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلاَّ حَسمُ مَادَةِ الحِيَلِ، وَمُرَاعَاةُ المَقَاصِدِ، لَكَفَاهُ، وَمَذْهَبُهُ قَدْ مَلأَ المَغْرِبَ وَالأَنْدَلُسَ، وَكَثِيْرًا مِنْ بِلاَدِ مِصْرَ، وَبَعْضَ الشَّامِ، وَالِيَمَنَ، وَالسُّوْدَانَ، وَبِالبَصْرَةِ، وَبَغْدَادَ، وَالكُوْفَةِ، وَبَعْضِ خُرَاسَانَ.
وَكَذَلِكَ اشْتُهِرَ مَذْهَبُ الأَوْزَاعِيِّ مُدَّةً، وَتَلاَشَى أَصْحَابُهُ، وَتَفَانَوْا.
وَكَذَلِكَ مَذْهَبُ سُفْيَانَ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ سَمَّيْنَا، وَلَمْ يَبْقَ اليَوْمَ إِلاَّ هَذِهِ المَذَاهِبُ الأَرْبَعَةُ.
وَقَلَّ مَنْ يَنهَضُ بِمَعْرِفَتِهَا كَمَا يَنْبَغِي، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُوْنَ مُجْتَهِدًا.
وَانْقَطَعَ أَتْبَاعُ أَبِي ثَوْرٍ بَعْدَ الثَّلاَثِ مائَةٍ، وَأَصْحَابُ دَاوُدَ إِلاَّ القَلِيْلُ، وَبَقِيَ مَذْهَبُ ابْنِ جَرِيْرٍ إِلَى مَا بَعْدَ الأَرْبَعِ مائَةٍ.
وَللزَّيْدِيَّةِ مَذْهَبٌ فِي الفُرُوْعِ بِالحِجَازِ وَبِاليَمَنِ، لَكِنَّهُ مَعْدُوْدٌ فِي أَقْوَالِ أَهْلِ البِدَعِ، كَالإِمَامِيَّةِ، وَلاَ بَأْسَ بِمَذْهَبِ دَاوُدَ، وَفِيْهِ أَقْوَالٌ حَسَنَةٌ، وَمُتَابَعَةٌ لِلنُّصُوصِ، مَعَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ العُلَمَاءِ لاَ يَعتَدُّونَ بِخِلاَفِهِ، وَلَهُ شُذُوْذٌ فِي مَسَائِلَ شَانَتْ مَذْهَبَهُ.
وَأَمَّا القَاضِي، فَذَكَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ تَقلِيْدِهِم إِجْمَاعًا، فَإِنَّهُ سَمَّى المَذَاهِبَ الأَرْبَعَةَ، وَالسُّفْيَانِيَّةَ، وَالأَوْزَاعِيَّةَ، وَالدَّاوُوْدِيَّةَ.
ثُمَّ إِنَّهُ قَالَ: فَهَؤُلاَءِ الَّذِيْنَ وَقَعَ إِجْمَاعُ النَّاسِ عَلَى تَقْلِيْدِهِم، مَعَ الاخْتِلاَفِ فِي أَعْيَانِهِم، وَاتِّفَاقِ العُلَمَاءِ عَلَى اتِّبَاعِهِم، وَالاقْتِدَاءِ بِمَذَاهِبِهِم، وَدَرْسِ كُتُبِهِم، وَالتَّفَقُّهِ عَلَى مَآخِذِهِم، وَالتَّفْرِيْعِ عَلَى أُصُوْلِهِم، دُوْنَ غَيْرِهِم مِمَّنْ تَقَدَّمَهُم أَوْ عَاصَرَهُم؛ لِلْعِلَلِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا.
وَصَارَ النَّاسُ اليَوْمَ فِي الدُّنْيَا إِلَى خَمْسَةِ مَذَاهِبَ، فَالخَامِسُ: هُوَ مَذْهَبُ الدَّاوُوْدِيَّةِ.
فَحَقٌّ عَلَى طَالِبِ العِلْمِ أَنْ يَعْرِفَ أَوْلاَهُم بِالتَّقْلِيْدِ، لِيَحصَلَ عَلَى مَذْهَبِهِ.
وَهَا نَحْنُ نُبَيِّنُ أَنَّ مَالِكًا -رَحِمَهُ اللهُ- هُوَ ذَلِكَ؛ لِجَمعِهِ أَدَوَاتِ الإِمَامَةِ، وَكَونِهِ أَعْلَمَ القَوْمِ.
ثُمَّ وَجَّهَ القَاضِي دَعوَاهُ، وَحَسَّنَهَا، وَنَمَّقَهَا، وَلَكِنْ مَا يَعْجِزُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ حَنَفِيٍّ، وَشَافِعِيٍّ، وَحَنْبَلِيٍّ، وَدَاوُوْدِيٍّ عَنِ ادِّعَاءِ مِثْلِ ذَلِكَ لِمَتْبُوعِه، بَلْ ذَلِكَ لِسَانُ حَالِه، وَإِنْ لَمْ يَفُهْ بِهِ.
ثُمَّ قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ: وَعِنْدنَا - وَللهِ الحَمْدُ - لِكُلِّ إِمَامٍ مِنَ المَذْكُوْرِيْنَ مَنَاقِبُ، تَقْضِي لَهُ بِالإِمَامَةِ.
قُلْتُ: وَلَكِنَّ هَذَا الإِمَامَ الَّذِي هُوَ النَّجمُ الهَادِي قَدْ أَنْصَفَ، وَقَالَ قَوْلًا فَصْلًا، حَيْثُ يَقُوْلُ:
كُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِه، وَيُتْرَكُ، إِلاَّ صَاحِبَ هَذَا القَبْرِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
وَلاَ رَيْبَ أَنَّ كُلَّ مِنْ أَنِسَ مِنْ نَفْسِهِ فِقهًا، وَسَعَةَ عِلْمٍ، وَحُسْنَ قَصدٍ، فَلاَ يَسَعُهُ الالْتِزَامُ بِمَذْهَبٍ وَاحِدٍ فِي كُلِّ أَقْوَالِه، لأَنَّهُ قَدْ تَبَرَهَنَ لَهُ مَذْهَبُ الغَيْرِ فِي مَسَائِلَ، وَلاَحَ لَهُ الدَّلِيْلُ، وَقَامَتْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ، فَلاَ يُقَلِّدُ فِيْهَا إِمَامَهُ، بَلْ يَعْمَلُ بِمَا تَبَرْهَنَ، وَيُقِلِّدُ الإِمَامَ الآخَرَ بِالبُرْهَانِ، لاَ بِالتَّشَهِّي وَالغَرَضِ.
لِكَنَّهُ لاَ يُفْتِي العَامَّةَ إِلاَّ بِمَذْهَبِ إِمَامِه، أَوْ لِيَصمُتْ فِيْمَا خَفِيَ عَلَيْهِ دَلِيْلُهُ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: العِلْمُ يَدُوْرُ عَلَى ثَلاَثَةٍ: مَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ.
قُلْتُ: بَلْ وَعَلَى سَبْعَةٍ مَعَهُم، وَهُمُ: الأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَعْمَرٌ، وَأَبُو حَنِيْفَةَ، وَشُعْبَةُ، وَالحَمَّادَانِ."."
الفصل الثاني
أحكام تتبع الرخص
الرخصُ الشرعيةُ الثابتة بالكتاب أو السنة لا باس بتتبعها والأخذ بها لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ ». [3]
وفي المسند عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « إِنَّ اللَّهَ يُحِبُ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ » [4] . وهذه الرخص مثل القصر والفطر للمسافر، والمسح على الخفين والجبائر.
ومن الرخص الشرعية ما يجبُ الأخذ به كالأكل من لحم الميتة عند الضرورة وخوف الهلاك ، ونحو ذلك .
أما تتبع رخص المذاهب الاجتهادية والجري وراءها دون سبب من الأسباب المعتبرة فإنه يعد هروبًا من التكاليف وهدمًا لبنيان الدين، ونقضًا لمقاصد الشرع المرعيةِ في الأوامر والنواهي الشرعية. وقد اعتبر العلماءُ هذا العمل فسقًا لا يحلُّ ارتكابه.
وحكى ابنُ حزمٍ الإجماعَ على ذلك، وقال في الإحكام نقلًا عن سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ: إنْ أَخَذْت بِرُخْصَةِ كُلِّ عَالِمٍ اجْتَمَعَ فِيك الشَّرُّ كُلُّهُ [5] .
ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن ابن عبد البر أنه قَالَ: هَذَا إجْمَاعٌ لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا [6] .
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"إِنِّي أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي مِن ثَلاثٍ: مِن زَلَّةِ عَالِمٍ ، وَمِن هَوًى مُتَّبَعٍ ، وَمِن حُكْمٍ جَائِرٍ." [7] .
وعَن زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ قَالَ قَالَ لِى عُمَرُ: هَلْ تَعْرِفُ مَا يَهْدِمُ الإِسْلاَمَ؟ قَالَ قُلْتُ: لاَ. قَالَ: يَهْدِمُهُ زَلَّةُ الْعَالِمِ وَجِدَالُ الْمُنَافِقِ بِالْكِتَابِ وَحُكْمُ الأَئِمَّةِ الْمُضِلِّينَ [8] .
وقال الإمام أحمد: لو أن رجلًا عمل بقول أهل الكوفة في النبيذ وأهل المدينة في السماع وأهل مكة في المتعة كان فاسقًا [9] .
وقال الأوزاعيُّ: مَن أَخَذَ بِنَوَادِرِ الْعُلَمَاءِ خَرَجَ مِنَ الإِسْلاَمِ [10] .
وقَالَ إسْمَاعِيلَ الْقَاضِيَ: دَخَلْت عَلَى الْمُعْتَضِدِ فَدَفَعَ إلَيَّ كِتَابًا نَظَرْت فِيهِ وَقَدْ جَمَعَ فِيهِ الرُّخَصَ مِن زَلَلِ الْعُلَمَاءِ وَمَا احْتَجَّ بِهِ كُلٌّ مِنهُمْ ، فَقُلْت: مُصَنِّفُ هَذَا زِنْدِيقٌ ، فَقَالَ: لَمْ تَصِحَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ ؟ قُلْت: الْأَحَادِيثُ عَلَى مَا رَوَيْت وَلَكِنْ مَن أَبَاحَ الْمُسْكِرَ لَمْ يُبِحْ الْمُتْعَةَ ، وَمَن أَبَاحَ الْمُتْعَةَ لَمْ يُبِحْ الْمُسْكِرَ ، وَمَا مِن عَالِمٍ إلَّا وَلَهُ زَلَّةٌ ، وَمَن جَمَعَ زَلَلَ الْعُلَمَاءِ ثُمَّ أَخَذَ بِهَا ذَهَبَ دِينُهُ ، فَأَمَرَ الْمُعْتَضِدُ بِإِحْرَاقِ ذَلِكَ الْكِتَابِ .
فالأخذ بالرّخص لا يعني تتبّعها والبحث عنها للتّحلّل من التّكليف وإنّما يعني الانتقال من تكليفٍ أشدّ إلى تكليفٍ أخفّ لسببٍ شرعيٍّ [11] .
والنقول في هذا الباب كثيرة جدًا لا تكاد تحصى، والعلماء متفقون على مضمونها وإن اختلفت عباراتهم، وعلة ذلك عندهم أنه ما من عالم إلا وله زلةٌ في مسألة لم يبلغه فيها الدليل أو أخطأ فهمه فيها الصواب. فمن تبعَ ذلك وأخذ به تملَّص من التكاليف الشرعية وزاغ عن جادة الحق وهو لا يدري.
فالعالمُ معذورٌ مأجورٌ، ومتَّبعه في ذلك بعدما يتبينُ له الحقُّ مذمومٌ مأزورٌ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعدما نقل كلامًا لابن المبارك في هذا المعنى: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، فَإِنَّهُ مَا مِن أَحَدٍ مِن أَعْيَانِ الْأُمَّةِ مِن السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ وَمَن بَعْدَهُمْ إلَّا لَهُمْ أَقْوَالٌ وَأَفْعَالٌ خَفِيَ عَلَيْهِمْ فِيهَا السُّنَّةُ وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ لَا يُحْصَى مَعَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَغُضُّ مِن أَقْدَارِهِمْ وَلَا يُسَوِّغُ اتِّبَاعَهُمْ فِيهَا. [12] انتهى كلامه.
وفي الموسوعة الفقهية [13] :
"الرُّخَصُ الشَّرْعِيَّةُ الثَّابِتَةُ بِالْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ لاَ بَأْسَ فِي تَتَبُّعِهَا لِقَوْل النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: « إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ ، كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ» [14] "
أَمَّا تَتَبُّعُ رُخَصِ الْمَذَاهِبِ الاِجْتِهَادِيَّةِ وَالْجَرْيُ وَرَاءَهَا دُونَ سَبَبٍ مِنَ الأَْسْبَابِ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُهَا وَنَحْوُهَا مِمَّا يُمَاثِلُهَا يُعْتَبَرُ هُرُوبًا مِنَ التَّكَالِيفِ ، وَتَخَلُّصًا مِنَ الْمَسْئُولِيَّةِ ، وَهَدْمًا لِعَزَائِمِ الأَْوَامِرِ وَالنَّوَاهِي ، وَجُحُودًا لِحَقِّ اللَّهِ فِي الْعِبَادَةِ ، وَهَضْمًا لِحُقُوقِ عِبَادِهِ ، وَهُوَ يَتَعَارَضُ مَعَ مَقْصِدِ الشَّرْعِ الْحَكِيمِ مِنَ الْحَثِّ عَلَى التَّخْفِيفِ عُمُومًا وَعَلَى التَّرَخُّصِ بِصِفَةٍ خَاصَّةٍ { يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ } (185) سورة البقرة.
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ وَقَدِ اعْتَبَرَ الْعُلَمَاءُ هَذَا الْعَمَل فِسْقًا لاَ يَحِل [15] .
وَحَكَى ابْنُ حَزْمٍ الإِْجْمَاعَ عَلَيْهِ . [16]
وَقَال نَقْلًا عَنْ غَيْرِهِ: لَوْ أَخَذْتَ بِرُخْصَةِ كُل عَالِمٍ اجْتَمَعَ فِيكَ الشَّرُّ كُلُّهُ . [17]
وَقَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا عَمِل بِقَوْل أَهْل الْكُوفَةِ فِي النَّبِيذِ وَأَهْل الْمَدِينَةِ فِي السَّمَاعِ وَأَهْل مَكَّةَ فِي الْمُتْعَةِ كَانَ فَاسِقًا . [18]
وَقَدْ دَخَل الْقَاضِي إِسْمَاعِيل - يَوْمًا - عَلَى الْمُعْتَضِدِ الْعَبَّاسِيِّ فَرَفَعَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ كِتَابًا وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ وَقَدْ جَمَعَ فِيهِ صَاحِبُهُ الرُّخَصَ مِنْ زَلَل الْعُلَمَاءِ فَقَال لَهُ الْقَاضِي الْمَذْكُورُ - بَعْدَ أَنْ تَأَمَّلَهُ -: مُصَنِّفُ هَذَا زِنْدِيقٌ ، فَقَال: أَلَمْ تَصِحَّ هَذِهِ الأَْحَادِيثُ ؟ قَال: بَلَى ، وَلَكِنْ مَنْ أَبَاحَ الْمُسْكِرَ لَمْ يُبِحِ الْمُتْعَةَ ، وَمَنْ أَبَاحَ الْمُتْعَةَ لَمْ يُبِحِ الْغِنَاءَ وَالْمُسْكِرَ ، وَمَا مِنْ عَالِمٍ إِلاَّ وَلَهُ زَلَّةٌ ، وَمَنْ جَمَعَ زَلَل الْعُلَمَاءِ ثُمَّ أَخَذَ بِهَا ذَهَبَ دِينُهُ ، فَأَمَرَ الْمُعْتَضِدُ بِإِحْرَاقِ ذَلِكَ الْكِتَابِ . [19]
فَالأَْخْذُ بِالرُّخَصِ لاَ يَعْنِي تَتَبُّعَهَا وَالْبَحْثَ عَنْهَا لِلتَّحَلُّل مِنَ التَّكْلِيفِ وَإِنَّمَا يَعْنِي الاِنْتِقَال مِنْ تَكْلِيفٍ أَشَدَّ إِلَى تَكْلِيفٍ أَخَفَّ لِسَبَبٍ شَرْعِيٍّ .
ــــــــــــــــ
(1) - سير أعلام النبلاء (8/90-94)
(2) -فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 2 / ص 1809) رقم الفتوى 4145 رخص المذاهب وحكم تتبعها، واختلاف الأئمة. تاريخ الفتوى: 13 صفر 1422 وانظر في الموضوع نفسه فتاوى الأزهر - (ج 7 / ص 172) وفتاوى الأزهر - (ج 7 / ص 173) وفتاوى السبكي - (ج 1 / ص 285) وفتاوى الرملي - (ج 6 / ص 258) والفتاوى الفقهية الكبرى - (ج 10 / ص 112) و (ج 10 / ص 120) والحاوي للفتاوي للسيوطي - (ج 1 / ص 438) ولقاءات الباب المفتوح - (ج 46 / ص 8) وفتاوى الإسلام سؤال وجواب - (ج 1 / ص 303) وفتاوى الزحيلي - (ج 1 / ص 110) والفقه الإسلامي وأدلته - (ج 1 / ص 9) و (ج 1 / ص 78) والدرر السنية في الأجوبة النجدية - الرقمية - (ج 4 / ص 34) ومجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين - (ج 11 / ص 44) وفتاوى واستشارات الإسلام اليوم - (ج 4 / ص 445) وإعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 1 / ص 493)
(3) - السنن الكبرى للبيهقي (ج 3 / ص 140) برقم ( 5621 ) وصحيح ابن حبان - (ج 2 / ص 69) برقم (354 و3568 ) وغيرهما من طرق وهو صحيح مشهور
(4) - مسند أحمد برقم ( 6004 و6012 ) وهو صحيح مشهور
(5) - عون المعبود - (ج 10 / ص 456) والموسوعة الفقهية الكويتية (ج 22 / ص 164) و الأحكام 6 / 179 .
(6) - الفتاوى الكبرى - (ج 9 / ص 108) ومجموع فتاوى و مقالات ابن باز - (ج 3 / ص 407) والموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 7760) والدرر السنية في الأجوبة النجدية - الرقمية - (ج 11 / ص 118) والأحكام لابن حزم - (ج 6 / ص 883) وإعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 4 / ص 52) والموافقات في أصول الشريعة - (ج 3 / ص 113) و مجلة مجمع الفقه الإسلامي - (ج 2 / ص 15810) وفتاوى ابن عليش - (ج 1 / ص 75)
(7) - فيه ضعف مسند البزار برقم (3384) ومجمع الزوائد - (ج 1 / ص 439) برقم (883) والمعجم الكبير للطبراني برقم (16701 ) عن معاذ وشعب الإيمان للبيهقي برقم ( 9935 ) ابن عمر من طرق تحسنه لغيره
وانظر والفتاوى الكبرى - (ج 9 / ص 108) وإعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 4 / ص 53) والموافقات في أصول الشريعة - (ج 2 / ص 400) و (ج 3 / ص 112) وفتاوى الرملي - (ج 6 / ص 169)
(8) - سنن الدارمى برقم (220) وجامع الأحاديث برقم ( 29738) وأخرجه الفريابى في صفة المنافق (1/54 ، رقم 31) والفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي برقم ( 599 ) وهو صحيح
(9) - الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 22 / ص 164) وإرشاد الفحول الي تحقيق الحق من علم الاصول - (ج 2 / ص 139) والتقليد والإفتاء والاستفتاء - (ج 1 / ص 40) و مجموع فتاوى و مقالات ابن باز - (ج 3 / ص 407) وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 2 / ص 1809) رقم الفتوى 4145 رخص المذاهب وحكم تتبعها، واختلاف الأئمة.والدرر السنية في الأجوبة النجدية - الرقمية - (ج 15 / ص 155)
(10) - السنن الكبرى للبيهقي (ج 10 / ص 211) برقم (21446) وإسناده صحيح إليه
وانظر فتاوى قطاع الإفتاء بالكويت - (ج 1 / ص 47) والموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 11497) والبحر المحيط - (ج 8 / ص 271) وإرشاد الفحول إلي تحقيق الحق من علم الأصول - (ج 2 / ص 139) والتقليد والإفتاء والاستفتاء - (ج 1 / ص 40)
(11) - الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 22 / ص 164) والبحر المحيط - (ج 8 / ص 271) وإرشاد الفحول الي تحقيق الحق من علم الاصول - (ج 2 / ص 139) والتقليد والإفتاء والاستفتاء - (ج 1 / ص 40)
(12) - الفتاوى الكبرى - (ج 9 / ص 108) وإعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 4 / ص 52)
(13) - الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 22 / ص 164)
(14) - السنن الكبرى للبيهقي (ج 3 / ص 140) (5621) صحيح لغيره
(15) - الموافقات 4 / 140، وشرح التنقيح ص 386 ، والمعيار 6 / 369 - 381 ، 382 .
(16) - مراتب الإجماع ص 175 .
(17) - الأحكام 6 / 179 .
(18) - إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول ص 272 .
(19) - نفس المصدر .