فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 164

لقد اختلف أهل العلم في حكم التزام مذهب معينٍ من المذاهب المعتبرة على أقوال عديدة، والذي يرجحه المحققون منهم: جواز ذلك في حقِّ العاميِّ وغير العالم بأحكام الشريعة؛ لأن هؤلاء لا يستطيعون النظر والاجتهاد، ومن أجل ألاّ يختار أحدهم الأسهل والأهون من أقوال أهل العلم من المذاهب المختلفة.

أمَّا طلاب العلم والقادرون على النظر في الأدلة والاجتهاد في النوازل والحوادث ولو بالاجتهاد الجزئي - وهو القدرة على الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض - فإن الواجب عليهم النظرَ في الأدلة، والعمل بما يوافقها، وطرح ما يخالفها؛ لأنَّ الواجب على جميع المكلفين معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها، ولكن تُرك هذا الأمر في حقِّ عامة الناس لعدم قدرتهم عليه؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: { لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ } (286) سورة البقرة ، فيبقى الأمر على ما هو عليه فيمن عداهم من أهل العلم وطلابه، وبهذا يتضحُ أنَّ الشخص العامي الذي لا يستطيع النظر في الأدلة يجوز له أن يقلّدَ أحد الأئمة المجتهدين، المشهود لهم بالعلم والصلاح، ويتبعه في كل ما لم يعلم بطلانه، أما إذا علم بطلانَ قوله في أيِّ مسألة من المسائل بأنْ تبين له فيها دليل يخالفُ قول إمامه، فإن الواجب عليه العمل بما دلَّ عليه الدليل، ولا يجوز له حينئذٍ الاستمرار على ما ذهب إليه إمامه؛ لأنَّ التقليد إنما جاز لهذا العامي؛ لأنه جاهل بالدليل، أما إذا عرفه أو أٌخبر به وجبَ عليه ترك التقليد والعمل بالدليل؛ لعدم الحاجة إلى التقليد [2] . وإذا ثبت أن العامي يُشرع له تقليد أحد الأئمة المعتبرين فإن مخالفته له حينئذٍ تكونُ على قسمين:

الأول: أن يخالف العاميُّ مذهب إمامه لظهور دليلٍ صحيح يدلُّ على خلاف ما ذهب إليه إمامه، وهنا يجب على العامي العمل بما دلَّ عليه الدليلُ وترك التقليد.

الثاني: أنْ يخالفَ مذهب إمامه من غير ظهور دليل يدلُّ على خلاف ما ذهب إليه إمامه، وهنا لا يجوز للعامي أن يخالف إمامه؛ لأنه لا يخالفه حينئذٍ على علم-كما في القسم الأول- وإنما على هوًى، واتباع الهوى لا يجوز.

ومن هنا نقول لكل مقلد ٍ [3] : إذا رأيت أقوالًا مختلفة في مسألة واحدة فليس لك أن تختار بنفسك ما تريد، فعليك في هذه الحالة أن تبحث عن دليل كل عالم بما أفتى به، فإن ظهرت لك قوة الدليل في مسألة من المسائل فعليك بالأخذ بما ظهر لك من الدليل الصحيح، ولا تتبع الظنون والاحتمالات، وأما إن كنت غير قادر على التمييز فاسأل أهل الذكر ليميزوا لك الحكم، ولكن لا تبحث عن الشبهات والرخص، ولا تتعصب لعالمٍ معين لأن التعصب يضعف الأمة ويوقد نار العداوة، وقد قال الله تعالى: { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا } [آل عمران:103] .

فمن علم حكمًا شرعيًا صحيحًا قد ثبت دليله، ولم يعلم له مخصصًا ولا ناسخًا ولا معارضًا فليس له عذر في ترك اتباعه، واختلاف المجتهدين الذين بذلوا جهدهم دون تعصب للوصول إلى الحقِّ غير مذموم؛ بل هم معذورون. فالمصيبُ له أجران، والمخطئ له أجر.

ولقد قال الإمام الشافعي -رحمه الله- [4] : ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتعزب عنه وقال: أجمع الناس على أنه من استبانت له سنة رسول الله لم يكن له أن يدعها لقول أحد. وقال: إذا صح الحديث فهو مذهبي. وقال: كل مسألة صح فيها الخبر عن رسول الله عند أهل النقل بخلاف ما قلت فأنا راجع عنها في حياتي وبعد مماتي.

ولا يصح أن يقال: إنَ مسائل الدِّين فرقت المسلمين، وإنما الفرقة ناتجةٌ عن الجهل واتباع الهوى والإعراض عن الحقِّ.

على أنه يجب علينا أن نحسن الظن بأئمة الإسلام وعلمائه عندما نجد لهم أقوالًا تخالف أدلة الكتاب والسُّنَّة ، ونعتذر لهم بأنَّ هذه الأدلة لم تبلغهم أو لم تصح عندهم ؛ لأنهم لو بلغتهم هذه الأدلة وصحَّت عندهم فإنهم -ومن دون شك- سيصيرون إليها وسيقولون بمقتضاها .

ــــــــــــــــ

(1) - فتاوى واستشارات الإسلام اليوم - (ج 4 / ص 471) هل يجب التزام مذهب معين؟ المجيب أحمد بن عبدالرحمن الرشيد عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية أصول الفقه /الاجتهاد والتقليد -التاريخ 11/11/1424هـ

(2) - فتاوى واستشارات الإسلام اليوم - (ج 4 / ص 470) وفتاوى واستشارات الإسلام اليوم - (ج 4 / ص 471) وفتاوى واستشارات الإسلام اليوم - (ج 4 / ص 479) وفتاوى واستشارات الإسلام اليوم - (ج 4 / ص 501) وفتاوى واستشارات الإسلام اليوم - (ج 16 / ص 148)

(3) - فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 4 / ص 6643)

رقم الفتوى 26480 الاختلاف في المسائل الفقهية اختلاف تنوع لا تضاد تاريخ الفتوى: 09 شوال 1423

(4) - إعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 2 / ص 427)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت