فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 164

إن الواجب على المسلم طاعة الله تعالى وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - كما قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ } (النساء:59) ، وقال تعالى: ( اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ) {الأعراف:3} ، وإذا أشكل عليه أمرٌ من دينه سأل من يثقُ بعلمه وورعه من أهل العلم، ومذهبُه مذهبُ من يفتيه إنْ كان عاميًّا فالعاميُّ لا مذهبَ له - على الراجح-.

أما إذا كان منْ طلبة العلم المتبصِّرين الذين حصَّلوا من علوم الدليل وعلوم الآلة ما يجعلهم يستطيعون به الوقوف على الأدلة في المسألة والترجيحَ بينها، فمنْ وصل إلى هذه المرحلة يلزمُه الأخذ بما ترجَّح عنده من الأدلة بغضِّ النظر عن المذهب الذي يتبعه، وهذه المرحلة يسميها بعض أهل العلم بالتبصُّر أو الاتباعِ، وفوقها مرحلةُ الاجتهاد، فمن وصل إليها واستوفى شروطها لا يجوزُ له التقليد- على الراجح- وإنما يعمل بما ترجح عنده بالدليل، وأما كيفية اختيار المذهب، فإنَّ العاميَّ لا مذهب له -كما أشرنا إليه- وإنما مذهبه مذهب من يفتيه، ولكن عليه أن يختار الأعلمَ والأتقَى والأورعَ حسب وسعه، وكيفية الاختيار لما يذهب إليه طالب العلم -الذي درس أصول الفقه، وعلوم الحديث، وعلوم اللغة..- يجب أن تكون بناءً على ما ترجَّح عنده بالدليل دون اتباعٍ للهوى...

وإذا نزلت بالمسلم نازلةٌ فإنه يستفتي من اعتقد أنه يفتيه بشرع الله ورسوله من أي مذهب كان، ولا يجب عليه التزام مذهب معين لأنَّ كل واحد يؤخذ من قوله ويترك إلا الرسول - صلى الله عليه وسلم - .

واتباع الشخص لمذهبٍ معين لعجزه عن معرفة الشرع من جهته هو مما يسوغ، وليس مما يجب على كل أحد إذا أمكنه معرفة الشرع بغير ذلك الطريق.

قال صاحب الإنصاف [2] : وَأَمَّا لُزُومُ التَّمَذْهُبِ بِمَذْهَبٍ وَامْتِنَاعُ الِانْتِقَالِ إلَى غَيْرِهِ فِي مَسْأَلَةٍ فَفِيهَا وَجْهَانِ ، وِفَاقًا لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَعَدَمُهُ أَشْهَرُ. اهـ.

و قال في إعلام الموقعين [3] :"هَلْ عَلَى الْعَامِّيِّ أَنْ يَتَمَذْهَبَ بِمَذْهَبٍ وَاحِدٍ مِن الْأَرْبَعَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ ؟ فِيهِ مَذْهَبَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ وَهُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ ؛ إذْ لَا وَاجِبَ إلَّا مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، وَلَمْ يُوجِبْ اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ عَلَى أَحَدٍ مِن النَّاسِ أَنْ يَتَمَذْهَبَ بِمَذْهَبِ رَجُلٍ مِن الْأُمَّةِ فَيُقَلِّدَهُ دِينَهُ دُونَ غَيْرِهِ ، وَقَدْ انْطَوَتْ الْقُرُونُ الْفَاضِلَةُ مُبَرَّأَةً مُبَرَّأَ أَهْلِهَا مِن هَذِهِ النِّسْبَةِ ، بَلْ لَا يَصِحُّ لِلْعَامِّيِّ مَذْهَبٌ وَلَوْ تَمَذْهَبَ بِهِ ؛ فَالْعَامِّيُّ لَا مَذْهَبَ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ إنَّمَا يَكُونُ لِمَن لَهُ نَوْعُ نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ ، وَيَكُونُ بَصِيرًا بِالْمَذَاهِبِ عَلَى حَسْبِهِ ، أَوْ لِمَن قَرَأَ كِتَابًا فِي فُرُوعِ ذَلِكَ الْمَذْهَبِ وَعَرَفَ فَتَاوَى إمَامِهِ وَأَقْوَالَهُ ، وَأَمَّا مَن لَمْ يَتَأَهَّلْ لِذَلِكَ أَلْبَتَّةَ بَلْ قَالَ: أَنَا شَافِعِيٌّ ، أَوْ حَنْبَلِيٌّ ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ ؛ لَمْ يَصِرْ كَذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنَا فَقِيهٌ ، أَوْ نَحْوِيٌّ ، أَوْ كَاتِبٌ ، لَمْ يَصِرْ كَذَلِكَ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ".

وقال ابن مفلح في أصوله:"عَدَمُ اللُّزُومِ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ ، فَيُخَيَّرُ". [4]

وقد رجحه ابن برهان والنووي، واستُدل لذلك بأن الصحابة لم ينكروا على العامة تقليد بعضهم في بعض المسائل وبعضهم في البعض الآخر، وليس معنى ذلك أن ينتقل بين المذاهب أو لا يتقيد بمذهب بغية الترخص والتلاعب فإن هذا مذموم.

قال أحمد رحمه الله"لَوْ أَنَّ رَجُلًا ، عَمِلَ بِكُلِّ رُخْصَةٍ: بِقَوْلِ أَهْلِ الْكُوفَةِ فِي النَّبِيذِ ، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي السَّمَاعِ - يَعْنِي الْغِنَاءَ - وَأَهْلِ مَكَّةَ فِي الْمُتْعَةِ ، أَوْ كَمَا قَالَ: لَكَانَ بِهِ فَاسِقًا". [5]

وقَالَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ:"لَوْ أَخَذْتَ بِرُخْصَةِ كُلِّ عَالِمٍ - أَوْ زَلَّةِ كُلِّ عَالِمٍ اجْتَمَعَ فِيكَ الشَّرُّ كُلُّهُ" [6]

وقَالَ مَعْمَرٌ:"لَوْ أَنَّ رَجُلًا ، أَخَذَ بِقَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي السَّمَاعِ - يَعْنِي الْغِنَاءَ - وَإِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ ، وَبُقُولِ أَهْلِ مَكَّةَ فِي الْمُتْعَةِ وَالصَّرْفِ ، وَبُقُولِ أَهْلِ الْكُوفَةِ فِي السُّكْرِ ، كَانَ شَرَّ عَبَّادِ اللَّهِ" [7] .

وقَالَ إ ِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ:"مَنْ حَمَلَ شَاذَّ الْعُلَمَاءِ حَمَلَ شَرًّا كَبِيرًا" [8] .

وفي السنن للبيهقي عن الأوزاعي أنه قال: مَن أَخَذَ بِنَوَادِرِ الْعُلَمَاءِ خَرَجَ مِنَ الإِسْلاَمِ [9] .

وليكن قصده من ذلك تحرِّي الصواب والوصول إلى الحق. والله أعلم [10] .

ــــــــــــــــ

(1) - فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 9 / ص 2345) رقم الفتوى 62828 المذهب الذي يتبعه العامي وطالب العلم تاريخ الفتوى: 05 جمادي الأولى 1426

(2) - الفروع لابن مفلح - (ج 12 / ص 456) والإنصاف - (ج 17 / ص 15)

(3) - إعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 5 / ص 150)

(4) - الفروع لابن مفلح - (ج 12 / ص 457) والإنصاف - (ج 17 / ص 15)

(5) - الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهِيُ عَنِ الْمُنْكَرِ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ الْخَلَّالِ (171 ) وإرشاد الفحول للشوكاني - (ج 2 / ص 69)

(6) - الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهِيُ عَنِ الْمُنْكَرِ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ الْخَلَّالِ (172 )

(7) - الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهِيُ عَنِ الْمُنْكَرِ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ الْخَلَّالِ (174 )

(8) - الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهِيُ عَنِ الْمُنْكَرِ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ الْخَلَّالِ (175 )

(9) - السنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي - (ج 10 / ص 211) برقم (21446) وإسناده صحيح

وانظر فتاوى قطاع الإفتاء بالكويت - (ج 1 / ص 47) والموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 11497) والبحر المحيط - (ج 8 / ص 271) وإرشاد الفحول للشوكاني - (ج 2 / ص 69)

(10) - فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 2 / ص 2486) رقم الفتوى 5812 حكم عدم التزام بمذهب معين

تاريخ الفتوى: 30 محرم 1422 وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 5 / ص 2903) ورقم الفتوى 32653 هل يجب التقيد بمذهب بعينه؟ تاريخ الفتوى: 26 ربيع الأول 1424

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت