فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 164

المبحث التاسع والثلاثون -ضَمَانُ مَا يَتْلَفُ بِنَاءً عَلَى الْخَطَأِ فِي الْفَتْوَى :

إِنْ أَتْلَفَ الْمُسْتَفْتِي بِنَاءً عَلَى الْفُتْيَا شَيْئًا ، كَأَنْ قَتَل فِي شَيْءٍ ظَنَّهُ الْمُفْتِي رِدَّةً ، أَوْ قَطَعَ فِي سَرِقَةٍ لاَ قَطْعَ فِيهَا ، أَوْ جَلَدَ بِشُرْبٍ لاَ يَجِبُ فِيهِ الْحَدُّ - كَمَنْ شَرِبَ مُكْرَهًا - فَمَاتَ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَى الْمُفْتِي عَلَى أَقْوَالٍ:

الأَْوَّل: قَوْل الْمَالِكِيَّةِ ، عَلَى مَا نَقَلَهُ الدُّسُوقِيُّ عَنِ الْحَطَّابِ: أَنَّ مَنْ أَتْلَفَ بِفَتْوَاهُ شَيْئًا وَتَبَيَّنَ خَطَؤُهُ فِيهَا ، فَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا ضَمِنَ إِنِ انْتَصَبَ وَتَوَلَّى بِنَفْسِهِ فِعْل مَا أَفْتَى فِيهِ ، وَإِلاَّ كَانَتْ فَتْوَاهُ غُرُورًا قَوْلِيًّا لاَ ضَمَانَ فِيهِ ، وَيُزْجَرُ .

فَأَمَّا إنْ كَانَ جَاهِلًا لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ اشْتِغَالٌ بِالْعِلْمِ أُدِّبَ . [1]

الثَّانِي: وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَكْسُ هَذَا ، قَال النَّوَوِيُّ: عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الإِْسْفِرَايِينِيِّ: إِنَّ الْمُفْتِيَ يَضْمَنُ إِنْ كَانَ أَهْلًا لِلْفَتْوَى فَبَانَ خَطَؤُهُ وَأَنَّهُ خَالَفَ الْقَاطِعَ ، وَلاَ يَضْمَنُ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لأَِنَّ الْمُسْتَفْتِيَ قَصَّرَ - أَيْ بِسُؤَالِهِ مَنْ لَيْسَ أَهْلًا - كَذَا حَكَاهُ ابْنُ الصَّلاَحِ وَسَكَتَ عَلَيْهِ ، وَاسْتَشْكَلَهُ النَّوَوِيُّ ، وَمَال إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي تَخْرِيجُهُ عَلَى قَوْلَيِ الْغُرُورِ فِي بَابَيِ الْغَصْبِ وَالنِّكَاحِ ، أَوْ يُقْطَعُ بِعَدَمِ الضَّمَانِ إِذْ لاَ إِلْجَاءَ فِي الْفَتْوَى وَلاَ إِلْزَامَ .

وَذَهَبَ ابْنُ حَمْدَانَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى مِثْل قَوْل أَبِي إِسْحَاقَ [2] .

الثَّالِثُ: ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ أَهْلًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الضَّمَانُ وَإِلاَّ ضَمِنَ ، وَقَاسَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْمُتَطَبِّبِ الْجَاهِل ،فعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ » [3] .

وَلِكَوْنِهِ غَرَّ الْمُسْتَفْتِيَ بِتَصَدُّرِهِ لِلْفَتْوَى وَهُوَ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ . [4]

ــــــــــــــــ

(1) - الدسوقي على الشرح الكبير 1 / 20 .

(2) - المجموع 1 / 45، وروضة الطالبين 11 / 107، وإعلام الموقعين 4 / 225 .

(3) - سنن النسائى (4847 ) صحيح

(4) - شرح المنتهى 3 / 502، وإعلام الموقعين 4 / 226 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت