يَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْجُمُعَةَ تُدْرَكُ بِرَكْعَةٍ مُلَفَّقَةٍ مِنْ رُكُوعِ الأُْولَى وَسُجُودِ الثَّانِيَةِ ، وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ ذَلِكَ فِي الْمَزْحُومِ الَّذِي لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ السُّجُودِ فِي الرَّكْعَةِ الأُْولَى حَتَّى شَرَعَ الإِْمَامُ فِي رُكُوعِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْجُمُعَةِ ، فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الْمَزْحُومَ يُرَاعِي نَظْمَ صَلاَةِ نَفْسِهِ فِي قَوْلٍ فَيَسْجُدُ الآْنَ ، وَيُحْسَبُ رُكُوعُهُ الأَْوَّل فِي الأَْصَحِّ لأَِنَّهُ أَتَى بِهِ فِي وَقْتِهِ ، وَإِنَّمَا أَتَى بِالرُّكُوعِ الثَّانِي لِعُذْرٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَالَى بَيْنَ رُكُوعَيْنِ نَاسِيًا .
وَقِيل: يُؤْخَذُ بِالرُّكُوعِ الثَّانِي لإِِفْرَاطِ التَّخَلُّفِ فَكَأَنَّهُ مَسْبُوقٌ لَحِقَ الآْنَ فَرَكْعَتُهُ مُلَفَّقَةٌ مِنْ رُكُوعِ الرَّكْعَةِ الأُْولَى وَمِنْ سُجُودِ الثَّانِيَةِ الَّذِي أَتَى بِهِ فِيهَا ، وَتُدْرَكُ بِهَا الْجُمُعَةُ فِي الأَْصَحِّ لإِِطْلاَقِ خَبَرِ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصَّلاَةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاَةَ » [1] .. وَهَذَا قَدْ أَدْرَكَ رَكْعَةً وَلَيْسَ التَّلْفِيقُ نَقْصًا فِي الْمَعْذُورِ .
وَعَلَى مُقَابِل الأَْصَحِّ لاَ تُدْرَكُ بِهَا الْجُمُعَةُ لِنَقْصِهَا بِالتَّلْفِيقِ .
هَذَا وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مُتَابَعَةُ الإِْمَامِ . لِظَاهِرِ حديث « إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا ، وَإِنْ صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا » [2] وَلأَِنَّ مُتَابَعَةَ الإِْمَامِ آكَدُ ، وَلِهَذَا يَتْبَعُهُ الْمَسْبُوقُ وَيَتْرُكُ الْقِرَاءَةَ وَالْقِيَامَ [3] .
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ ذَكَرُوا ذَلِكَ فِيمَنْ زَال عُذْرُهُ بَعْدَ أَنْ أَدْرَكَ رُكُوعَ الأُْولَى ، وَقَدْ رَفَعَ إِمَامُهُ مِنْ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ ، فَقَدْ جَاءَ فِي الإِْنْصَافِ: أَنَّهُ يُتَابِعُهُ فِي السُّجُودِ فَتَتِمُّ لَهُ رَكْعَةٌ مُلَفَّقَةٌ مِنْ رَكْعَتَيْ إِمَامِهِ يُدْرِكُ بِهَا الْجُمُعَةَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ [4] .
وَتُدْرَكُ الْجُمُعَةُ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِإِدْرَاكِ الإِْمَامِ فِي التَّشَهُّدِ أَوْ فِي سُجُودِ السَّهْوِ ، وَعَلَى هَذَا فَلاَ يُتَصَوَّرُ التَّلْفِيقُ عِنْدَهُمَا لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ ، وَقَال مُحَمَّدٌ: إِنَّهَا تُدْرَكُ بِإِدْرَاكِ أَكْثَرِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مَعَ الإِْمَامِ .
وَذَكَرَ صَاحِبُ مَوَاهِبِ الْجَلِيل مِنَ الْمَالِكِيَّةِ قَوْلَيْنِ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فِيمَنْ زُوحِمَ عَنِ السَّجْدَةِ الأَْخِيرَةِ فِي الْجُمُعَةِ بِحَيْثُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الإِْتْيَانِ بِهَا إِلاَّ بَعْدَ سَلاَمِ الإِْمَامِ فِي أَنَّهُ يُتِمُّهَا ظُهْرًا أَوْ جُمُعَةً [5] .
ــــــــــــــــ
(1) - سنن الترمذى (527 ) قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- وَغَيْرِهِمْ قَالُوا مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْجُمُعَةِ صَلَّى إِلَيْهَا أُخْرَى وَمَنْ أَدْرَكَهُمْ جُلُوسًا صَلَّى أَرْبَعًا. وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِىُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِىُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ.
(2) - صحيح البخارى (378 )
(3) - نهاية المحتاج 2 / 344 ط المكتبة الإسلامية ، وحاشية قليوبي 1 / 294 - 295 ط الحلبي ، وأسنى المطالب 1 / 256 - 266 ط المكتبة الإسلامية ، وروضة الطالبين 2 / 19 - 21 ط المكتب الإسلامي .
(4) - الإنصاف 2 / 384 - 385 ط التراث ، وكشاف القناع 2 / 31 ط النصر .
(5) - تبيين الحقائق 1 / 222 ط دار المعرفة ، وفتح القدير 1 / 419 - 420 ط الأميرية ، وابن عابدين 1 / 550 ط المصرية ، والفتاوى الهندية 1 / 149 ط المكتبة الإسلامية ، ومواهب الجليل 2 / 82 ط النجاح .