فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 164

قال ابن تيمية رحمه الله [1] :

مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ تَفَقَّهَ فِي مَذْهَبٍ مِن الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَتَبَصَّرَ فِيهِ ، وَاشْتَغَلَ بَعْدَهُ بِالْحَدِيثِ ، فَرَأَى أَحَادِيثَ صَحِيحَةً لَا يَعْلَمُ لَهَا نَاسِخًا وَلَا خَصْمًا وَلَا مُعَارِضًا وَذَلِكَ الْمَذْهَبُ مُخَالِفٌ لَهَا ، هَلْ يَجُوزُ لَهُ الْعَمَلُ بِذَلِكَ الْمَذْهَبِ ، أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ إلَى الْعَمَلِ بِالْأَحَادِيثِ وَمُخَالَفَةِ مَذْهَبِهِ ؟

الْجَوَابُ:

الْحَمْدُ لِلَّهِ ، قَدْ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ ، والسُّنَّة ، وَالْإِجْمَاعِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَرَضَ عَلَى الْخَلْقِ طَاعَتَهُ وَطَاعَةَ رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَلَمْ يُوجِبْ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ طَاعَةَ أَحَدٍ بِعَيْنِهِ فِي كُلِّ مَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنهُ ، إلَّا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى كَانَ صِدِّيقُ الْأُمَّةِ وَأَفْضَلُهَا بَعْدَ نَبِيِّهَا يَقُولُ: أَطِيعُونِي مَا أَطَعْتُ اللَّهَ ، فَإِذَا عَصَيْتُ اللَّهَ فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ [2] .

وَاتَّفَقُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مَعْصُومًا فِي كُلِّ مَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنهُ إلَّا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ؛ وَلِهَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِن الْأَئِمَّةِ: كُلُّ أَحَدٍ مِن النَّاسِ يُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ ، إلَّا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - [3] .

وَهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمْ ، قَدْ نَهَوْا النَّاسَ عَن تَقْلِيدِهِمْ فِي كُلِّ مَا يَقُولُونَهُ ، وَذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هَذَا رَأْيِي فَمَن جَاءَ بِرَأْيٍ خَيْرٍ مِنهُ قَبِلْنَاهُ [4] ، وَلِهَذَا لَمَّا احْتَجَّ أَفْضَلُ أَصْحَابِهِ أَبُو يُوسُفَ ، أَتَى مَالِكًا فَسَأَلَهُ عَن مَسْأَلَةِ الصَّاعِ وَصَدَقَةِ الْخَضْرَاوَاتِ ، وَمَسْأَلَةِ الْأَجْنَاسِ .

فَأَخْبَرَهُ مَالِكٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى السُّنَّةِ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ: رَجَعْت إلَى قَوْلِك يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، وَلَوْ رَأَى صَاحِبِي مَا رَأَيْت لَرَجَعَ كَمَا رَجَعْت إلَى قَوْلِك يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ [5] .

وَمَالِكٌ كَانَ يَقُولُ إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أُصِيبُ وَأُخْطِئُ ، فَاعْرِضُوا قَوْلِي عَلَى الْكِتَابِ والسُّنَّة،أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ [6] .

وَالشَّافِعِيُّ كَانَ يَقُولُ: إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَاضْرِبُوا بِقَوْلِي الْحَائِطَ ، وَإِذَا رَأَيْتَ الْحُجَّةَ مَوْضُوعَةً عَلَى الطَّرِيقِ فَهِيَ قَوْلِي [7] .

وَفِي"مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيّ"لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ اخْتَصَرَهُ مِن مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لِمَن أَرَادَ مَعْرِفَةَ مَذْهَبِهِ قَالَ: مَعَ إعْلَامِيَّةِ نَهْيِهِ عَن تَقْلِيدِهِ وَتَقْلِيدِ غَيْرِهِ مِن الْعُلَمَاءِ [8] ،وَالْإِمَامُ أَحْمَدَ كَانَ يَقُولُ: لَا تُقَلِّدْنِي وَلَا تُقَلِّدْ مَالِكًا ، وَلَا الشَّافِعِيَّ ، وَلَا الثَّوْرِيَّ ، وَتَعَلَّمْ كَمَا تَعَلَّمْنَا [9] ، فَكَانَ يَقُولُ لِمَن قَلَّدَهُ: حَرَامٌ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُقَلِّدَ فِي دِينِهِ الرِّجَالَ ، وَقَالَ: لَا تُقَلِّدْ فِي دِينِكَ الرِّجَالَ ، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَسْلَمُوا مِن أَنْ يَغْلَطُوا [10] .

وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: عَن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ:"مَن يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ" [11] وَلَازِمُ ذَلِكَ أَنَّ مَن لَمْ يُفَقِّهْهُ اللَّهُ فِي الدِّينِ لَمْ يُرِدْ بِهِ خَيْرًا فَيَكُونُ التَّفَقُّهُ فِي الدِّينِ فَرْضًا .

وَالْفِقْهُ فِي الدِّينِ مَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِأَدِلَّتِهَا السَّمْعِيَّةِ ، فَمَن لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُتَفَقِّهًا فِي الدِّينِ [12] ، لَكِنَّ مِن النَّاسِ مَن قَدْ يَعْجِزُ عَن مَعْرِفَةِ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ ، فَيَسْقُطُ عَنهُ مَا يَعْجِزُ عَن مَعْرِفَتِهِ ، لَا كُلُّ مَا يَعْجِزُ عَنهُ مِن التَّفَقُّهِ وَيَلْزَمُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا الْقَادِرُ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ فَقِيلَ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّقْلِيدُ مُطْلَقًا ، وَقِيلَ: يَجُوزُ مُطْلَقًا،وَقِيلَ: يَجُوزُ عِنْدَ الْحَاجَةِ ، كَمَا إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ عَن الِاسْتِدْلَالِ ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَعْدَلُ .

وَالِاجْتِهَادُ لَيْسَ هُوَ أَمْرٌ وَاحِدٌ لَا يَقْبَلُ التَّجْزِيءَ وَالِانْقِسَامَ ، بَلْ قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ مُجْتَهِدًا فِي فَنٍّ ، أَوْ بَابٍ أَوْ مَسْأَلَةٍ دُونَ فَنٍّ ، وَبَابٍ ، وَمَسْأَلَةٍ ، وَكُلُّ أَحَدٍ فَاجْتِهَادُهُ بِحَسَبِ وُسْعِهِ ،فَمَن نَظَرَ فِي مَسْأَلَةٍ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا وَرَأَى مَعَ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ نُصُوصًا لَمْ يَعْلَمْ لَهَا مُعَارِضًا بَعْدَ نَظَرِ مِثْلِهِ ، فَهُوَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَتَّبِعَ قَوْلَ الْقَائِلِ الْآخَرِ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ الْإِمَامَ الَّذِي اشْتَغَلَ عَلَى مَذْهَبِهِ ، وَمِثْلُ هَذَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ ، بَلْ مُجَرَّدُ عَادَةٍ يُعَارِضُهَا عَادَةُ غَيْرِهِ اشْتِغَالَهُ عَلَى مَذْهَبِ إمَامٍ آخَرَ ، وَإِمَّا أَنْ يَتَّبِعَ الْقَوْلَ الَّذِي تَرَجَّحَ فِي نَظَرِهِ بِالنُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ ،وَحِينَئِذٍ فَتَكُونُ مُوَافَقَتُهُ لِإِمَامٍ يُقَاوِمُ ذَلِكَ الْإِمَامَ وَتَبْقَى النُّصُوصُ سَالِمَةً فِي حَقِّهِ عَن الْمُعَارِضِ بِالْعَمَلِ فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَصْلُحُ .

وَإِنَّمَا تَنَزَّلْنَا هَذَا التَّنَزُّلَ لِأَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: إنَّ نَظَرَ هَذَا قَاصِرٌ وَلَيْسَ اجْتِهَادُهُ قَائِمًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِضَعْفِ آلَةٍ الِاجْتِهَادِ فِي حَقِّهِ ،أَمَّا إذَا قَدَرَ عَلَى الِاجْتِهَادِ التَّامِّ الَّذِي يَعْتَقِدُ مَعَهُ أَنَّ الْقَوْلَ الْآخَرَ لَيْسَ مَعَهُ مَا يَدْفَعُ بِهِ النَّصَّ ، فَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ اتِّبَاعُ النُّصُوصِ ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ كَانَ مُتَّبِعًا لِلظَّنِّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ ، وَكَانَ مِن أَكْبَرِ الْعُصَاةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - بِخِلَافِ مَن قَدْ يَقُولُ: قَدْ يَكُونُ لِلْقَوْلِ الْآخَرِ حُجَّةٌ رَاجِحَةٌ عَلَى هَذَا النَّصِّ وَأَنَا لَا أَعْلَمُهَا ، فَهَذَا يُقَالُ لَهُ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن/16] } وَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ" [13] وَاَلَّذِي تَسْتَطِيعُهُ مِن الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَدْ دَلَّكَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ الرَّاجِحُ فَعَلَيْكَ أَنْ تَتَّبِعَ ذَلِكَ ، ثُمَّ إنْ تَبَيَّنَ لَك فِيمَا بَعْدُ أَنَّ لِلنَّصِّ مُعَارِضًا رَاجِحًا كَانَ حُكْمُكَ فِي ذَلِكَ حُكْمَ الْمُجْتَهِدِ الْمُسْتَقِلِّ ، إذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ وَانْتِقَالُ الْإِنْسَانِ مِن قَوْلٍ إلَى قَوْلٍ لِأَجْلِ مَا تَبَيَّنَ مِن الْحَقِّ هُوَ مَحْمُودٌ فِيهِ ، بِخِلَافِ إصْرَارِهِ عَلَى قَوْلٍ لَا حُجَّةَ مَعَهُ عَلَيْهِ ، وَتَرْكُ الْقَوْلِ الَّذِي تَوَضَّحَتْ حُجَّتُهُ ، أَو الِانْتِقَالُ عَن قَوْلٍ إلَى قَوْلٍ لِمُجَرَّدِ عَادَةٍ وَاتِّبَاعِ هَوًى ، فَهَذَا مَذْمُومٌ .

وَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ الْمُقَلَّدُ قَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ وَتَرَكَهُ ، لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ قَدْ رَوَاهُ أَيْضًا فَمِثْلُ هَذَا وَحْدَهُ لَا يَكُونُ عُذْرًا فِي تَرْكِ النَّصِّ ، فَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا كَتَبْنَاهُ فِي"رَفْعِ الْمَلَامِ عَن الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ"نَحْوَ عِشْرِينَ عُذْرًا لِلْأَئِمَّةِ فِي تَرْكِ الْعَمَلِ لِبَعْضِ الْحَدِيثِ ، وَبَيَّنَّا أَنَّهُمْ يُعْذَرُونَ فِي التَّرْكِ لِتِلْكَ الْأَعْذَارِ ، وَأَمَّا نَحْنُ فَمَعْذُورُونَ فِي تَرْكِنَا لِهَذَا الْقَوْلِ .

فَمَن تَرَكَ الْحَدِيثَ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ يُخَالِفُهُ وَأَنَّ نَصَّ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مُقَدَّمٌ عَلَى الظَّوَاهِرِ ، وَمُقَدَّمٌ عَلَى الْقِيَاسِ وَالْعَمَلِ ، لَمْ يَكُنْ عُذْرُ ذَلِكَ الرَّجُلِ عُذْرًا فِي حَقِّهِ ، فَإِنَّ ظُهُورَ الْمَدَارِكِ الشَّرْعِيَّةِ لِلْأَذْهَانِ وَخَفَاءَهَا عَنهَا أَمْرٌ لَا يَنْضَبِطُ طَرَفَاهُ ، لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ التَّارِكُ لِلْحَدِيثِ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ قَدْ تَرَكَ الْعَمَلَ بِهِ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ ، مِن أَهْلِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ وَغَيْرِهَا ، الَّذِينَ يُقَالُ إنَّهُمْ لَا يَتْرُكُونَ الْحَدِيثَ إلَّا لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُ مَنسُوخٌ أَوْ مُعَارَضٌ بِرَاجِحٍ ، وَقَدْ بَلَغَ مَن بَعْدَهُ أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ لَمْ يَتْرُكُوهُ ، بَلْ عَمِلَ بِهِ طَائِفَةٌ مِنهُمْ ، أَوْ مَن سَمِعَهُ مِنهُمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَقْدَحُ فِي هَذَا الْمُعَارِضِ لِلنَّصِّ .

وَإِذَا قِيلَ لِهَذَا الْمُسْتَهْدِي الْمُسْتَرْشِدِ: أَنْتَ أَعْلَمُ أَمْ الْإِمَامُ الْفُلَانِيُّ ، كَانَتْ هَذِهِ مُعَارَضَةً فَاسِدَةً ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ الْفُلَانِيَّ قَدْ خَالَفَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَن هُوَ نَظِيرُهُ مِن الْأَئِمَّةِ إلَى نِسْبَةِ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأُبَيُّ ، وَمُعَاذٍ ، وَنَحْوِهِمْ مِن الْأَئِمَّةِ وَغَيْرِهِمْ ، فَكَمَا أَنَّ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءُ فِي مَوَارِدِ النِّزَاعِ ، وَإِذَا تَنَازَعُوا فِي شَيْءٍ رَدُّوا مَا تَنَازَعُوا فِيهِ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (59) سورة النساء.

وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ قَدْ يَكُونُ أَعْلَمُ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ ، فَكَذَلِكَ مَوَارِدُ النِّزَاعِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ وَقَدْ تَرَكَ النَّاسُ قَوْلَ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ فِي مَسْأَلَةِ تَيَمُّمِ الْجُنُبِ ، فعَنْ شَقِيقٍ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِى مُوسَى فَقَالَ أَبُو مُوسَى يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا كَيْفَ يَصْنَعُ بِالصَّلاَةِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لاَ يَتَيَمَّمُ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا. فَقَالَ أَبُو مُوسَى فَكَيْفَ بِهَذِهِ الآيَةِ فِى سُورَةِ الْمَائِدَةِ (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِى هَذِهِ الآيَةِ - لأَوْشَكَ إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِمُ الْمَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا بِالصَّعِيدِ،فَقَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللَّهِ أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ بَعَثَنِى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِى حَاجَةٍ فَأَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ فَتَمَرَّغْتُ فِى الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ « إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا » . ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ أَوَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ" [14] "

وَأَخَذُوا بِقَوْلِ مَن هُوَ دُونَهُمَا: كَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، وَغَيْرِهِ ، لَمَّا احْتَجَّ بِالْكِتَابِ والسُّنَّة ، وَتَرَكُوا قَوْلَ عُمَرَ فِي دِيَةِ الْأَصَابِعِ ، وَأَخَذُوا بِقَوْلِ مُعَاوِيَةَ لِمَا كَانَ مَعَهُ السُّنَّةُ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ" [15] .

وَقَدْ كَانَ بَعْضُ النَّاسِ يُنَاظِرُ ابْنَ عَبَّاسٍ فِي الْمُتْعَةِ ( يعني متعة الحج) فقال ابْنُ عَبَّاسٍ [16] : تَمَتَّعَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - . فَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنِ الْمُتْعَةِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَا يَقُولُ عُرَيَّةُ قَالَ يَقُولُ نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنِ الْمُتْعَةِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُرَاهُمْ سَيَهْلِكُونَ أَقُولُ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - وَيَقُولُ نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، [17] ؟

وَكَذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ لَمَّا سَأَلُوهُ عَنهَا فَأَمَرَ بِهَا فَعَارَضُوا بِقَوْلِ عُمَرَ ، فَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ عُمَرَ لَمْ يُرِدْ مَا يَقُولُونَهُ ، فَأَلَحُّوا عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُمْ: أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَحَقُّ أَنْ تَتَّبِعُوا أَمْ أَمْرُ عُمَرُ [18] ؟ مَعَ عِلْمِ النَّاسِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ أَعْلَمُهُمْ مِن فَوْقِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ .

وَلَوْ فُتِحَ هَذَا الْبَابُ لَوَجَبَ أَنْ يَعْرِضَ عَن أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَيَبْقَى كُلُّ إمَامٍ فِي أَتْبَاعِهِ بِمَنزِلَةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي أُمَّتِهِ ، وَهَذَا تَبْدِيلٌ لِلدِّينِ يُشْبِهُ مَا عَابَ اللَّهُ بِهِ النَّصَارَى فِي قَوْلِهِ: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (31) سورة التوبة"."

قلت: هذا صحيح فيما إذا كان طالب علم عنده بصرٌ في التمييز بين الحديث الصحيح وبين الضعيف ، وبحث في مذهبه كما في السؤال ،فلم يجد شيئا يقنعه لعدم العمل بالحديث ، فلا حرج عليه من العمل بالحديث ، ولاسيما إذا وجد إمامًا معتبرًا قد عمل به ، خشية أن يكون منسوخًا أو معلولًا .

وأما إذا لم يكن عنده بصرٌ بذلك ، فلا يخرج عن تقليد إمامه ،إلا إذا وجد حاجة مُلحَّةً في تقليد إمام آخر في هذه المسالة فلا حرج عليه في ذلك على الراجح، ما لم يكن في ذلك تتبع للرخص ونحوها .

ــــــــــــــــ

(1) - الفتاوى الكبرى - (ج 7 / ص 211) - 1047 - 23

(2) - سيرة ابن هشام - (ج 2 / ص 661) وإسناده صحيح

(3) - مجموع الفتاوى - (ج 2 / ص 227) و (ج 3 / ص 347) و (ج 13 / ص 259) و (ج 20 / ص 209) و (ج 20 / ص 211) و (ج 20 / ص 232) و (ج 27 / ص 241) و (ج 33 / ص 28) و (ج 1 / ص 210) والفتاوى الكبرى - (ج 4 / ص 300) و (ج 7 / ص 211) وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 4 / ص 967) و (ج 4 / ص 9967) و (ج 6 / ص 49) و (ج 6 / ص 49) وج 9 / ص 4669) و (ج 10 / ص 1051) ومن أصول الفقه على منهج أهل الحديث - الرقمية - (ج 1 / ص 175)

(4) - فتاوى الإسلام سؤال وجواب - (ج 1 / ص 2584)

(5) - التقليد والإفتاء والاستفتاء - (ج 1 / ص 21)

(6) - فتاوى الإسلام سؤال وجواب - (ج 1 / ص 2584)

(7) - فتاوى الإسلام سؤال وجواب - (ج 1 / ص 2584) والدرر السنية في الأجوبة النجدية - الرقمية - (ج 4 / ص 28) وإعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 2 / ص 421) والتقليد والإفتاء والاستفتاء - (ج 1 / ص 22)

(8) - المجموع شرح المهذب - (ج 1 / ص 43) وإعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 2 / ص 305) وحجة الله البالغة - (ج 1 / ص 303)

(9) - مجموع فتاوى و مقالات ابن باز - (ج 1 / ص 224) وفتاوى الإسلام سؤال وجواب - (ج 1 / ص 3) والموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 4679) والدرر السنية في الأجوبة النجدية - الرقمية - (ج 5 / ص 297) وإعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 2 / ص 306)

(10) - فتاوى الإسلام سؤال وجواب - (ج 1 / ص 2584)

(11) - صحيح البخارى برقم (71 ) ومسلم برقم (2436 )

(12) - الدرر السنية في الأجوبة النجدية - الرقمية - (ج 4 / ص 39)

(13) - صحيح البخارى برقم (7288 )

(14) - صحيح مسلم برقم (844 )

(15) - صحيح البخارى برقم (6895 ) عن ابن عباس

(16) - مسند أحمد - (ج 7 / ص 202) برقم (3176) والأحاديث المختارة للضياء - (ج 4 / ص 416) ,الفقيه والمتفقه - (ج 1 / ص 211) وهو حديث حسن

فيه الفضيل بن عمرو الفقيميقال ابن سعد في الطبقات الكبرى [ج 6 -ص334 ] الفضيل بن عمرو الفقيمي توفي في ولاية خالد بن عبد الله القسري وكان ثقة وله أحاديث

وفي الجرح والتعديل [ج 3 -ص124 ] حدثنا عبد الرحمن انا يعقوب بن إسحاق الهروي فيما كتب الي قال نا عثمان بن سعيد الدارمي قال قلت ليحيى بن معين الحكم أحب إليك في إبراهيم أو الفضيل بن عمرو فقال الحكم أعلم به

(17) - لقاءات الباب المفتوح - (ج 4 / ص 55) وفتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم آل الشيخ - (ج 3 / ص 100) و (ج 6 / ص 85) وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 10 / ص 3634) ومجموع فتاوى ابن باز - (ج 1 / ص 94) و (ج 21 / ص 288) والدرر السنية في الأجوبة النجدية - الرقمية - (ج 4 / ص 42) والمحلى بالآثار - (ج 1 / ص 6733) والأحكام لابن حزم - (ج 2 / ص 148) وإعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 2 / ص 356) ومن أصول الفقه على منهج أهل الحديث - الرقمية - (ج 1 / ص 41)

(18) - المجموع شرح المهذب - (ج 7 / ص 158) والدرر السنية في الأجوبة النجدية - الرقمية - (ج 4 / ص 42)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت