فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 164

قال الفوزان:"الذي عنده القدرة على الاجتهاد المطلق لا يجوز له التقليد، والذي لا يقدر يقلد من هو أعلم منه، والتمذهب بمذهب واحد من المذاهب الأربعة المعروفة التي بقيت وحفظت وحررت بين المسلمين والانتساب إلى مذهب منها لا مانع منه، فيقال: فلان شافعي، وفلان حنبلي، وفلان حنفي، وفلان مالكي، ولا زال هذا اللقب موجودًا من قديم بين العلماء حتى كبار العلماء يقال مثلًا: ابن تيمية الحنبلي وابن القيم الحنبلي وما أشبه ذلك ولا حرج في ذلك، ومجرد الانتماء إلى المذهب لا مانع منه لكن بشرط أن لا يتقيد بهذا المذهب فيأخذ كل ما به سواء كان صوابًا أو خطأ، بل يأخذ منه ما كان صوابًا، وما علم أنه خطأ لا يجوز له العمل به، وإذا ظهر له القول الراجح فإنه يجب عليه أن يأخذ به سواء كان في مذهبه الذي ينتسب إليه أو في مذهب آخر؛ لأن من استبانت له سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن له أن يدعها لقول أحد، القدوة هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنحن نأخذ بالمذهب ما لم يخالف قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فإذا خالفه يجب علينا أن نتركه وأن نأخذ بالسنَّة، ونأخذ بالقول الراجح المطابق للسنة من أي مذهب كان من مذاهب المجتهدين، أمَّا الذي يأخذ بقول الإمام مطلقًا سواء كان خطأ أو صوابًا يعتبر تقليدًا أعمى، وإذا كان يرى أنه يجب تقليد إنسان معين غير الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهذا ردةٌ عن الإسلام، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ مُتَّبِعًا لِأَبِي حَنِيفَةَ أَوْ مَالِكٍ أَوْ الشَّافِعِيِّ أَوْ أَحْمَد: وَرَأَى فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ أَنَّ مَذْهَبَ غَيْرِهِ أَقْوَى فَاتَّبَعَهُ كَانَ قَدْ أَحْسَنَ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي دِينِهِ . وَلَا عَدَالَتِهِ بِلَا نِزَاعٍ ؛ بَلْ هَذَا أَوْلَى بِالْحَقِّ وَأَحَبُّ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - مِمَّنْ يَتَعَصَّبُ لِوَاحِدِ مُعَيَّنٍ غَيْرِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - كَمَنْ يَتَعَصَّبُ لِمَالِكِ أَوْ الشَّافِعِيِّ أَوْ أَحْمَد أَوْ أَبِي حَنِيفَةَ وَيَرَى أَنَّ قَوْلَ هَذَا الْمُعَيَّنِ هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي يَنْبَغِي اتِّبَاعُهُ دُونَ قَوْلِ الْإِمَامِ الَّذِي خَالَفَهُ .فَمَنْ فَعَلَ هَذَا كَانَ جَاهِلًا ضَالًّا ؛ بَلْ قَدْ يَكُونُ كَافِرًا ؛ فَإِنَّهُ مَتَى اعْتَقَدَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى النَّاسِ اتِّبَاعُ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ دُونَ الْإِمَامِ الْآخَرِ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُسْتَتَابَ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ . بَلْ غَايَةُ مَا يُقَالُ: إنَّهُ يَسُوغُ أَوْ يَنْبَغِي أَوْ يَجِبُ عَلَى الْعَامِّيِّ أَنْ يُقَلِّدَ وَاحِدًا لَا بِعَيْنِهِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ زَيْدٍ وَلَا عَمْرٍو . وَأَمَّا أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: إنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْعَامَّةِ تَقْلِيدُ فُلَانٍ أَوْ فُلَانٍ فَهَذَا لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ . وَمَنْ كَانَ مُوَالِيًا لِلْأَئِمَّةِ مُحِبًّا لَهُمْ يُقَلِّدُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِيمَا يَظْهَرُ لَهُ أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِلسُّنَّةِ فَهُوَ مُحْسِنٌ فِي ذَلِكَ . بَلْ هَذَا أَحْسَنُ حَالًا مِنْ غَيْرِهِ وَلَا يُقَالُ لِمِثْلِ هَذَا مُذَبْذَبٌ عَلَى وَجْهِ الذَّمِّ . وَإِنَّمَا الْمُذَبْذَبُ الْمَذْمُومُ الَّذِي لَا يَكُونُ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا مَعَ الْكُفَّارِ بَلْ يَأْتِي الْمُؤْمِنِينَ بِوَجْهِ وَيَأْتِي الْكَافِرِينَ بِوَجْهِ..""

لأنه لا أحد يجب اتباعه إلا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - ، أما ما عداه من الأئمة المجتهدين رحمهم الله فنحن نأخذ بأقوالهم الموافقة للسنَّة، أمَّا إذا أخطأ المجتهد في اجتهاده فإنه يحرم علينا أن نأخذ بالخطأ"."

وقال جوابا على سؤال (هل لا بد للإنسان أن ينهج في عبادته منهجًا واحدًا في كل شيء ؟ أم ليس عليه شيء إن أخذ من كل المذاهب أو بعضها فيما يراه أكثر أجرًا أو أيسر لدينه ودنياه ؟ [2]

هذا يختلف باختلاف الناس فالعامي والمبتدئ في التعلم، هؤلاء لا يسعهم إلا أن يقلدوا أحد المذاهب الأربعة التي هي مذاهب أهل السنة .

وأما بالنسبة للمتعلم الذي عنده المقدرة على معرفة الراجح من المرجوح من أقوال أهل العلم ، فهذا يجب عليه أن يأخذ ما قام عليه الدليل من أقوال الأئمة الأربعة وغيرهم، إذا كان عنده المقدرة على معرفة الراجح من المرجوح ومعرفة الدليل الذي ينبني عليه القول، فهذا يجب عليه أن يعمل بالدليل؛ لأن عنده المقدرة على ذلك، فالناس يختلفون في هذا ليسوا على وتيرة واحدة، فالتقليد لا يحرم مطلقًا ولا يجب مطلقًا بل كلٌّ على حسب حاله، والله عزَّ وجل يقول: { فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } [ سورة النحل: آية 43 ] ، على أنه لا يجوز للإنسان أن يأخذ من أقوال العلماء ما وافق هواه أو رغبة نفسه فيتتبع الرخص ويتتبع الأقوال السهلة التي ليس عليها دليل لأنها تلائم هواه ورغبته، هذا لا يجوز، وإنما يختار ما قام عليه الدليل ولو خالف هواه ورغبته"."

وقال جوابا على سؤال: هل يجوز لمن كن يلتزم مذهبًا معينًا في عباداته أن يعدل عنه ويتمسك بمذهب آخر متى شاء ؟ أم أنه يلزم المسلم أن يتمسك بمذهب واحد حتى الممات ؟ وهل بين المذاهب الأربعة فرق في كيفية أداء الصلوات أم لا ؟ وما هي كيفية الصلاة الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ [3]

قضية التمذهب بمذهب هذه فيها تفصيل: الإنسان الذي عنده الاستطاعة لمعرفة الحكم من الأدلة واستنباط الحكم من الأدلة هذا لا يجوز له التمذهب بمذهب بل عليه أن يأخذ الحكم من الدليل إذا كان عنده الاستطاعة والمقدرة على ذلك، ولكن هذا نادر في الناس لأن هذا منصب المجتهدين من أهل العلم الذين بلغوا رتبة الاجتهاد، أما من لم يكن كذلك لا يستطيع أخذ الأحكام من الأدلة، وهذا هو الكثير والغالب على أحوال الناس لا سيما في هذه الأزمان المتأخرة، فإن هذا لا حرج عليه أن يتمذهب بأحد المذاهب الأربعة، وأن يقلد أحد المذاهب الأربعة، لكن ليس تقليدًا أعمى بأن يأخذ كل ما في المذهب من خطأ وصواب، بل عليه أن يأخذ من المذهب ما لم يتضح أنه مخالف للدليل، أما إذا اتضح أن هذا القول في المذهب مخالف للدليل فلا يجوز للمسلم أن يأخذ به، بل عليه أن يأخذ ما قام عليه الدليل ولو من مذهب آخر، فترك المذهب إلى مذهب آخر هذا إن كان طلبًا للدليل لمن يحسن ذلك، فهذا أمر طيب، بل هذا الواجب؛ لأن اتباع الدليل هو الواجب .

أما إذا كان الأخذ بمذهب في بعض الأحيان وبمذهب آخر في الحين الآخر، وهكذا ينتقل الإنسان من باب التشهي ومن باب طلب الرخص، فهذا لا يجوز يعني ما وافق هواه من أقوال أهل العلم أخذ به ولو كان خلاف الدليل، وما خالف هواه تركه ولو كان هو الذي يدل عليه الدليل هذا متبع لهواه، والعياذ بالله، فالتنقل من مذهب إلى مذهب بدافع التشهي وطلب الأسهل والرخص هذا لا يجوز، أما الانتقال من مذهب إلى مذهب طلبًا للدليل وفرارًا من القول الذي لا دليل عليه أو القول الخاطئ فهذا أمر مرغوب ومطلوب من المسلم، والله تعالى أعلم .

وأما قضية الخلاف بين المذاهب الأربعة في الصلاة، فالمذاهب الأربعة - والحمد لله - متفقة على كثير من أحكام الصلاة في الجملة، وإنما الخلاف في بعض الجزئيات في الصلاة، فالخلاف إنما هو في جزئيات من الصلاة، منهم من يراها مثلًا مشروعة ومنهم من لا يراها مشروعة، ومنهم من يراها واجبة ومنهم من يراها مستحبة وهكذا، فالخلاف إنما هو في جزئيات في الصلاة أما أحكام الصلاة في الجملة فهذه لا خلاف فيها، والحمد لله .

وأما صفة الصلاة التي صلاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهذه معلومة من سنته عليه الصلاة والسلام، وهي محفوظة ومشروحة في كتب السنَّة فعلى السائل وغيره من المسلمين أن يراجعوا ذلك، لا سيما الرجوع إلى كتاب"زاد المعاد"لابن القيم فإنه تحرَّى بيان الصفة التي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصليها وشرحها من أول الصلاة إلى آخرها، وكذلك في رسالته المسماة (الصلاة) فإنه عقد بابًا لبيان صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - من أولها إلى آخرها حتى كأنك تشاهده عليه الصلاة والسلام، فعلى المسلم أن يرجع إلى هذه الكتب"."

قلت: كلامه من حيث الجملة موافق لكلام غيره ، ولا يخلو من التناقض

ــــــــــــــــ

(1) - المنتقى من فتاوى الفوزان - (ج 97 / ص 10) (485)

(2) - المنتقى من فتاوى الفوزان - (ج 97 / ص 12) (486)

(3) - المنتقى من فتاوى الفوزان - (ج 97 / ص 8) (484)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت