فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 164

فإن قيل: فما قولكم في اجتهاد النبي - - صلى الله عليه وسلم - ؟ إن قلتم بجواز اجتهاده - - صلى الله عليه وسلم - ، فقد رجعتم عن قولكم في أن السنّة وحي، وبالتالي رجعتم عن الإلزام بالتصديق والطاعة؛ لاحتمال الخطأ في الاجتهاد. وإن منعتم الاجتهاد عنه - - صلى الله عليه وسلم - , ماذا تفعلون بالنصوص الدالة على اجتهاده - - صلى الله عليه وسلم - ؟

والجواب: أن وقوع الاجتهاد من النبي - - صلى الله عليه وسلم - مسألةٌ خلافيّة بين العلماء، فمنهم من منعه، مستدلًّا بأدلة عصمة الأنبياء عليهم السلام. ومن أهل العلم من نقل الإجماع على جواز اجتهاد النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - في أمور الدنيا، ومنع من وقوعه في أمور الدين [1] .

ومنهم من جَوّز الاجتهاد في أمور الدين، وهو قول الجمهور، واختلفوا: هل هو معصومٌ في اجتهاده, وفي ذلك يقول أبو المظفّر السمعاني [2] : « وإنما تحرم المخالفة, وإن كان صدر عن اجتهاد؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان معصومًا عن الخطأ في الأحكام، فإن كان معصومًا عن الخطأ محروسًا عن الزّلل، كان ما يصدر عنه محكومًا بصحّته، مقطوعًا بذلك؛ فلذلك حَرُمت مخالفته » .

ومنهم من قال هو غير معصوم لكنه لا يُقَرُّ على الخطأ، ووقع الإجماعُ على عدم الإقرار بالخطأ مطلقًا [3] , سواءً كانت دنوية أو دينيّة، ومما يدل على ذلك آيات عتابه -صلى الله عليه وسلم-, مما يدل على حصول الاجتهاد منه -صلى الله عليه وسلم-, ووقوع الخطأ، وأنه -صلى الله عليه وسلم- لم يقرّ عليه.

ومن ذلك أيضًا: حديث عائشة ل، قالت: دخل عليّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, وعندي امرأةٌ من اليهود، وهي تقول: هل شعرت أنكم تُفْتَنُون في القبور؟ قالت: فارتاع رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، وقال:"إنما تُفْتَنُ يهود". قالت عائشة: فلبثنا لياليَ، ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"هل شعرتِ أنه أُوحِىَ إليَّ أنّكم تُفتنون في القبور؟". قالت عائشة: فسمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بَعْدُ يستعيذُ من عذاب القبر. [4]

قال العلماء [5] :"إن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- نفى فتنة القبر أوّلًا عن أهل التوحيد، اجتهادًا منه، لمّا وجد أماراتٍ تدلُّ على أن عذاب القبر خاصٌّ بالكفار. ثمّ أُوحي إليه بأن من أهل التوحيد من يُعذّب في قبره، فرجع عن اجتهاده، وأخبر بما نزل عليه به الوحي في ذلك."

وفي هذا الحديث إلزامٌ قويٌّ لمن احتجّ باجتهاد النبيّ -صلى الله عليه وسلم- في أمور الدنيا وخطأه فيها، كما في حديث تأبير النخل، على أن السنَّة في أمور الدنيا ليست وحيًا. فهذا الحديث وقع فيه للنبيّ -صلى الله عليه وسلم- اجتهادٌ في أمر عقدي من أمور الدين، وأخطأ فيه، فهل سيلتزمون بطريقة استدلالهم: أن السنَّة في أمور العقيدة أو الدين عمومًا ليست وحيًا؟! هذا مما يدل على وهاء استدلالهم.

وفي ذلك يقول القاضي عياض (ت544هـ) في"الشفا بتعريف حقوق المصطفى":"وأمّا أقواله الدنيويّة: من إخباره عن أحواله وأحوال غيره، وما يفعله أو فعله، فقد قدّمْنا أن الخُلفَ فيها ممتنع عليه من كل حال وعلى أي وجهٍ: من عمدٍ أو سهوٍ، أو صحّةٍ أو مرضٍ، أ و رضيً أو غضب. وأنه - - صلى الله عليه وسلم - معصومٌ فيما طريقُه الخبر المحض مما يدخله الصِّدْقُ والكذب" [6] .

وبذلك نخلص أن اجتهاد النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - في أمور الدنيا والدِّين لا يُخْرِجُ السنَّة عن أن تكون بوحي؛ لأن اجتهاده - - صلى الله عليه وسلم - في بعض المسائل لا ينفي أنه كان يُوحَى إليه بسنن غيرها ابتداءً (وهذا محلّ إجماع) ، وأمّا اجتهاده - - صلى الله عليه وسلم -: فهو إما أن يُقَرَّ عليه من ربّه -عز وجل-، وهو الغالب, بدليل قلّة المسائل التي صُوّبَ فيها اجتهاده -صلى الله عليه وسلم-, وبدليل أنه -صلى الله عليه وسلم- أَوْلَى الخلق بإصابة الحقِّ.

فيكون بهذا الإقرار منزَّهًا عن الخطأ، وإمّا أن يُصَوَّبَ اجتهادُه بنزول الوحي عليه بكتابٍ أو سنَّةٍ ببيان أنه أخطأ وأن الصواب كذا وكذا، وهو بهذا التصويب عُصِم من نَقْصِ البلاغ أو تكذيب الواقع لخطابه - - صلى الله عليه وسلم - .

وهذا التقرير البالغ هو الذي يفيدنا التقرير التالي، الذي به تتحرَّر المسألة، وينحلّ محلّ النزاع، وهو: أنّ السنّة وحيٌ: حالًا أو مآلًا، أي إنها وحي: ابتداءً، أو انتهاء (بالإقرار أو التصويب) .

وأنت تلحظ في هذين الجوابين أنهما يعودان بالاجتهاد النبوي إلى أنه معبِّرٌ عن مراضي الله تعالى في التشريع: إمّا بعصمة النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الخطأ في الاجتهاد، أو بعدم إقراره -صلى الله عليه وسلم- على الخطأ، فما أُقرَّ عليه (وهو الغالب) فهو مُقَرٌّ عليه من الله تعالى، فالله تعالى راضٍ عنه. وما لم يُقرَّ عليه، فقد بلَّّغنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيه عن مراضي الله، فكان اجتهادُه -صلى الله عليه وسلم- الأول كالمنسوخ ببلاغه الثاني لتصويب الله تعالى الذي جاء كالناسخ له.

ولم يقل أحدٌ من أهل العلم، لا من السلف ولا من الخلف: إن ما لم يُقرَّ عليه النبيّ -صلى الله عليه وسلم- إلى وفاته مشروعٌ يجوز العمل به، وكيف يقول هذا أحدٌ وهو -صلى الله عليه وسلم- لم يُقرَّ عليه من ربّه عز وجل. فهذا الصِّنف من اجتهاداته -صلى الله عليه وسلم- خارجُ محلِّ النقاش أصلًا، ولا ينازع فيه أحد. وأمّا ما سواه: فقد أفادنا الجوابان السابقان أنّ الاجتهاد النبوي فيه معّبِّرٌ عن مراضي الله عز وجل، في التشريع، وبالتالي فهو وَحْيٌ، لكنه وَحْيٌ مآلًا.

وبذلك تصحّ تلك الأوامرُ المطلقةُ والنصوصُ العامةُ التي أضاء بها الكتاب وتلألأت بها السنة: الدالةُ الدلالةَ القطعيةَ: على وجوب تصديق خبره - - صلى الله عليه وسلم - ، وطاعة أوامره - - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنه - - صلى الله عليه وسلم - (وبعد وفاته) لا يُحتملُ أن يكون في أقواله وأخباره ما لم يُقرّه الله تعالى، وبالتالي: فجميع ما لم يُصَوَّب من أقواله - - صلى الله عليه وسلم - فكُلُّه وحي من الله تعالى، وما صُوِّب فقد بلَّغ - - صلى الله عليه وسلم - عن ربّه -عز وجل- ذلك التصويب، وبقي هذا التصويب دليلًا من أدلّة نبوّته - - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنّ مدّعي النبوّة كذبًا لن يحرص على الدلالة على أنه قد وقع في الخطأ! والأهم في ذلك: أنه بهذا التبليغ للتصويب قد تمَّ البلاغُ وحُفِظَ الدين وعُصمت السنَّةُ من أي سببٍ يدعو إلى التردّد في الطاعة أو التصديق.

وبذلك يتّضح أنه لا فرق بين ما صدر عن النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - بوحي ابتداءً وما صدر عنه"باجتهاد: في وجوب التصديق لخبره والطاعة لأمره ؛ فكما كان الموحَى به إليه ابتداءً لا خلاف في وجوب ذلك فيه , فكذلك الاجتهادُ منه"؛ لأنه مُوحَى به إليه انتهاءً بالإقرار . فلا فرق بين سنة النبيّ", فكلُّها وحيٌ يُوجِبُ التصديق والطاعة , بدلالة عمومات النصوص السابقة في الكتاب والسنة , والتي لم تُخصِّصْ سنةً من سننه": لا سنةَ الوحي ابتداءً ولا سنة الوحي انتهاءً , ولا سنَّةَ الدِّين ولا سنةَ الدنيا . فالعموماتُ تشملُ جميع السنة, ولم تُخرج منها شيئًا . بل من تلك النصوص ما ورد في وجوب طاعته"في اجتهاده خاصة, ومنها ما ورد في وجوب طاعته في أمور الدنيا على وجه التحديد ."

ومن هنا أدخل في الجواب عن الحديث الذي جعله بعضهم مُتّكأَهُ لردّ كثير من السُّننِ الثابتة عنه - - صلى الله عليه وسلم - , لا من جهة عدم صحّتها عنه - - صلى الله عليه وسلم - عندهم، وإنما من جهة أنها اجتهادٌ قابلٌ للصواب والخطأ. فهم قد لا يُعارضون في الثبوت، بل قد يقرّرون أن النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - قد قال ذلك الحديث؛ لكنّهم يعارضون في وجوب التصديق بما تضمّنه ذلك الحديث، وفي العمل بما دلّ عليه؛ لأنه عندهم ليس من السنّة التي هي وحيٌ.

وهذا الحديث هو عَنْ عَائِشَةَ وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ فَقَالَ « لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ » . قَالَ فَخَرَجَ شِيصًا [7] فَمَرَّ بِهِمْ فَقَالَ « مَا لِنَخْلِكُمْ » . قَالُوا قُلْتَ كَذَا وَكَذَا قَالَ « أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ » .. [8]

وفي لفظ آخر لهذا الوجه من أوجه روايات الحديث: عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - سَمِعَ أَصْوَاتًا. فَقَالَ « مَا هَذَا الصَّوْتُ » .

قَالُوا النَّخْلُ يُؤَبِّرُونَهُ فَقَالَ « لَوْ لَمْ يَفْعَلُوا لَصَلَحَ » . فَلَمْ يُؤَبِّرُوا عَامَئِذٍ فَصَارَ شِيصًا فَذَكَرُوا لِلنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: « إِنْ كَانَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ فَشَأْنَكُمْ بِهِ وَإِنْ كَانَ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ دِينِكُمْ فَإِلَىَّ » .. [9]

ووجه دلالة هذا الحديث على ما يستدلُّ به القومُ المشار إليهم آنفًا: أنه صريح في أنّ النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - يجتهد في أمور الدنيا، وأنه - - صلى الله عليه وسلم - لذلك قد يخطئ، وبناءً على ذلك وضع قاعدةً عامّةً لنصوصه المتعلّقة بأمور الدنيا، وأعلمنا أنّ الأمر فيها راجع إلى تحقيق المصلحة التي يعرفها أهل الدنيا، وأنه لا يلزمنا فيها اتّباع أمره - - صلى الله عليه وسلم - , وذلك عندما قال:"أنتم أعلم بأمر دنياكم"، وقال:"إذا كان شيءٌ من أمر دنياكم: فشأنكم، وإذا كان شيءٌ من أمر دينكم: فإليَّ".

هذا الحديث هو عمدة فئامٍ كبيرٍ ممّن ردّوا عامّةَ السنة أو قدْرًا منها، وجعلوه أصلًا ما أكثر ما يلهجون به في مقالاتهم وبحوثهم، وكأنّه أصل الأصول، وأصحُّ منقول!!

وأوّلُ ما يؤخذ على هؤلاء هو هذا الاعتماد المبالغ فيه وفي دلالته، حيث جعلوا هذا الحديث الوحيد أساسًا ترجع النصوص إليه؛ وكأنّه هو المُحْكَمُ الذي تؤول إليه كل نصوص القرآن والسنَّة التي تقدّم قطرةٌ من بحرها، وغرفةٌ من نهرها!!

وهذا خطأٌ منهجيّ، لا من جهة أنه نصٌّ واحد مقابل عشرات ... بل مئات النصوص، بل من جهة أنّهم لم يُمعنوا النظر في ألفاظ الرّواية، لينظروا هل هي دالةٌ على ما يريدون، أم لا تدل؟ وهذا الخطأ كان سيكون مقبولًا، لو لم يكن هذا الاستدلالُ يخالف جميع تلك النصوص.

أمَا وقد خالفها، فكان هذا يوجب عليهم عميق النظر والدراسة.

وقبل الدخول إلى مناقشتهم في انتقائيّتهم لأحد ألفاظ الرواية؛ لأنها هي الرواية التي يؤيّد لفظُها مُرادَهم، أودّ مُبَاحَثَتَهم في أصل استدلالهم باللفظ الذي أوردوه واستدلّوا به:

فأقول لهم: ما المراد بأمر الدنيا الذي تجعلونه ممّا لا يرُجع فيه إلى السنّة؟ حيث إنه يدخل في أمر الدنيا كلّ ما لا يدخلُ في أمر العقائد والعبادات المحضة: كالمعاملات: من بيع وشراء، ونكاح وطلاق، وآداب للحديث واللباس والطعام والشراب وعموم الأخلاق ... وغير ذلك.

فإن قالوا: المقصود جميعُ ما ذُكر، لدخوله تحت دلالة قوله (أمر الدنيا) ، كان هذا القول منهم دليلًا على سقوط فهمهم وبطلانه؛ لأنه خالف قطعيّات الكتاب والسنَّة الدالة على وجوب طاعة النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - فيما ذُكر من أمور المعاملات والآداب والأخلاق، وخالف أيضًا إجماعَ العلماء: فهذه كتب الفقه على جميع المذاهب وكتب العلم لدى جميع أهل العلم: حفيلةٌ بنصوص السنَّة في ذلك، عظيمةُ العناية بالاهتداء بنورها، مستضيئةٌ بهدايتها.

وإن قالوا: بل بعض ذلك دون بعض، كأحاديث الطبّ.

قلنا: وما دليل هذا التخصيص؟ ثم إن الحديث الذي تحتجّون به ليس في الطب، بل النصّ الذي تعتمدونه ظاهره العموم (أمر الدنيا) . فالتخصيص بلا دليل، دليلٌ على بطلان ذلك القيل.

وبذلك نخلص أن هذا الفهم باطلٌ من أساسه؛ فلا عُمومُهُ مقبول، ولا خُصوصُه بالذي يُساعدهُ الدليل؛ بل بُطلان طرفيه أوضحُ مِنْ أن يحتاجَ إلى شيءٍ من التطويل.

وهذا يكفي لانعقاد القلوب على خلاف هذا الفهم، وعلى أن نعلم علم اليقين أن معارضة النصوص القاطعة في الكتاب والسنة بهذا الفهم السَّقيم لهذا الحديث غير قويم.

فإن قيل: فما الفهم الصحيح لهذا الحديث؟

قيل: هو أن تجمع طرق الحديث، وتنظر في ألفاظه أوّلًا:

فقد روى هذا الحديث مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِقَوْمٍ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ فَقَالَ « مَا يَصْنَعُ هَؤُلاَءِ » . فَقَالُوا يُلَقِّحُونَهُ يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِى الأُنْثَى فَيَلْقَحُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَا أَظُنُّ يُغْنِى ذَلِكَ شَيْئًا » . قَالَ فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوهُ فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِذَلِكَ فَقَالَ « إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ فَإِنِّى إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا فَلاَ تُؤَاخِذُونِى بِالظَّنِّ وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنِ اللَّهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ فَإِنِّى لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ » .. [10]

ورواه رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ قَالَ قَدِمَ نَبِىُّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْمَدِينَةَ وَهُمْ يَأْبُرُونَ النَّخْلَ يَقُولُونَ يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ فَقَالَ « مَا تَصْنَعُونَ » . قَالُوا كُنَّا نَصْنَعُهُ قَالَ: « لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا » . فَتَرَكُوهُ فَنَفَضَتْ أَوْ فَنَقَصَتْ - قَالَ - فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: « إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَىْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَىْءٍ مِنْ رَأْىٍ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ » . قَالَ عِكْرِمَةُ أَوْ نَحْوَ هَذَا. قَالَ الْمَعْقِرِىُّ فَنَفَضَتْ. وَلَمْ يَشُكَّ. [11] .

وسنقف مع هذين اللفظين عدة وقفات:

أوّلًا: جاء التصريح في كلا اللفظين من النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - أنه لم ينههم عن تلقيح النخل إلا بناءً على الاجتهاد، ووضّح لهم - - صلى الله عليه وسلم - ابتداءً أنه لا يقول ما يقوله في ذلك اعتمادًا على خبر السماء، بل اعتمادًا على ظنّه واجتهاده. فقد قال في رواية طلحة -رضي الله عنه-:"ما أظن يغني ذلك شيئًا"، وقال في رواية رافع -رضي الله عنه-:"لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرًا"، ومن المعلوم أنه لو كان ما قاله في شأن تلقيح النخل وحيًا لما قال:"أظن"ولا"لعلكم"، فهذان اللفظان قاطعان لمن سمعهما منه - - صلى الله عليه وسلم - أنه لا يُخبر عن وحي السماء, وإنما يُخبر عن اجتهاده.

وهذا التنبيه يوجب علينا التفريق بين نصٍّ نبويٍّ صريح بأنه اجتهادٌ غير مجزوم به، مثل هذا النص, ومن أمثلته أيضًا حديث ثابت بن يزيد الأنصاري -رضي الله عنه-، قال: كنّا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جيش، فأصبنا ضِبَابًا، فشويت منها ضَبًّا، فأتيتُ به النبيّ -صلى الله عليه وسلم-، فجعل ينظر إليه ويُقلِّبُه, وقال:"إن أُمّةً مُسخت، لا يُدْرَي ما فَعَلت، وإني لا أدري لعل هذا منها". فما أمر بأكلها، ولا نهى. [12]

وحديث أَبِى سَعِيدٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ إِنِّى فِى غَائِطٍ مَضَبَّةٍ وَإِنَّهُ عَامَّةُ طَعَامِ أَهْلِى - قَالَ - فَلَمْ يُجِبْهُ فَقُلْنَا عَاوِدْهُ. فَعَاوَدَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ ثَلاَثًا ثُمَّ نَادَاهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِى الثَّالِثَةِ فَقَالَ « يَا أَعْرَابِىُّ إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ أَوْ غَضِبَ عَلَى سِبْطٍ مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ فَمَسَخَهُمْ دَوَابَّ يَدِبُّونَ فِى الأَرْضِ فَلاَ أَدْرِى لَعَلَّ هَذَا مِنْهَا فَلَسْتُ آكُلُهَا وَلاَ أَنْهَى عَنْهَا » . [13]

وحديث أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « فُقِدَتْ أُمَّةٌ مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ لاَ يُدْرَى مَا فَعَلَتْ وَلاَ أُرَاهَا إِلاَّ الْفَأْرَ أَلاَ تَرَوْنَهَا إِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الإِبِلِ لَمْ تَشْرَبْهُ وَإِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الشَّاءِ شَرِبَتْهُ » . [14]

ثم إن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- أُوحي إليه بما صحّ من حديث عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: وَذُكِرَتْ عِنْدَهُ الْقِرَدَةُ قَالَ مِسْعَرٌ وَأُرَاهُ قَالَ وَالْخَنَازِيرُ مِنْ مَسْخٍ فَقَالَ « إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِمَسْخٍ نَسْلًا وَلاَ عَقِبًا وَقَدْ كَانَتِ الْقِرَدَةُ وَالْخَنَازِيرُ قَبْلَ ذَلِكَ » . [15]

فتبيّن أن ما قاله -صلى الله عليه وسلم- في شأن الضبّ والفأر كان ظنًّا (كما جاء مصرِّحًا به) ، ثم أُوحي إليه -صلى الله عليه وسلم- بأن المُسُوخ لا نسل لها. فقطع بذلك دون ظنّ أو تردّد. [16]

ونصٍّ آخر صدر منه - - صلى الله عليه وسلم - على وجه القطع وعدم الشك، فهذا حقٌ مطلقًا،إلا أن يُصوّبه النبي - - صلى الله عليه وسلم - بما يُوحَى إليه من قرآن أو سنّة.

ثانيًا: أن الخطأ في هذا الحديث قد وقع من الصحابة الذين تركوا تلقيح النَّخل [17] ؛ لأنهم حملوا ظنّ النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - على عدم احتمال الخطأ، وكأنه وحيٌ، فقدّموا ظنّه - - صلى الله عليه وسلم - على ما علموه يقينًا من ضرورة تلقيح النخل!!

قال المناوي في (فيض القدير) : « قوله:"إنما أنا بشر"يعني: أُخطئ وأُصيب فيما لا يتعلّق بالدين؛ لأن الإنسان محلُّ السهو والنسيان، ومراده بالرأي: في أمور الدنيا، على ما عليه جمعٌ. لكنّ بعض الكاملين قال: أراد به الظنّ؛ لأن ما صدر عنه برأيه واجتهاده وأُقِرَّ عليه حُجَّةُ الإسلام مطلقًا » [18] .

وهذا الذي ذهب إليه هؤلاء الكاملون، هو الذي يدلّ عليه لفظ الحديث وسياقُه، فاحرص أن تكون من الكاملين!!

فإنك إن نظرت في لفظ الحديث بروايتيه السابقتين، تجد أنه - - صلى الله عليه وسلم - أخبرهم بظنّه المصرَّح بأنه ظنّ، ثم لمّا أخذوا بظنِّه قال لهم: (( إنما ظننتُ ظنًّا، فلا تؤاخذوني بالظنّ ) )، أي ما دمتُ قد صَرّحتُ لكم بأني أظنّ فلا مؤاخذةَ عليَّ، ثم إنه - - صلى الله عليه وسلم - جعل الذي يُقابل الظن: ما أخبر به عن الله تعالى، فقال: (( ولكن إذا حدثكم عن الله شيئًا فخذوا به ) ). إذن فليس هناك إلا ظنٌّ أو وحيٌ، والظنّ هو ما صرَّح بكونه ظنًّا، والوحي ما قطع به وأُقرّ عليه؛ لأنه - - صلى الله عليه وسلم - لا يُقَرّ على خطأ.

ويشهد لذلك أيضًا اللفظ الآخر، فإنه - - صلى الله عليه وسلم - قال: (( إنما أنا بشر، فإذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي، فإنما أنا بشر ) )، فتنبّه أنه قابَلَ بين الدين والرأي (أي: الاجتهاد الظنّي) ، ولم يُقابل بين الدين والدنيا.

والمعنى: أنّ السنّة التي من الدِّين (أي من الوحي) هي التي لم تكن باجتهاد، وليست هي التي تكون في أمور الدنيا مطلقًا. فسياق الحديث دلّ الصحابة على الطريقة التي يفرّقون بها بين سنة الدين والرأي (الاجتهاد) ، ولم يأت في الحديث ما يفرّقون به بينهما؛ إلا تصريحُه بأنه قال ما قال عن ظنّ واجتهاد. فالحديث جاء للتفريق بين النصّ الذي يُصَرَّح فيه بأنه ظنّ، والنصّ الآخر القاطع، وقد قال الطحاوي معلّقًا على هذا الحديث:"فَأَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَا قَالَهُ مِنْ جِهَةِ الظَّنِّ , فَهُوَ فِيهِ كَسَائِرِ النَّاسِ فِي ظُنُونِهِمْ , وَأَنَّ الَّذِي يَقُولُهُ , مِمَّا لَا يَكُونُ عَلَى خِلَافِ مَا يَقُولُهُ هُوَ مَا يَقُولُهُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . فَلَمَّا كَانَ نَهْيُهُ عَنِ الْغَيْلَةِ , لِمَا كَانَ خَافَ مِنْهَا عَلَى أَوْلَادِ الْحَوَامِلِ , ثُمَّ أَبَاحَهَا" [19] .

فتنبهْ أن الطحاوي (رحمه الله) جعل القِسْمَةَ: ظنًّا ووحيًا، لا دنيا ودين، وهذا هو موطن الشاهد في كلامه، وهو واضح الدلالة لمن تأمله.

أمَّا ما اجتهد فيه النبي - - صلى الله عليه وسلم - وأخبر به جازمًا، ثم صَوّبه الوحي بعد ذلك؛ فهذا وَجْهٌ آخر للتفريق بين سنَّة الوحي والاجتهاد منه - - صلى الله عليه وسلم - الذي ليس بوحي، بأن يُقال في هذا الوجه: إنّ ما أُقر عليه النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - فهو وحيٌ، وما صُوّبَ فقد عرفنا بالتصويب أنه ما قاله قبله ليس وحيًا.

وقد سبق أ ن ما اجتهد فيه النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - وصَوّبه له الوحي لا يختصُّ بأمور الدنيا, فقد اجتهد النبيّ في أمور الدين أيضًا وصَوّب الوحي له اجتهاده. فإن كان مجرّد تصويب الوحي لاجتهاده - - صلى الله عليه وسلم - في أمور الدنيا سببًا لاعتقاد أنها ليست وحيًا، فيلزم أن يكون تصويب الوحي لاجتهاده - - صلى الله عليه وسلم - في أمور الدين سببًا لاعتقاد أنها ليست وحيًا أيضًا!!

وهذا ما لا يقوله إلا غُلاة أهل الضلال؛ لأنه يخالف قطعيات الكتاب والسنَّة وإجماع علماء المسلمين وعوامّهم.

وبذلك نخلص أن الشرع المحفوظ ونصوصه المصونة قد جعلا لنا وسيلتين للتمييز بين: سنَّة الوحي التي لا تحتملُ إلا الصدق وتوجب العلم أو العلم والعمل، وسنة الاجتهاد التي تحتمل الصواب والخطأ.

وهاتان الوسيلتان هما:

(1) - البحر المحيط للزركشي (4/214) ، والتحبير شرح التحرير للمرداوي (8/3889) .

(2) - في قواطع الأدلة (4/84- 85)

(3) - المسوّدة لآل تيمية (79، 190)

(4) - أخرجه مسلم رقم ( 584)

(5) - وقد شرحه الطحاوي في مشكل الآثار (13/191 - 198) ، والقرطبي في المفهم (2/207 - 208) والنووي في المنهاج شرح مسلم (3/87- 88) وغيرهم: بما دلَّ عليه ظاهر الحديث

(6) - الشفا -مع شرحه لملّا علي القاري- (4/471) .

(7) - الشِّيص: التمر الذي لم يكتمل نُمُوُّهُ ونُضْجُهُ، حتى ربّما لم يأتِ له نوى .

(8) - صحيح مسلم (6277 )

(9) - سنن ابن ماجه (2565 ) صحيح

(10) - صحيح مسلم (6275 )

(11) - صحيح مسلم (6276) -يأبر: يلقح = نفضت: أسقطت ثمرها

(12) - أخرجه أبو داود: رقم ( 3789) والنسائي: رقم ( 4320 - 4322) وابن ماجه: رقم (3238) بإسناد صحيح.

(13) - صحيح مسلم (5156 )

(14) - صحيح مسلم (7688 )

(15) - صحيح مسلم (6941)

(16) - وهذا ما قرّره الطحاوي في شرح مشكل الآثار (8/325-327، 328، 338 رقم 3273 - 3288) .

(17) - هذا ما صرح به شيخ الإسلام إن تيميه (مجموع الفتاوى: 18/12) .

(18) - فيض القدير (2/567) .

(19) - شرح معاني الآثار (3/48) (2854 ) و وانظر أيضا قوله (4538)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت