فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 164

وبذلك يتضحُ أنه لا فرق بين ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم بوحي ابتداء وما صدر عنه صلى الله عليه وسلم باجتهاد في وجوب التصديق لخبره والطاعة لأمره، فكما كان الموحَى به إليه ابتداء لا خلاف في وجوب ذلك فيه، فكذلك الاجتهاد منه صلى الله عليه وسلم، لأنه موحَى به إليه انتهاء بالإقرار. فلا فرق بين سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، فكلُّها وحيٌ يوجبُ التصديق والطاعة، بدلالة عمومات النصوص السابقة في الكتاب والسنة، والتي لم تخصص سنَّة من سننه صلى الله عليه وسلم: لا سنَّة الوحي ابتداء ولا سنَّة الوحي انتهاء، ولا سنَّة الدين ولا سنَّة الدنيا، فالعمومات تشملُ جميع السنَّة، ولم تخرج منها شيئا. [1]

قال الشاطبي - رحمه الله - (كل ما أخبر به رسول الله صلي الله عليه وسلم من خبر فهو كما أخبر، وهو حقٌّ وصدق معتمد عليه فيما أخبر به وعنه [2] ، سواء انبنى عليه في التكليف حكم أم لا [3] ، كما أنه إذا شرع حكما أو أقر أو نهي فهو كما قال عليه الصلاة والسلام، لا يفرق في ذلك بين ما أخبر به الملك عن الله، وبين ما نفث في روعه والقي في نفسه [4] ، أو رآه رؤية كشف واطلاع علي مغيب علي وجه خارق للعادة، أو كيف ما كان فذلك معتبر يحتج به، ويبنى عليه في الاعتقادات والأعمال جميعا، لأنه صلي الله عليه وسلم مؤيد بالعصمة، وما ينطق عن الهوى) [5]

هناك شبهة يتشبث بها بعض الذين تأثروا بعفن الحضارة الغربية ونتنها ، حيث يستدلون بقصة تدابير النخل ، على غير ما ذكرنا ليتهربوا من الالتزام بالسنَّة ، وبالتالي من أحكام الإسلام العلمية ، وهذا نص الحديث:

فعن رَافِعَ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ قَدِمَ نَبِىُّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الْمَدِينَةَ وَهُمْ يَأْبُرُونَ النَّخْلَ يَقُولُونَ يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ فَقَالَ « مَا تَصْنَعُونَ » . قَالُوا كُنَّا نَصْنَعُهُ قَالَ « لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا » . فَتَرَكُوهُ فَنَفَضَتْ أَوْ فَنَقَصَتْ - قَالَ - فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ « إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَىْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَىْءٍ مِنْ رَأْىٍ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ » . [6]

قَالَ الْعُلَمَاء: قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مِنْ رَأْي ) أَيْ فِي أَمْر الدُّنْيَا وَمَعَايِشهَا لَا عَلَى التَّشْرِيع . فَأَمَّا مَا قَالَهُ بِاجْتِهَادِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَآهُ شَرْعًا يَجِبُ الْعَمَل بِهِ ، وَلَيْسَ إِبَارُ النَّخْل مِنْ هَذَا النَّوْع ، بَلْ مِنَ النَّوْع الْمَذْكُور قَبْله ، مَعَ أَنَّ لَفْظَةَ الرَّأْي إِنَّمَا أَتَى بِهَا عِكْرِمَة عَلَى الْمَعْنَى لِقَوْلِهِ فِي آخِرِ الْحَدِيث: قَالَ عِكْرِمَة: أَوْ نَحْو هَذَا ، فَلَمْ يُخْبِرْ بِلَفْظِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَقَّقًا . قَالَ الْعُلَمَاء: وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْقَوْل خَبَرًا ، وَإِنَّمَا كَانَ ظَنًّا كَمَا بَيَّنَهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَات . قَالُوا: وَرَأْيه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُمُور الْمَعَايِش وَظَنّه كَغَيْرِهِ ، فَلَا يُمْتَنَعُ وُقُوع مِثْل هَذَا ، وَلَا نَقْص فِي ذَلِكَ ، وَسَبَبه تَعَلُّق هِمَمهمْ بِالْآخِرَةِ وَمَعَارِفهَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . [7]

قلت: فلا تعلق لهم بهذا الخبر بتاتًا ، ومن ثم لو قال أي قول في الطب أو الأمور الحياتية ، فلا يمكن أن تكون إلا وحيا ، طالما أن الله تعالى لم ينبهه عليها ، وهو صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يقول شيئا من عند نفسه ، وهو لم يكن على معرفة دراية تامة به ، معاذ الله تعالى ، فكل ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم وحيٌ بلا ريب ، ولكن هذا الوحي غير المتلو على درجات من حيث الصحة أو من حيث الاحتجاج ، ففيه الواجب وفيه السنَّة وفيه المباح وفيه المكروه وفيه الحرام .

قال الشيخ محمد صالح المنجد:"هذا الخبر إن دل على شيء فإنما يدل على أن الأمور الدنيوية التي لا صلة لها بالتشريع تحليلًا أو تحريمًا أو صحة أو فسادًا ، بل هي من الأمور التجريبية ، لا تدخل تحت مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم كمبلّغ عن ربه ، بل هذا الحديث يدل على أن مثل هذه الأمور خاضعة للتجربة ، والرسول صلى الله عليه وسلم بهذا كان قدوة عملية لحثنا على أن الأمور الدنيوية البحتة التي لا علاقة لها بالتشريع ينبغي علينا أن نبذل الجهد في معرفة ما هو الأصلح من غيره ، وأن نبحث ونستكشف بإجراء التجارب وتحليل المشاهدات وغيرها سائر ما ينفعنا في مجالات التطوير والتحسين في أمور الزراعة والصناعة والبناء وغيرها وأنّ الأمر الذي سكتت فيه الشّريعة فلم تأت فيه بحكم معيّن فالعمل فيه مباح لنا بحسب الضوابط الشّرعية العامة كقاعدة لا ضرر ولا ضرار وهكذا ."

وشتان بين هذه الحادثة ومدلولاتها وبين أن يرد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أن هذا حلال أو حرام ، أو أن هذا الأمر موجب للعقوبة أو غير موجب ، أو أن هذا البيع صحيح أو غير صحيح ، إلى آخر ذلك في أمور الدنيا والدين لأن هذه الصور من صلب وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أوجب الله علينا طاعته في كل ما يبلغ عن ربه . [8]

والذين يحاولون حصر الدّين في الشّعائر التّعبدية فقط كالصلاة والصيام والحجّ ويريدون عزل الدّين عن التحكّم في مجالات الحياة المختلفة كالمجال الاجتماعي والاقتصادي والسّياسي ويقولون إنّ هذا من شأن البشر يفعلون فيه ما يريدون ويحكمون ويشرّعون ما يشتهون ويشاؤون هم كفرة مجرمون لا يريدون أن يجعلوا لشريعة الله سلطانا على حياة النّاس ولا يريدون أن يضبط الإسلام شؤون البشر مع أنّ الله أنزله حاكما ومنظّما وضابطا لا تصلح الحياة إلا به ولا تحصل السّعادة إلا بحكمه ، والنّاس بدونه في تخبّط وضياع وظلم كما نشاهد اليوم في جميع المجتمعات التي لا تحكمها شريعة الله . نسأل أن يهدينا للحقّ ويفتح أبصارنا لمعرفته ويرزقنا قبوله واتّباعه ، وصلى الله على نبينا محمد .اهـ [9]

وقال أيضًا:"إننا ننتبه غاية الانتباه لقول من يُريد أن يطْعن في تبليغه للوحي من خلال كونه صلى الله عليه وسلم قد يُخْطئ في أمور الدنيا ، وشتّان ما بين هذا وهذا ، وكذلك أن ننتبه للضالين الذين يقولون إنّ بعض الأحكام الشّرعية التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم هي اجتهادات شخصيّة قابلة للصواب والخطأ أين هؤلاء الضلال من قول الله تعالى . وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) [النجم/3-5] ) ، نسأل الله أن يجنّبنا الزّيغ وأن يعصمنا من الضلالة ، والله تعالى أعلم ، والله أعلم ." [10]

ــــــــــــــــ

(1) - انظر: إضاءات بحثية في علوم السنة النبوية ص 23، 24.

(2) - فإذا قال: إن الملك ألقى في روعي كذا؛ فهو صادق في أنه ألقى الملك إليه كذا، وصادق في مضمون الخبر."د".

(3) - ولا ينافي هذا ما ورد في حديث مسلم في مسألة تأبير النخل (6276 ) ، قَالَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ: قَدِمَ نَبِىُّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الْمَدِينَةَ وَهُمْ يَأْبُرُونَ النَّخْلَ يَقُولُونَ يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ فَقَالَ: « مَا تَصْنَعُونَ » . قَالُوا كُنَّا نَصْنَعُهُ قَالَ: « لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا » . فَتَرَكُوهُ فَنَفَضَتْ أَوْ فَنَقَصَتْ - قَالَ - فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: « إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَىْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَىْءٍ مِنْ رَأْىٍ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ » .

فإن هذا ليس في الواقع خبرًا، وإنما هو من باب الشك في عادة عندهم اعتقدوها سببًا عاديًّا، وكأنه قال لهم: جربوها، وهذا هو ما يفهم من قوله: « لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا » ؛ فهو لم يذكره خبرًا جازمًا، بل هو من باب المشورة عليهم في الأخذ بالتجربة في سبب عادي ليس من الأمور الشرعية، ولا مما قصد به الإخبار عن أمر يعلمه."د".

(4) - وهو الإشارة المفهمة من غير بيان بالكلام، وقوله:"وألقي في نفسه"هو الإلهام الذي يكون بدون عبارة الملك وإشارته، ويكون الإلقاء مقرونًا بخلق علم ضروري أنه منه تعالى، وهذا القدر مشترك بين الثلاثة؛ إذ في المشافهة والإشارة لا بد أيضًا من خلق علم ضروري أنه مخاطبة الملك، ولذا كانت الثلاثة حجة قطعية عليه وعلى غيره، والثلاثة وحي ظاهر، يلزمه انتظار واحد منها عند الحاجة للحكم، وإن لم تحصل اجتهد، واجتهاده إنما يكون بالقياس، لا بالترجيح عند التعارض بين الدليلين لعدم علم المتأخر، ولا بغيره مما يكون فيه الاجتهاد عند غيره -صلى الله عليه وسلم- والاجتهاد وحي باطني."د".

(5) - الموافقات - (ج 4 / ص 464) دار ابن عفان

(6) - صحيح مسلم (6276 ) يأبر: يلقح = نفضت: أسقطت ثمرها

(7) - شرح النووي على مسلم - (ج 8 / ص 85)

(8) - الموسوعة الفقهية 1/45

(9) - الإسلام سؤال وجواب (1053 )

(10) - فتاوى الإسلام سؤال وجواب - (ج 1 / ص 5838)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت