فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 164

المبحث السادس والعشرون - تَتَبُّعُ الْمُفْتِي لِلرُّخَصِ :

ذَهَبَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ وَصَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُفْتِي تَتَبُّعُ رُخَصِ الْمَذَاهِبِ ، بِأَنْ يَبْحَثَ عَنِ الأَْسْهَل مِنَ الْقَوْلَيْنِ أَوِ الْوَجْهَيْنِ وَيُفْتِيَ بِهِ ، وَخَاصَّةً إِنْ كَانَ يُفْتِي بِذَلِكَ مَنْ يُحِبُّهُ مِنْ صَدِيقٍ أَوْ قَرِيبٍ ، وَيُفْتِي بِغَيْرِ ذَلِكَ مَنْ عَدَاهُمْ ، وَقَدْ خَطَّأَ الْعُلَمَاءُ مَنْ يَفْعَل ذَلِكَ ، نَقَلَهُ الشَّاطِبِيُّ عَنِ الْبَاجِيِّ وَالْخَطَّابِيِّ ، وَنَصَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ ، وَابْنُ الْقَيِّمِ عَلَى فِسْقِ مَنْ يَفْعَل ذَلِكَ ، لأَِنَّ الرَّاجِحَ فِي نَظَرِ الْمُفْتِي هُوَ فِي ظَنِّهِ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى ، فَتَرْكُهُ وَالأَْخْذُ بِغَيْرِهِ لِمُجَرَّدِ الْيُسْرِ وَالسُّهُولَةِ اسْتِهَانَةٌ بِالدِّينِ ، شَبِيهٌ بِالاِنْسِلاَخِ مِنْهُ ، وَلأَِنَّهُ شَبِيهٌ بِرَفْعِ التَّكْلِيفِ بِالْكُلِّيَّةِ ، إِذِ الأَْصْل أَنَّ فِي التَّكْلِيفِ نَوْعًا مِنَ الْمَشَقَّةِ ، فَإِنْ أَخَذَ فِي كُل مَسْأَلَةٍ بِالأَْخَفِّ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ أَخَفَّ ، فَإِنَّهُ مَا شَاءَ أَنْ يُسْقِطَ تَكْلِيفًا - مِنْ غَيْرِ مَا فِيهِ إِجْمَاعٌ - إِلاَّ أَسْقَطَهُ ، فَيُسْقِطُ فِي الزَّكَاةِ مَثَلًا زَكَاةَ مَال الصَّغِيرِ ، وَزَكَاةَ مَال التِّجَارَةِ ، وَزَكَاةَ الْفُلُوسِ وَمَا شَابَهَهَا ، وَزَكَاةَ كَثِيرٍ مِنَ الْمُعَشَّرَاتِ ، وَيُسْقِطُ تَحْرِيمَ الْمُتْعَةِ ، وَيُجِيزُ النَّبِيذَ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ ، قَال أَحْمَدُ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا عَمِل بِكُل رُخْصَةٍ: بِقَوْل أَهْل الْكُوفَةِ فِي النَّبِيذِ ، وَأَهْل الْمَدِينَةِ فِي السَّمَاعِ ، وَأَهْل مَكَّةَ فِي الْمُتْعَةِ ، كَانَ فَاسِقًا اهـ وَقَال الأَْوْزَاعِيُّ: مَنْ أَخَذَ بِنَوَادِرِ الْعُلَمَاءِ خَرَجَ مِنَ الإِْسْلاَمِ .

وَإِنْ أَفْتَى كُل أَحَدٍ بِمَا يَشْتَهِي انْخَرَمَ قَانُونُ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ ، الَّذِي يَقُومُ عَلَى الْعَدَالَةِ وَالتَّسْوِيَةِ ، وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى الْفَوْضَى وَالْمَظَالِمِ وَتَضْيِيعِ الْحُقُوقِ بَيْنَ النَّاسِ .

قَال ابْنُ سُرَيْجٍ: سَمِعْتُ إِسْمَاعِيل الْقَاضِيَ قَال: دَخَلْتُ عَلَى الْمُعْتَضِدِ ، فَدَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا نَظَرْتُ فِيهِ وَقَدْ جَمَعَ فِيهِ الرُّخَصَ مِنْ زَلَل الْعُلَمَاءِ ، وَمَا احْتَجَّ بِهِ كُلٌّ مِنْهُمْ ، فَقُلْتُ: مُؤَلِّفُ هَذَا الْكِتَابِ زِنْدِيقٌ ، فَقَال: لَمْ تَصِحَّ هَذِهِ الأَْحَادِيثُ ؟ قُلْتُ: الأَْحَادِيثُ عَلَى مَا رُوِيَتْ ، وَلَكِنْ مَنْ أَبَاحَ الْمُسْكِرَ لَمْ يُبِحِ الْمُتْعَةَ ، وَمَنْ أَبَاحَ الْمُتْعَةَ لَمْ يُبِحِ الْمُسْكِرَ ، وَمَا مِنْ عَالِمٍ إِلاَّ وَلَهُ زَلَّةٌ ، وَمَنْ جَمَعَ زَلَل الْعُلَمَاءِ ثُمَّ أَخَذَ بِهَا ذَهَبَ دِينُهُ ، فَأَمَرَ الْمُعْتَضِدُ بِإِحْرَاقِ هَذَا الْكِتَابِ .

عَلَى أَنَّ الذَّاهِبِينَ إِلَى هَذَا الْقَوْل لَمْ يَمْنَعُوا الإِْفْتَاءَ بِمَا فِيهِ تَرْخِيصٌ إِنْ كَانَ لَهُ مُسْتَنَدٌ صَحِيحٌ .

قَال ابْنُ الْقَيِّمِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ تَتَبُّعَ الْمُفْتِي الرُّخَصَ لِمَنْ أَرَادَ نَفْعَهُ: فَإِنْ حَسُنَ قَصْدُ الْمُفْتِي فِي حِيلَةٍ جَائِزَةٍ لاَ شُبْهَةَ فِيهَا ، وَلاَ مَفْسَدَةَ لِتَخْلِيصِ الْمُسْتَفْتِي بِهَا مِنْ حَرَجٍ جَازَ ذَلِكَ ، بَل اسْتُحِبَّ ، وَقَدْ أَرْشَدَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى التَّخَلُّصِ مِنَ الْحِنْثِ: بِأَنْ يَأْخُذَ بِيَدِهِ ضِغْثًا فَيَضْرِبَ بِهِ الْمَرْأَةَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً ، قَال: فَأَحْسَنُ الْمَخَارِجِ مَا خَلَّصَ مِنَ الْمَآثِمِ ، وَأَقْبَحُهَا مَا أَوْقَعَ فِي الْمَحَارِمِ . [1]

ــــــــــــــــ

(1) - الموافقات 4 / 118، وما بعدها 134،140، 155، 259 والبحر المحيط 6 / 324 ، 327، وإرشاد الفحول ص272، وإعلام الموقعين 4 / 222، والمجموع للنووي 1 / 55

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت