فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 164

أكثر الأصوليين على أن الاتباع هو التقليد وعرفوا التقليد بأنه"العمل بقول الغير من غير حجة ملزمة" [2] .

وقال الإمام ابن حزم الظاهري [3] :"أما من اعتقد قولا بغير اجتهاد أصلا لكن اتباعا لمن نشأ بينهم ،فهذا مقلدٌ مذمومٌ بيقين أصاب أو أخطأ ،وهو آثم على كلِّ حالٍ عاصٍ لله عز وجل بذلك، فاسقٌ مجروحُ الشهادةِ ،صادفَ الحقَّ أو لم يصادفه ،لأنه لم يقصده من حيث أمر من اتباع النصوص".

وقال ابن القيم رحمه الله [4] :

"قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ خُوَيْزِ مَندَادٍ الْبَصْرِيُّ الْمَالِكِيُّ: التَّقْلِيدُ مَعْنَاهُ فِي الشَّرْعِ الرُّجُوعُ إلَى قَوْلٍ لَا حُجَّةَ لِقَائِلَةِ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ مِنهُ فِي الشَّرِيعَةِ ، وَالِاتِّبَاعُ: مَا ثَبَتَ عَلَيْهِ حُجَّةٌ ."

وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِن كِتَابِهِ: كُلُّ مَن اتَّبَعْت قَوْلَهُ مِن غَيْرِ أَنْ يَجِبَ عَلَيْك قَبُولُهُ بِدَلِيلٍ يُوجِبُ ذَلِكَ فَأَنْتَ مُقَلِّدُهُ ، وَالتَّقْلِيدُ فِي دِينِ اللَّهِ غَيْرُ صَحِيحٍ ، وَكُلُّ مَن أَوْجَبَ الدَّلِيلَ عَلَيْك اتِّبَاعُ قَوْلِهِ فَأَنْتَ مُتَّبِعُهُ ، وَالِاتِّبَاعُ فِي الدِّينِ مُسَوَّغٌ ، وَالتَّقْلِيدُ مَمْنُوعٌ [5] .

وَقَالَ ابن عبد البر [6] :"عَن سُحْنُونَ ، قَالَ: كَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ وَغَيْرُهُمْ يَخْتَلِفُونَ إِلَى ابْنِ هُرْمُزَ ، وَكَانَ إِذَا سَأَلَهُ مَالِكٌ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ أَجَابَهُمَا وَإِذَا سَأَلَهُ ابْنُ دِينَارٍ وَذَوُوهُ لَمْ يُجِبْهُمْ ، فَتَعَرَّضَ لَهُ ابْنُ دِينَارٍ يَوْمًا فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا بَكْرٍ لِمَ تَسْتَحِلُّ مِنِّي مَا لَا يَحِلُّ لَكَ ؟ قَالَ لَهُ: يَا ابْنَ أَخِي وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ: يَسْأَلُكَ مَالِكٌ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ فَتُجِيبُهُمَا وَأَسْأَلُكَ أَنَا وَذَوِي فَلَا تُجِيبُنَا ؟ فَقَالَ:"أَوَقَعَ ذَلِكَ يَا ابْنَ أَخِي فِي قَلْبِكَ ؟"قَالَ: نَعَمْ ، قَالَ: إِنِّي قَدْ كَبُرَ سِنِّي وَرَقَّ عَظْمِي ، وَأَنَا أَخَافُ أَنْ يَكُونَ خَالَطَنِي فِي عَقْلِي مِثْلُ الَّذِي خَالَطَنِي فِي بَدَنِي"وَمَالِكٌ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ عَالِمَانِ فَقِيهَانِ إِذَا سَمِعَا مِنِّي حَقًّا قَبِلَاهُ وَإِذَا سَمِعَا مِنِّي خَطَأً تَرَكَاهُ وَأَنْتَ وَذَوُوكَ مَا أَجَبْتُكُمْ بِهِ قَبِلْتُمُوهُ ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَارِثٍ: هَذَا وَاللَّهِ هُوَ الدِّينُ الْكَامِلُ وَالْعَقْلُ الرَّاجِحُ لَا كَمَن يَأْتِي بِالْهَذَيَانِ وَيُرِيدُ أَنْ يَنْزِلَ مِنَ الْقُلُوبِ مَنزِلَةَ الْقُرْآنِ .

وعَن مَالِكٍ ، قَالَ [7] :"لَيْسَ كُلَّمَا قَالَ رَجُلٌ قَوْلًا وَإِنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ يُتَّبَعُ عَلَيْهِ""يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} (18) سورة الزمر ، فَإِنْ قَالَ: قِصَرِي وَقِلَّةُ عِلْمِي يَحْمِلُنِي عَلَى التَّقْلِيدِ ، قِيلَ لَهُ: أَمَّا مَن قَلَّدَ فِيمَا يَنْزِلُ بِهِ مِن أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ عَالِمًا بِمَا يَتَّفِقُ لَهُ عَلَى عِلْمِهِ فَيُصْدِرُ فِي ذَلِكَ عَمَّا يُخْزِهِ بِهِ فَمَعْذُورٌ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ وَأَدَّى مَا لَزِمَهُ فِيمَا نَزَلَ بِهِ لِجَهْلِهِ وَلَا بُدُّ لَهُ مِن تَقْلِيدِ عَالِمِهِ فِيمَا جَهِلَ ؛ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْمَكْفُوفَ يُقَلِّدُ مَن يَثِقُ بِخَبَرِهِ فِي الْقِبْلَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ ،وَلَكِنْ مَن كَانَتْ هَذِهِ حَالُهُ هَلْ تَجُوزُ لَهُ الْفَتْوَى فِي شَرَائِعِ دِينِ اللَّهِ ؟ فَيَحْمِلُ غَيْرَهُ عَلَى إِبَاحَةِ الْفُرُوجِ وَإِرَاقَةِ الدِّمَاءِ وَاسْتِرْقَاقِ الرِّقَابِ وَإِزَالَةِ الْأَمْلَاكِ وَتَصْيِيرِهَا إِلَى غَيْرِ مَن كَانَتْ فِي يَدِهِ بِقَوْلٍ لَا يُعْرَفُ صِحَّتُهُ وَلَا قَامَ لَهُ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ مُقِرٌّ أَنَّ قَائِلَهُ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ وَأَنَّ مُخَالِفَهُ فِي ذَلِكَ رُبَّمَا كَانَ الْمُصِيبَ فِيمَا خَالَفَهُ فِيهِ ، فَإِنْ أَجَازَ الْفَتْوَى لِمَن جَهِلَ الْأَصْلَ وَالْمَعْنَى لِحِفْظِهِ الْفُرُوعَ لَزِمَهُ أَنْ يُجِيزَهُ لِلْعَامَّةِ وَكَفَى بِهَذَا جَهْلًا وَرَدًّا لِلْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنهُ مَسْؤُولًا} (36) سورة الإسراء ،وَقَالَ تعالى: {..أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (28) سورة الأعراف، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَا لَمْ يُتَبَيَّنْ وَلَمْ يُسْتَيْقَنْ فَلَيْسَ بِعِلْمٍ ،وَإِنَّمَا هُوَ ظَنٌّ وَالظَّنُّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ، وَقَدْ مَضَى فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمَا"فِيمَن أَفْتَى بِفُتْيَا وَهُوَ يَعْمَى عَنهَا أَنَّ إِثْمَهَا عَلَيْهِ [8] "وَثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ:"إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ [9] "وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ فِي فَسَادِ التَّقْلِيدِ فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنِ الْإِكْثَارِ [10] "

وعَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عُثْمَانَ بْنُ سَنَّةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"إِنَّ الْعِلْمَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى يَوْمَئِذٍ لِلْغُرَبَاءِ" [11] .

وَعَن كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَن أَبِيهِ ، عَن جَدِّهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ"قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ؟ وَمَنِ الْغُرَبَاءُ ؟ قَالَ:"الَّذِينَ يُحْيُونَ سُنَّتِي وَيُعَلِّمُونَهَا عِبَادَ اللَّهِ" [12] .

وَكَانَ يُقَالُ: الْعُلَمَاءُ غُرَبَاءُ لِكَثْرَةِ الْجُهَّالِ.

ثُمَّ ذُكِرَ عَن مَالِكٍ ، عَن زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَن نَشَاءُ قَالَ:"بِالْعِلْمِ" [13] .

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: { .. يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (11) سورة المجادلة، قَالَ: يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الَّذِينَ لَمْ يُؤْتَوْا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [14] .

وَرَوَى هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ عَن زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلُهُ: {..وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ ..} (55) سورة الإسراء ،قَالَ: بِالْعِلْمِ [15] .

وَإِذَا كَانَ الْمُقَلِّدُ لَيْسَ مِن الْعُلَمَاءِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ لَمْ يَدْخُلْ فِي شَيْءٍ مِن هَذِهِ النُّصُوصِ ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ

وَقَدْ نَهَى الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ عَن تَقْلِيدِهِمْ ، وَذَمُّوا مَن أَخَذَ أَقْوَالَهُمْ بِغَيْرِ حُجَّةٍ ؛ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَثَلُ الَّذِي يَطْلُبُ الْعِلْمَ بِلَا حُجَّةٍ كَمَثَلِ حَاطِبِ لَيْلٍ ، يَحْمِلُ حُزْمَةَ حَطَبٍ وَفِيهِ أَفْعَى تَلْدَغُهُ وَهُوَ لَا يَدْرِي ، ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ [16] .

وَقَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ يَحْيَى الْمُزَنِيّ فِي أَوَّلِ مُخْتَصَرِهِ: اخْتَصَرَتْ هَذَا مِن عِلْمِ الشَّافِعِيِّ ، وَمِن مَعْنَى قَوْلِهِ ، لِأُقَرِّبَهُ عَلَى مَن أَرَادَهُ ، مَعَ إعْلَامِيَّةِ نَهْيِهِ عَن تَقْلِيدِهِ وَتَقْلِيدِ غَيْرِهِ لِيَنْظُرَ فِيهِ لِدِينِهِ وَيَحْتَاطُ فِيهِ لِنَفْسِهِ .

وَقَالَ أَبُو دَاوُد: قُلْت لِأَحْمَدَ: الْأَوْزَاعِيُّ هُوَ أَتْبَعُ مِن مَالِكٍ ؟ قَالَ:لَا تُقَلِّدْ دِينَك أَحَدًا مِن هَؤُلَاءِ ، مَا جَاءَ عَن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَصْحَابِهِ فَخُذْ بِهِ ، ثُمَّ التَّابِعِيُّ بَعْدَ الرَّجُلِ فِيهِ مُخَيَّرٌ [17] .

وَقَدْ فَرَّقَ أَحْمَدُ بَيْنَ التَّقْلِيدِ وَالِاتِّبَاعِ فَقَالَ أَبُو دَاوُد: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ:"الِاتِّبَاعُ أَنْ يَتَّبِعَ الرَّجُلُ , مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - , وَعَن أَصْحَابِهِ , ثُمَّ هُوَ بَعْدُ فِي التَّابِعِينَ مُخَيَّرٌ" [18] .

وَقَالَ أَيْضًا: لَا تُقَلِّدْنِي وَلَا تُقَلِّدْ مَالِكًا وَلَا الثَّوْرِيَّ وَلَا الْأَوْزَاعِيَّ ، وَخُذْ مِن حَيْثُ أَخَذُوا [19] .

وَقَالَ: مِن قِلَّةِ فِقْهِ الرَّجُلِ أَنْ يُقَلِّدَ دِينَهُ الرِّجَالَ [20] .

وَقَالَ بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ: قَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ مَقَالَتَنَا حَتَّى يَعْلَمَ مِن أَيْنَ قُلْنَا [21] .

وَقَدْ صَرَّحَ مَالِكٌ بِأَنَّ مَن تَرَكَ قَوْلَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِقَوْلِ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ يُسْتَتَابُ ، فَكَيْفَ بِمَن تَرَكَ قَوْلَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِقَوْلِ مَن هُوَ دُونَ إبْرَاهِيمَ أَوْ مِثْلِهِ ؟ [22]

وَقَالَ جَعْفَرٌ الْفِرْيَابِيُّ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ حَدَّثَنِي الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ قَالَ: قُلْت لِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إنَّ عِنْدَنَا قَوْمًا وَضَعُوا كُتُبًا يَقُولُ أَحَدُهُمْ: ثنا فُلَانٌ عَن فُلَانٍ عَن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِكَذَا وَكَذَا وَفُلَانٌ عَن إبْرَاهِيمَ بِكَذَا ، وَيَأْخُذُ بِقَوْلِ إبْرَاهِيمَ .

قَالَ مَالِكٌ: وَصَحَّ عِنْدَهُمْ قَوْلُ عُمَرَ ؟ قُلْت: إنَّمَا هِيَ رِوَايَةٌ كَمَا صَحَّ عِنْدَهُمْ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ ، فَقَالَ مَالِكٌ: هَؤُلَاءِ يُسْتَتَابُونَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [23] .

قلت: لا شك أن الذي ورد في القرآن الكريم هو مدح الاتباع على بصيرة وهدى ، كقوله تعالى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} (18) سورة الزمر ، وقوله تعالى: { وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} (55) سورة الزمر، وقوله تعالى: { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (108) سورة يوسف

وعَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: اتَّبِعُوا وَلاَ تَبْتَدِعُوا فَقَدْ كُفِيتُمْ. [24]

وهذا لا يستقيم إلا لطالب العلم القادر على تمييز الأدلة ،صحيحها من ضعيفها ، ومن له معرفة دقيقة بالمذاهب واختلاف الفقهاء ، فهذا إذا اتبع مذهبًا عليه أن يطَّلع على أدلته ، ليكون اتباعه لذلك الإمام على بصيرة ، ولا يعتمد على المتون المختصرة الخالية من الأدلة إلا في بداية التحصيل العلمي .

وأمَّا العامي - من ليس له القدرة على معرفة الأدلة والتمييز بينها - فيجب عليه اتباع مذهب من المذاهب المدَّونة ،لتكون عبادته لها أصل صحيح معتبر ، ولا يعتمد على كتاب في المذهب فقط ، بل يجب عليه أخذ هذا المذهب عن أهله مشافهة، حتى لا يقع في أخطاء جسيمة في فهمه أو تطبيقه، ولا عليه إذا نزلت به نازلة أو احتاج حكمًا شرعيًّا أن يسأل عنه أهل العلم المعتبرين في بلده ، ومذهبه في هذه الحال مذهب مفتيه

ــــــــــــــــ

(1) - موسوعة الفقه الإسلامي - (ج 1 / ص 45) والتقليد والإفتاء والاستفتاء - (ج 1 / ص 4) وقواطع الأدلة في الأصول / للسمعانى - (ج 3 / ص 430) والقول المفيد في الاجتهاد والتقليد للشوكاني - (ج 1 / ص 28)

(2) - الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (ج 1 / ص 436) والتقليد والإفتاء والاستفتاء (ج 1 / ص 2)

(3) - الأحكام لابن حزم - (ج 8 / ص 1160) و المحلى لأبن حزم الظاهرى ج 1 ص70مسألة 108 ادارة الطباعة المنيربة مطبعة النهضة بمصر سنة 1347 هجرية. والمحلى بالآثار - (ج 1 / ص 113)

(4) - إعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 2 / ص 302)

(5) - القول المفيد في الاجتهاد والتقليد للشوكاني - (ج 1 / ص 14)

(6) - جامع بيان العلم برقم (2250 ) والدرر السنية في الأجوبة النجدية - الرقمية - (ج 4 / ص 61)

(7) - جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر - (ج 3 / ص 235) برقم (15000 )

(8) - في سنن أبى داود برقم (3659 ) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « مَنْ أُفْتِىَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ وَمَنْ أَشَارَ عَلَى أَخِيهِ بِأَمْرٍ يَعْلَمُ أَنَّ الرُّشْدَ فِى غَيْرِهِ فَقَدْ خَانَهُ » وهو حديث حسن.

(9) - صحيح البخارى برقم (5143 )

(10) - يعني لمن كان قادرا على الاجتهاد أو تمييز الأدلة

(11) - جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر - (ج 3 / ص 236) برقم (15001 ) وهو حديث حسن مرسل

(12) - مسند الشهاب القضاعي برقم (980 ) والزهد الكبير للبيهقي - (ج 1 / ص 219) برقم (215) وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر - (ج 3 / ص 238) برقم (15003 ) وكثير ضعيف

(13) - جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر - (ج 3 / ص 237) برقم (15002) و المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي - (ج 1 / ص 254) برقم (251) وهو صحيح

(14) - المستدرك للحاكم- (ج 3 / ص 217) برقم (3793) وهو صحيح

(15) - تفسير ابن أبي حاتم - (ج 2 / ص 249) برقم (2596) وإسناده حسن

(16) - المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي برقم (198 ) وهو صحيح إليه

(17) - التقليد والإفتاء والاستفتاء - (ج 1 / ص 22)

(18) - الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي برقم (455) والقول المفيد في الاجتهاد والتقليد للشوكاني - (ج 1 / ص 28) وإسناده صحيح

(19) - المستخرج على المستدرك - (ج 1 / ص 16) و مجموع فتاوى و مقالات ابن باز - (ج 1 / ص 224) وفتاوى الإسلام سؤال وجواب - (ج 1 / ص 2584) و الفتاوى الكبرى - (ج 7 / ص 212) والموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 13 / ص 161) والدرر السنية في الأجوبة النجدية - الرقمية - (ج 5 / ص 297)

(20) - التقليد والإفتاء والاستفتاء - (ج 1 / ص 22) والقول المفيد في الاجتهاد والتقليد للشوكاني - (ج 1 / ص 28)

(21) - المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي - (ج 1 / ص 198) برقم (197) وهو حسن

وانظر الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 4679) والدرر السنية في الأجوبة النجدية - الرقمية - (ج 5 / ص 297) والبحر الرائق شرح كنز الدقائق - (ج 13 / ص 300) والتقليد والإفتاء والاستفتاء - (ج 1 / ص 16)

(22) - الدرر السنية في الأجوبة النجدية - الرقمية - (ج 4 / ص 60) والتقليد والإفتاء والاستفتاء - (ج 1 / ص 22)

(23) - فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم آل الشيخ - (ج 7 / ص 114) والدرر السنية في الأجوبة النجدية - الرقمية - (ج 4 / ص 61) والأحكام لابن حزم - (ج 6 / ص 839) وإعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 2 / ص 306) وهو صحيح

(24) - سنن الدارمى (211) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت