فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 164

إن عملية ( التخير أو الانتقاء من آراء المذاهب الإسلامية ) كانت هي الضوء الأخضر الذي أضاء الطريق أمام العاملين في العصر الحاضر لإنهاض الفكر الإسلامي، والقائمين فعلًا بوضع التشريعات أو التقنينات المستمدة من معين الفقه الإسلامي، تمشيًا مع متطلبات التطور، وضغط الحاجات، ومراعاة مصالح الناس في كل زمان ومكان.

وقد استجاب المصلحون المخلصون من العلماء ـ غير المتشائمين والمتزمتين ـ من رجال الأزهر وجامعة الزيتونة في مصر وتونس وغيرهما من البلاد الإسلامية، إلى دواعي النهضة أو الحركة المطلوبة، فقاموا باختيار الحق أو الأفضل والأصلح من الآراء الفقهية المتعددة في المسألة الواحدة، لجعل ( الفقه المختار ) يتفق مع المصلحة العامة في هذا العصر، ذلك عملًا بالمبادئ أو الأسس التالية:

1 -الحق واحد لا يتعدد، ودين الله واحد مستمد من معين واحد: هو الكتاب والسُّنَّة وعمل السلف الصالح، وبما أننا لا نعرف الحق من آراء المجتهدين فنحن في حل من العمل ببعضها بحسب تقدير المصلحة.

2 -الإخلاص للشريعة والحفاظ على أحكامها وخلودها وبقائها عقيدة كل مسلم.

3 -مبدأ دفع الحرج أو خاصية اليسر والسماحة التي قامت عليها الشريعة من أبرز مقومات شرع الله الخالد.

4 -مراعاة مصالح الناس وحاجاتهم المتجددة أمر يتفق مع روح الشريعة التي قامت ـ بالاستقراء والتتبع ـ على المصالح، فالمصلحة عماد التشريع، وحيثما وجدت المصلحة فثمة شرع الله ودينه، ولا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان.

5-لا إلزام في الشريعة بأحد اجتهادات أو أقوال الفقهاء، إذ لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، ولم يوجب الله ولا رسوله على أحد من الناس أن يعمل في دين الله عز وجل بغير كتاب الله وسنة رسوله وما يرجع إليهما.

6-لا يجب ـ في الأصح الراجح ـ التزام مذهب فقهي معين، لأن ذلك مجرد تقليد (أي أخذ بقول الغير من غير معرفة دليله) وإيجاب التقليد تشريع شرع جديد، كما قال شارح مسلم الثبوت.

فلا مانع شرعًا من تقليد أئمة المذاهب والمجتهدين المشهورين والمغمورين، كما لا محذور في الشرع من التلفيق بين أقوال المذاهب عملًا بمبدأ اليسر في الدين لقوله تعالى: { يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } (185) سورة البقرة ، ومن المعلوم أن أغلب الناس لا مذهب لهم، وإنما مذهبهم مذهب مفتيهم، وهم حريصون على أن يكون عملهم شرعيًا.

أنواع الضوابط الشرعية للأخذ بأيسر المذاهب [2] :

لم أجد فيما اطلعت عليه من كتب علماء الأصول والفقه بحثًا مستقلا ًبهذا الموضوع،ويمكن وضع ضوابط شرعية للأخذ بأيسر المذاهب من طريق الاسنتباط أو الاستخلاص مما كتبه الأصوليون والفقهاء في بحث التلفيق وتتبع الرخص والتقليد عمومًا.

وهذه الضوابط [3] هي ما يأتي:

الضابط الأول: أن يتقيد الأخذ بالأيسر في مسائل الفروع الشرعية الاجتهادية الظنية

أي القضايا العملية التي ثبتت أحكامها بطريق ظني أغلبي كأحكام العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية والجنايات التي ليس فيها نص قطعي أو إجماع أو قياس جلي [4] .

وهذا هو مجال التقليد والتلفيق. أما غير ذلك فلا يصح الأخذ فيه بالأيسر مثل مسائل العقائد وأصول الإيمان والأخلاق كمعرفة الله تعالى وصفاته وإثبات وجود الله ووحدانيته ودلائل النبوة، ومثل كل ما علم من الدين بالضرورة -أي بالبداهة -وهو ما أجمع عليه المسلمون ويكفر جاحده أو منكره، في جميع التكاليف الشرعية: عبادات أو معاملات أو عقوبات أو محرمات، كأركان الإسلام الخمسة وحرمة الربا (الفائدة) ، والزنا، وحل البيع والزواج والقرض ونحوها مما هو ثابت قطعًا بالإجماع، لا يجوز فيها التقليد والتلفيق أو الأخذ بالأيسر. فلا يباح التلفيق المؤدي إلى إباحة المحرمات كالنبيذ المسكر والزنا مثلًا.

كما لا يباح التلفيق المؤدي إلى إهدار حقوق الناس أو إلحاق الأذى والضرر بهم والعدوان عليهم، إذ لا ضرر ولا ضرار في الإسلام.

قال القرافي [5] : إن ضابط المذاهب التي يقلد فيها خمسة أشياء لا سادس لها عملًا بالاستقراء:

1 -الأحكام الشرعية الفروعية الاجتهادية.2 - وأسبابها.3 - وشروطها.4 - وموانعها.5 - والحِجاج [6] المثبتة للأسباب والشروط والموانع.

احترز بـ (الشرعية) عن العقلية كالحساب والهندسة وعن الحسيات وغيرها. واحترز بالفروعية عن أصول الدين وأصول الفقه. وبالاجتهادية عن الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة.

وأسباب الأحكام مثل الإتلاف المسبب للضمان. والشروط كاشتراط الولي والشهود في عقد الزواج. والموانع كالجنون والإغماء المانعين من التكليف الشرعي، والدَّين المانع من إيجاب الزكاة.والحجاج المثبتة للأسباب والشروط والموانع هي ما يعتمد عليه القضاء من البينات والأقارير ونحو ذلك. وهي نوعان:

1 -مجمع عليه كالشاهدين في الأموال والأربعة الشهود في الزنى، والإقرار في جميع ذلك إذا صدر من أهله في محله.

2 -ومختلف فيه: نحو الشاهد واليمين وشهادة الصبيان في القتل والجراح، والإقرار إذا أعقبه رجوع. ونحن كما نقلد العلماء في الأحكام وأسبابها وشروطها وموانعها، فكذلك نقلدهم في الحجاج المثبتة لذلك.

فاختيار الأيسر من المذاهب مقيد إذن في هذا النطاق وهو الأحكام الفرعية الثابتة بغلبة الظن لدى المجتهد مثل وجوب الوتر والنية في الوضوء، وكون الدَّين مانعًا من الزكاة، وإباحة المعاطاة [7] ، وقبول شهادة الصبيان في القتل والجراح، والشاهد واليمين، وشهادة النساء فيما يختص بهن الاطلاع عليه كعيوب الفروج واستهلال المولود، وجواز البيع بشرط فيه منفعة لأحد المتعاقدين. والتطليق بسبب الغيبة أو الإعسار أو الإضرار، وتقويم منافع العقارات، وتضمين الأجراء والصناع، ومنع هدية المديان، ونحو ذلك.

الضابط الثاني ـ ألا يترتب على الأخذ بالأيسر معارضة مصادر الشريعة القطعية، أو أصولها ومبادئها العامة.

يفهم هذا الشرط مما ذكره فقهاء المالكية ـ حتى الشاطبي ـ من ضرورة نقض حكم الحاكم أو قضاء القاضي في أمور أربعة ينقض فيها قضاؤه، مما يدل على أنه عند الأخذ بالأيسر لا يجوز الوقوع فيما يخالف هذه الأمور وهي ما يأتي [8] :

الأول ـ أن يحكم القاضي بما يخالف الكتاب أو السنة أو الإجماع، فينقض هو حكم نفسه بذلك، ،وينقضه القاضي الوالي بعده. ويلحق بذلك الحكم بالقول الشاذ.

الثاني ـ أن يحكم بالظن والتخمين من غير معرفة ولا اجتهاد، فينقضه هو ومن يلي بعده.

الثالث ـ أن يحكم بعد الاجتهاد،ثم يتبين له الصواب في خلاف ما حكم به، فلا ينقضه من ولي بعده. واختلف هل ينقضه هو أم لا؟.

الرابع ـ أن يقصد الحكم بمذهب، فيذهل ويحكم بغيره من المذاهب، فيفسخه هو، ولا يفسخه غيره. ويهمنا في بحث الأخذ بالأيسر من هذه الأمور الأمر الأول، فقد عدد القرافي [9] صورًا أربعة ينقض فيها الحكم هي: مخالفة الإجماع، والقواعد، والقياس الجلي، والنص. ومثل لكل حالة وبين سبب النقض، ثم قال: فإن مثل هذا لا يقر في الشرع لضعفه، وكما لا يتقرر إذا صدر عن الحكام، كذلك لا يصح التقليد فيه إذا صدر عن المفتي، ويحرم اتباعه فيه [10]

.أما سبب نقض الحكم المخالف للإجماع: فهو أن الإجماع معصوم من الخطأ ولا يحكم إلا بحق، فخلافه يكون باطلًا قطعًا.

وأما سبب نقض الحكم لمخالفة القواعد والقياس الجلي والنص إذا لم يكن لها معارض راجح عليها فهو أنها واجبة الاتباع شرعًا ويحرم مخالفتها ولا يقر شرعًا ما يعارضها باجتهاد خطأ، لقوله تعالى: { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول } [النساء:59/4] .

فمخالفة النص: مثل لو حكم القاضي بإبطال وقف المنقول، فإنه ينقض حكمه، لمخالفته نصوص الأحاديث الصحيحة بصحة وقف المنقول، منها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في حق خالد بن الوليد: قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ » [11] .

ومثل جواز الوصية للوارث، فإنه مخالف للحديث المتواتر: « ألا لا وصية لوارث» [12] .

ومثل إقرار الربا القليل أو الفائدة في حدود ( 7 % ) فإنه مخالف للآيات القرآنية الدالة دلالة قطعية على تحريم الربا: { وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } (275) سورة البقرة ، ومثل تسوية المرأة بالرجل في الميراث فإنه معارض صراحة للنص القرآني: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} (11) سورة النساء.

ومخالفة الإجماع: مثل الحكم بحرمان الجد من الميراث إذا اجتمع مع الإخوة مع أن الصحابة أجمعوا ضمنًا على ضرورة إرث الجد، وإنما اختلفوا في أنه: هل يرث جميع المال ويحجب الإخوة، أم أنه يرث مع الإخوة . ومثل الحكم بعدم ضرورة القسمة بين الزوجات في بعض الأحوال، فإنه مخالف للإجماع على أن العدل في القسمة واجب. ومثل الحكم بالقرائن في إثبات جريمة الزنا، فإنه مخالف للإجماع والنص القرآني القاطع.

ومخالفة القواعد: مثل لها القرافي بالمسألة السُّريجية ( نسبة لأحمد بن سريج الشافعي المتوفى سنة 306هـ ) وهي أن يقول الزوج: « إن طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثًا » فلا يقع الطلاق عند ابن سريج، وتابعه فيه ابن تيمية وابن القيم [13] ، لأن الطلاق الصادر منه لم يصادف محلًا له. فلو حكم حاكم بإقرار الزواج عملًا بهذا الرأي فينقض حكمه - عند المالكية - لمخالفته القواعد، لأن من قواعد الشرع صحة اجتماع الشرط مع المشروط، فإذا لم يجتمع الشرط مع المشروط لايصح أن يكون في الشرع شرطًا [14] .

هذا والوصية لوارث مخالفة للقواعد أيضًا مثل قاعدة (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) وقاعدة (الحكم يتبع المصلحة الراجحة) والمصلحة الراجحة في الإبقاء على روابط الأسرة على أساس من المحبة والتعاون وصلة الرحم.

ومخالفة القياس الجلي: مثل قبول شهادة النصراني، فإن الحكم بشهادته ينقض، لأن الفاسق لا تقبل شهادته،والكافر أشد منه فسوقًا وأبعد عن المناصب الشرعية في مقتضى القياس، فينقض الحكم لذلك، ولقوله تعالى: { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} (2) سورة الطلاق ، وهو رأي المذاهب الأربعة، إلا الحنابلة فقد أجازوا شهادة أهل الكتاب في الوصية في السفر إذا لم يكن غيرهم، عملًا بقوله تعالى: {يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللّهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الآثِمِينَ} (106) سورة المائدة...

الضابط الثالث ـ ألا يؤد ي الأخذ بالأيسر إلى التلفيق الممنوع:

قد بينا دائرة التلفيق الممنوع سواء الباطل لذاته كإحلال المحرمات كالخمر والزنا ونحوهما أو الباطل لا لذاته، وإنما لعارض ويشمل أنواعًا ثلاثة:

الأول ـ تتبع الرخص عمدًا أي الأخذ بالأيسر بدون ضرورة ولا عذر.

الثاني ـ التلفيق الذي يستلزم نقض حكم القاضي.

الثالث ـ التلفيق الذي يستلزم الرجوع عما عمل به تقليدًا، أو عن أمر مجمع عليه لازم لأمر قلده وذلك في غير العبادات المحضة. فلا يؤخذ بالأيسر إذا أدى الأمر إلى الانحلال من مسؤولية التكاليف الشرعية أو العبث بالدين وقضايا الزواج، أو الإضرار بالبشر، أو الفساد في الأرض، أو الإضرار بالمصلحة الاجتماعية.

فلا يجوز مثلًا التلفيق أو الأخذ بالأيسر للتخلص من فريضة الزكاة، باستخدام الحيل [15] قبيل مضي العام بإعطاء الشخص مدينا ً له من الزكاة بقدر ماعليه، ثم يطالبه بالوفاء، فإذا وفاه برىء وسقطت الزكاة عن الدافع. أو يلجأ المزكي لتصرف صوري بيعًا أو هبة ثم يسترد المال إليه، فهذه حيلة محرمة باطلة لاتسقط فرض الزكاة [16] لأن في ذلك إضرارًا بمصلحة الفقراء، وتآمرًا على حقوقهم الثابتة شرعًا في أموال الأغنياء. كما لا يصح الإفتاء بأيسر المذاهب في أحكام الزكاة دفعًا لحاجة الفقير، وإنما يفتى بما يحقق المصلحة، فيفتي مثلًا بمذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء بإيجاب الزكاة في مال الصبي والمجنون، وبإخراج زكاة الأرض الخراجية (التي فتحت عنوة) مع الخراج، فيكون الواجب في تلك الأرض الخراج والعشر معًا، لأن العشر واجب ديني على المسلمين،والخراج واجب اجتهادي ليكون موردًا للجماعة ممثلة بالدولة لسد حاجاتها ونفقاتها العامة.

ومن الواجب أن تكون الغاية من الأخذ بالأيسر الحفاظ على مقاصد الشريعة، والتزام سياستها وحكمتها التشريعية، ورعاية مصلحة الناس كافة في المعاملات والعقوبات وأداء الأموال والعلاقات الزوجية لا المصلحة الخاصة، وعدم إهدار مصلحة أهم مما دونها، واتقاء المفسدة الكبرى بالدنيا عند الضرورة، وأن يكون الشرع هو معيار تحقيق المصلحة ودرء المفسدة. ومقاصد الشريعة هي: حفظ الدين (من عقائد وعبادات) ، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، وينبغي التدرج في الحفاظ عليها بحسب مراتبها وهي الضروريات أولًا، ثم الحاجيات، ثم التحسينيات.

أما الضروريات: فهي التي يتوقف عليها حياة الناس الدينية والدنيوية بحيث إذا فقدت اختلت الحياة في الدنيا، وضاع النعيم وحل العقاب في الآخرة. أي أنها كل مالا بد منه لحفظ المقاصد الخمسة الأصلية.

وأما الحاجيات: فهي التي يحتاج الناس إليها لرفع الحرج عنهم فقط، بحيث إذا فقدت وقع الناس في الضيق والحرج دون أن تختل الحياة. فقد تتحقق بدونها المقاصد الخمسة، ولكن مع المشقة والضيق.

وأما التحسينيات: فهي المصالح التي يقصد بها الأخذ بمحاسن العبادات ومكارم الأخلاق، كالطهارات وستر العورات. فهي بمثابة السور للحفاظ على المقاصد الخمسة الضرورية.

الضابط الرابع ـ أن تكون هناك ضرورة أو حاجة للأخذ بالأيسر.

الأخذ بالأيسر ينبغي ألا يكون متخذًا للعبث في الدين أو مجاراة أهواء النفوس أو للتشهي وموافقة الأغراض، لأن الشرع جاء بالنهي عن اتباع الهوى، قال الله تعالى: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ } (71) سورة المؤمنون ، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (59) سورة النساء ، فلا يصح رد المتنازع فيه إلى أهواء النفوس. وهناك آيات كثيرة في هذا المعنى منها قوله سبحانه: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (50) سورة القصص {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (48) سورة المائدة ، {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} (26) سورة ص.

وبناءً عليه ألزم العلماء المفتي في إفتائه ألا يتبع أهواء الناس [17] بل يتبع المصلحة والدليل الراجح، والمصلحة المعتبرة هي مصلحة الكافة كما بينا. قال تعالى لنبيه: {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولاتتبع أهواء الذين لايعلمون، إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئًا} [الجاثية:45/18-19] ، قال القرافي في الإحكام والشيخ عليش في فتاويه [18] : «أما اتباع الهوى في الحكم والفتيا فحرام إجماعًا» .

وقال ابن القيم: لايجوز للمفتي تتبع الرخص لمن أراد نفعه، فإن تتبع ذلك فسق، وحرم استفتاؤه [19] وهذا المعنى هو الذي حمل الشاطبي ـ كما بينت سابقًا ـ على منع تتبع الرخص، فقد قال: وقد أدى إغفال هذا الأصل (أي اتباع أحد الدليلين أو القولين من غير ترجيح) إلى أن صار كثير من مقلدة الفقهاء يفتي قريبه أو صديقه بمالايفتي به غيره من الأقوال، اتباعا ً لغرضه، وشهوته، أو لغرض ذلك القريب وذلك الصديق [20] .

وهذا يدلنا على أن مراعاة المصلحة الخاصة في الأخذ بالأيسر أمر غير مرغوب فقهًا وشرعًا، وإنما ينبغي مراعاة المصلحة العامة أو مصلحة الكافة.

وإذا كان اتباع الأهواء محرما ً لزم تقييد الأخذ بأيسر المذاهب بوجود حالة الضرورة أو الحاجة، لأن ( الضرورات تبيح المحظورات ) و ( الحاجة تنزل منزلة الضرورة، عامة كانت أو خاصة) والضرورة: ما يترتب على عصيانها خطر. أما الحاجة: فهي ما يترتب على عدم الاستجابة إليها عسر وصعوبة. والمراد بكون الحاجة عامة: أن تكون شاملة جميع الأمة، والمراد بكونها خاصة أن يكون الاحتياج لطائفة متخصصة من الأمة كأهل بلد أو حرفة، لا أن تكون فردية [21] .

ولست مع الشاطبي في أن العمل بالضرورة أو الحاجة أخذ بما يوافق الهوى [22] ، لأن الضرورات والحاجات تتجدد بحسب التطور. ولابد من مراعاة ضوابط الضرورة الشرعية والحاجة (وهي أن تكون قائمة لا متوقعة، ويقينية أو غالبة الظن، وملجئة أو محرجة...إلخ) [23] .

الضابط الخامس ـ أن يتقيد الأخذ بالأيسر بمبدأ الترجيح.

أي أن يكون الهدف العام أولًا هو العمل بالرأي الأقوى أو الأرجح بحسب رجحان دليله، لأن الأخذ بالأيسر نوع من الاجتهاد، والمجتهد ملزم باتباع الدليل الراجح المؤدي إلى الصواب، بحسب غلبة ظنه. لذا أوجب الأصوليون على المفتي (أي المجتهد) أن يتبع القول لدليله، فلا يختار من المذاهب أضعفها دليلًا، بل يختار أقواها دليلًا؛ لأن الصحابة أجمعوا في اجتهاداتهم على وجوب العمل بالراجح من الظنين دون أضعفهما، ولأن العقل يوجب العمل بالراجح في الحوادث، والأصل اتفاق الشرع مع العقل. قال القرافي: إن الحاكم إن كان مجتهدًا فلا يجوز له أن يحكم أو يفتي إلا بالراجح عنده، وإن كان مقلدًا جاز له أن يفتي بالمشهور في مذهبه، وأن يحكم به، وإن لم يكن راجحًا عنده، مقلدًا في رجحان القول المحكوم به إمامه الذي يقلده، كما يقلده في الفتيا.

وقال أيضًا: أما الحكم أو الفتيا بما هو مرجوح فخلاف الإجماع [24] . لكن ناقش الشيخ عليش هذا الإجماع فقال: ولعل هذا الإجماع ـ على تقدير ثبوته ـ إنما يكون حيث تبع القاضي أو المفتي في تقليد الشاذ هواه، فإن أبغض شخصًا أو كان من ذوي الخمول، شدد عليه، فقضى عليه وأفتاه بالمشهور، وإن أحبه أو كان له عليه منة، وكان من أصدقائه أو أقاربه واستحيا منه، لكونه من ذوي الوجاهة أو أبناء الدنيا، أفتاه ،أو قضى له بالشاذ الذي فيه رخصة [25] .

ثم ذكر الشيخ عليش في فتاويه عند الكلام على موضوع التخير بين الأقوال: الصحيح إن كان المقلد أهلًا للنظر في طرق الترجيح وإدراك مدارك التقديم والتصحيح، فإنما الواجب عليه في القولين أو الأقوال إن كانت لشخص واحد ألا يعمل أو يفتي أو يحكم إلا بالراجح عنده [26] .

ثم تعقب الشيخ عليش [27] عبارة القرافي في أنه منع المجتهد من الحكم والفتيا إلا بالراجح عنده، وأجاز للمقلد أن يفتي بمشهور مذهب من قلده حتى ولو كان شاذًا مرجوحًا في نظره. ثم قال عليش: لا دليل فيه على جواز العمل بغير الراجح، لأنه لا يلزم من العمل بالمرجوح عنده الراجح في نظر إمامه أو عكسه العمل بالمرجوح في نظرهما معًا.

(1) - الفقه الإسلامي وأدلته - (ج 1 / ص 69) فما بعدها

(2) - الفقه الإسلامي وأدلته - (ج 1 / ص 97)

(3) - الضابط: معناه القاعدة الكلية وجمعه ضوابط ويراد بها هنا القيود التي تحدد نطاق الموضوع.

(4) - القياس الجلي: هو ماكانت العلة فيه منصوصة، أو غير منصوصة، ولكن قطع فيه بنفي تأثير الفارق بين الأصل والفرع، كقياس الضرب على التأفيف في الحرمة.

(5) - الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام للقرافي: ص195 وما بعدها ، طبعة حلب الفروق: 5/4

(6) - أي طرق الإثبات أو أدلته مثل الإقرار والشهادة.

(7) - المعاطاة: المبادلة من غير إيجاب ولا قبول، كدفع الثمن وأخذ المبيع فعلًا من غير كلام صادر من العاقدين أو من أحدهما.

(8) - القوانين الفقهية لابن جزي: 294، ط فاس.

(9) - الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام: ص128، تبصرة الحكام: 70/1،71، ط الحلبي البابي.

(10) - ويؤيده أن عز الدين بن عبد السلام (المتوفى سنة 660هـ) اشترط لجواز التلفيق ألا يكون ما قلد فيه مما ينقض فيه الحكم أي أن تكون المسألة اجتهادية

(11) - صحيح البخارى (1468)

(12) - سنن الترمذى (2266 )

(13) - أعلام الموقعين: 263/3 وما بعدها.

(14) - ومن أمثلة مخالفة قواعد الشريعة عند الشافعية: بيع المعاطاة أو المراضاة، فهو مصادم لأصل شرعي ــ في رأيهم ــ وهو كون الرضا المشروط في البيوع والتجارات معبرًا عنه بالإيجاب والقبول اللفظيين.

(15) - قال ابن القيم: لايجوز للمفتي تتبع الحيل المحرمة والمكروهة ( أعلام الموقعين: 222/4) .

(16) - أعلام الموقعين: 258/3 ،320 .

(17) - أعلام الموقعين: 74/1، الموافقات: 142/4 و مابعدها، الاعتصام: 176/2.

(18) - فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب مالك: 68/1، الإحكام للقرافي: ص79.

(19) - أعلام الموقعين: 222/4.

(20) - الموافقات: 135/4 .

(21) - المدخل الفقهي للأستاذ مصطفى الزرقاء: ف 603.

(22) - الموافقات: 145/4.

(23) - راجع نظرية الضرورة الشرعية للدكتور وهبة الزحيلي: ص 66 ومابعدها.

(24) - الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام: ص 79، 80، تبصرة الحكام: 66/1، فتاوى الشيخ عليش: 64/1،68.

(25) - فتح العلي المالك: 62/1.

(26) - فتاوى الشيخ عليش: 65/1.

(27) - المرجع السابق: 68/1.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت