قال الزركشي:"يَجُوزُ خُلُوُّ الْعَصْرِ عَن الْمُجْتَهِدِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمَحْصُولِ"وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: الْخَلْقُ كَالْمُتَّفِقِينَ عَلَى أَنَّهُ لَا مُجْتَهِدَ الْيَوْمَ وَلَعَلَّهُ أَخَذَهُ مِن الْإِمَامِ الرَّازِيَّ ، أَوْ مِن قَوْلِ الْغَزَالِيِّ فِي الْوَسِيطِ": قَدْ خَلَا الْعَصْرُ عَن الْمُجْتَهِدِ الْمُسْتَقِلِّ وَنَقْلُ الِاتِّفَاقِ فِيهِ عَجِيبٌ ، وَالْمَسْأَلَةُ خِلَافِيَّةٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْحَنَابِلَةِ ، وَسَاعَدَهُمْ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْفَقِيهَ الْفَطِنَ الْقَيَّاسَ كَالْمُجْتَهِدِ فِي حَقِّ الْعَامِّيِّ ، لَا النَّاقِلِ فَقَطْ ،وَقَالَتْ الْحَنَابِلَةُ: لَا يَجُوزُ خُلُوُّ الْعَصْرِ عَن مُجْتَهِدٍ [2] ، وَبِهِ جَزَمَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وَالزُّبَيْرِيُّ فِي الْمُسْكِتِ"فَقَالَ الْأُسْتَاذُ: وَتَحْتَ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ: لَا يُخْلِي اللَّهُ زَمَانًا مِن قَائِمٍ بِالْحُجَّةِ ، أَمْرٌ عَظِيمٌ ، وَكَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَلْهَمَهُمْ ذَلِكَ وَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ خَلَّى زَمَانًا مِن قَائِمٍ بِحُجَّةٍ زَالَ التَّكْلِيفُ ، إذ التَّكْلِيفُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْحُجَّةِ الظَّاهِرَةِ وَإِذَا زَالَ التَّكْلِيفُ بَطَلَتْ الشَّرِيعَةُ ،وَقَالَ الزُّبَيْرِيُّ: لَنْ تَخْلُوَ الْأَرْضُ مِن قَائِمٍ لِلَّهِ بِالْحُجَّةِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَدَهْرٍ وَزَمَانٍ ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ فِي كَثِيرٍ ، فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَوْجُودٍ - كَمَا قَالَ الْخَصْمُ - فَلَيْسَ بِصَوَابٍ ، لِأَنَّهُ لَوْ عَدِمَ الْفُقَهَاءُ لَمْ تَقُمْ الْفَرَائِضُ كُلُّهَا ، وَلَوْ عُطِّلَتْ الْفَرَائِضُ كُلُّهَا لَحَلَّتْ النِّقْمَةُ بِذَلِكَ فِي الْخَلْقِ ، كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَرِ: « لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ إِلاَّ عَلَى شِرَارِ النَّاسِ » [3] . وَنَحْنُ نَعُوذُ بِاَللَّهِ أَنْ نُؤَخَّرَ مَعَ الْأَشْرَارِ .انْتَهَى .
وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا ، لَكِنْ إلَى الْحَدِّ الَّذِي يُنْتَقَضُ بِهِ الْقَوَاعِدُ بِسَبَبِ زَوَالِ الدُّنْيَا فِي آخَرِ الزَّمَانِ، وَقَالَ فِي شَرْحِ خُطْبَةِ الْإِلْمَامِ": وَالْأَرْضُ لَا تَخْلُو مِن قَائِمٍ لِلَّهِ بِالْحُجَّةِ ،وَالْأُمَّةُ الشَّرِيفَةُ لَا بُدَّ لَهَا مِن سَالِكٍ إلَى الْحَقِّ عَلَى وَاضِحِ الْمُحَجَّةِ ، إلَى أَنْ يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ الْكُبْرَى ، وَيَتَتَابَعُ بَعْدَهُ مَا بَقِيَ مَعَهُ إلَى قُدُومِ الْأُخْرَى وَمُرَادُهُ بِالْأَشْرَاطِ الْكُبْرَى: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِهَا مَثَلًا ، وَلَهُ وَجْهٌ حَسَنٌ ، وَهُوَ أَنَّ الْخُلُوَّ مِن مُجْتَهِدٍ يَلْزَمُ مِنهُ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى الْخَطَأِ ، وَهُوَ تَرْكُ الِاجْتِهَادِ الَّذِي هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ ،وَقَالَ وَالِدُهُ الْعَلَّامَةُ مَجْدُ الدِّينِ فِي كِتَابِهِ تَلْقِيحِ الْأَفْهَامِ": عَزَّ الْمُجْتَهِدُ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِتَعَذُّرِ حُصُولِ آلَةِ الِاجْتِهَادِ ، بَلْ لِإِعْرَاضِ النَّاسِ فِي اشْتِغَالِهِمْ عَن الطَّرِيقِ الْمُفْضِيَةِ إلَى ذَلِكَ وَتَوْقِيفُ الْفُتْيَا عَلَى حُصُولِ الْمُجْتَهِدِ يُفْضِي إلَى حَرَجٍ عَظِيمٍ فَالْمُخْتَارُ قَبُولُ فَتْوَى الرَّاوِي عَن الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ كَمَا سَيَأْتِي .
وَقَالَ جَدُّهُ الْإِمَامُ تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعِزِّ الْمُقْتَرَحِ ، مُعْتَرِضًا عَلَى قَوْلِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ:"لَا يَجُوزُ انْحِطَاطُ الْعُلَمَاءِ": إنْ أَرَادَ الْمُجْتَهِدِينَ فَلَا يَصِحُّ ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْعَادَةِ ، وَزَمَانُنَا هَذَا قَدْ يَشْغَرُ مِنهُمْ وَإِنْ أَرَادَ بِهِ النَّقَلَةَ فَهَذَا يُتَّجَهُ ، فَإِنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَقْضِ بِانْحِطَاطِهِمْ وَالدَّوَاعِي تَتَوَفَّرُ عَلَى نَقْلِ الْأَحَادِيثِ وَلَفْظِ الْمَذَاهِبِ وَنَقْلِ الْقُرْآنِ نَعَمْ ، إنْ فَتَرَتْ الدَّوَاعِي وَقَلَّتْ الْهِمَمُ فَيَجُوزُ شُغُورُ الزَّمَانِ عَنهُمْ ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ"وَأَمَّا قَوْلُ الْغَزَالِيِّ: وَقَدْ خَلَا الْعَصْرُ عَن الْمُجْتَهِدِ الْمُسْتَقِلِّ فَقَدْ سَبَقَهُ إلَيْهِ الْقَفَّالُ شَيْخُ الْخُرَاسَانِيِّينَ ، فَقِيلَ: الْمُرَادُ مُجْتَهِدٌ قَائِمٌ بِالْقَضَاءِ ، فَإِنَّ الْمُحَقِّقِينَ مِن الْعُلَمَاءِ كَانُوا يَرْغَبُونَ عَنهُ ، وَلَا يَلِي فِي زَمَانِهِمْ غَالِبًا إلَّا مَن هُوَ دُونَ ذَلِكَ وَكَيْفَ يُمْكِنُ الْقَضَاءُ عَلَى الْأَعْصَارِ بِخُلُوِّهَا عَن مُجْتَهِدٍ وَالْقَفَّالُ نَفْسُهُ كَانَ يَقُولُ لِلسَّائِلِ فِي مَسْأَلَةِ الصُّبْرَةِ: تَسْأَلُ عَن مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَمْ مَا عِنْدِي؟ وَقَالَ هُوَ وَالشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وَالْقَاضِي الْحُسَيْنُ: لَسْنَا مُقَلِّدَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ ، بَلْ وَافَقَ رَأْيُنَا رَأْيَهُ فَمَاذَا كَلَامُ مَن يَدَّعِي رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ ،وَلَمْ يَخْتَلِفْ اثْنَانِ أَنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ بَلَغَ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ ،وَكَذَلِكَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْعَصْرَ خَلَا عَن الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ ، لَا عَن مُجْتَهِدٍ فِي مَذْهَبِ أَحَدِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ ،وَقَدْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ مُنْحَصِرٌ فِي هَذِهِ الْمَذَاهِبِ ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِغَيْرِهَا ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ الِاجْتِهَادُ إلَّا فِيهَا".
قلت: ونقله الاتفاق على أن الحقَّ منحصرٌ في المذاهب الأربعة فقط ، هذا في الأغلب ، وليس بالضرورة أن يصيب الأئمة دائمًا ، فهناك مذاهب الصحابة والتابعين ، وأقران الأئمة والطبري ، وابن حزم ونحوهم .
ومن ثمَّ فليس اتفاق الأئمة الأربعة على حكم مسألة يعني أن الأمة أجمعت عليها بالضرورة ، قال ابن حجر المكي:"عَلَى أَنَّا لَوْ فَرَضْنَا اتِّفَاقَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ لَا يَحْصُلُ الْإِجْمَاعُ أَيْضًا.." [4]
بل اتفاق الخلفاء الأربعة على حكم لا يعدُّ على الصحيح إجماعًا ،قال الزركشي:"قَالَ الْقَاضِي أَبُو خَازِمٍ - بِالْخَاءِ وَالزَّايِ الْمُعْجَمَتَيْنِ - مِن الْحَنَفِيَّةِ: إجْمَاعُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ حُجَّةٌ ، وَحَكَمَ بِذَلِكَ فِي زَمَنِ الْمُعْتَضِدِ بِتَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَلَمْ يَعْتَدَّ بِخِلَافِ زَيْدٍ ، وَقَبِلَ مِنْهُ الْمُعْتَضِدُ ذَلِكَ ، وَرَدَّهَا إلَيْهِمْ ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إلَى الْآفَاقِ ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيَّ: وَبَلَغَنِي أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْبَرَاذِعِيَّ كَانَ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ .قَالَ: وَهَذَا فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ،فَقَالَ أَبُو حَازِمٍ: لَا أَعُدُّ هَذَا خِلَافًا عَلَى الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ ، وَقَدْ حَكَمْت بِرَدِّ هَذَا الْمَالِ إلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَّبِعَهُ بِالنَّسْخِ .اهـ ."
وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ ، قَالَ الْمُوَفَّقُ فِي الرَّوْضَةِ": نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُخْرَجُ عَنْ قَوْلِهِمْ إلَى قَوْلِ غَيْرِهِمْ ،وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُمْ حُجَّةٌ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ إجْمَاعًا ."
قُلْت: وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْقَاضِي أَبِي حَازِمٍ أَيْضًا ، وَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى قَوْلِ غَيْرِهِمْ ، وَعَلَى هَذَا فَلَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِ أَصْحَابِنَا حِكَايَتَهُ عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، فَإِنَّهُ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ .
قَالَ ابْنُ كَجٍّ فِي كِتَابِهِ هُنَا: إذَا اخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى قَوْلَيْنِ وَكَانَتِ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ مَعَ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ: يُصَارُ إلَى قَوْلِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: إنَّهُمَا سَوَاءٌ ، وَيُطْلَبُ دَلَالَةُ سِوَاهُمَا انْتَهَى . [5]
وقال الغزالي:"الْإِجْمَاعُ مِن الْأَكْثَرِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ مَعَ مُخَالَفَةِ الْأَقَلِّ ، وَقَالَ قَوْمٌ هُوَ حُجَّةٌ ،وَقَالَ قَوْمٌ: إنْ بَلَغَ عَدَدُ الْأَقَلِّ عَدَدَ التَّوَاتُرِ انْدَفَعَ الْإِجْمَاعُ وَإِنْ نَقَصَ فَلَا يَنْدَفِعُ ."
وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَنَا أَنَّ الْعِصْمَةَ إنَّمَا تَثْبُتُ لِلْأُمَّةِ بِكُلِّيَّتِهَا ، وَلَيْسَ هَذَا إجْمَاعَ الْجَمِيعِ بَلْ هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} (10) سورة الشورى". [6] "
ــــــــــــــــ
(1) - البحر المحيط للزركشي (ج 8 / ص 93)
(2) - شرح الكوكب المنير - (ج 3 / ص 91) والتقليد والإفتاء والاستفتاء - (ج 1 / ص 31) والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد - الرقمية - (ج 1 / ص 203) وإرشاد الفحول - (ج 2 / ص 212) والتحبير شرح التحرير - (ج 8 / ص 4059) والمختصر في أصول الفقه - (ج 1 / ص 167)
(3) - صحيح مسلم (5066)
(4) - الفتاوى الفقهية الكبرى - (ج 3 / ص 462)
(5) - البحر المحيط - (ج 6 / ص 129) فما بعدها , وانظر إجمال الإصابة في أقوال الصحابة للعلائي
(6) - المستصفى - (ج 1 / ص 369)