1-التلفيق في اللغة:
في لسان العرب [2] وفي الصحاح وأساس البلاغة: لفق الثوب، من باب ضرب يلفقه لفقا، وهو أن يضم شقة إلى أخرى، فيخيطها، وتستعمل بمعنى الملاءمة. إذا لاءمت بينهما بالخياطة، بضم إحداهما إلى الأخرى.
وأحاديث ملفقة أي أكاذيب مزخرفة، واللفاق الذي لا يدرك ما يطلب، ولفق الصقر إذا أرسل فلم يصطد ، أما لفق بالكسر فمعناه: أصاب وأخذ وهو أيضا بمعنى طفق.
وفي اصطلاح الفقهاء يستعمل الفقهاء التلفيق بمعنى الضم ، كما في المرأة التي انقطع دمها ، فرأت يوما دما ويوما نقاء أو يومين ، بحيث لا يجاوز التقطع خمسة عشر يوما عند غير الأكثرين ، وهو الأظهر عند الشافعية [3]
وكإدراك الجمعة بركعة ملفقة وهو ما يراه الشافعية والحنابلة"أن الجمعة تدرك بركعة ملفقة من ركوع الأولى وسجود الثانية. وقد ذكر الشافعية ذلك في المزحوم الذي لم يتمكن من السجود في الركعة الأولى حتى شرع الإمام في ركوع الركعة الثانية من الجمعة، فقد ذكروا أن المزحوم يراعي نظم صلاة نفسه، في قول، فيسجد الآن ويحسب ركوعه الأول في الأصح، لأنه أقر به في وقته [4] ."
وكالتلفيق في مسافة القصر لمن كان بعض سفره في البحر وبعضه في البر يرى المالكية على القول الذي لا يفرق بين السفر في البحر والسفر في البر في اعتبار المسافة، إنه إذا سافر وكان بعض سفره في البر وبعضه في البحر فإنه يلفق .
أي يضم مسافة أحدهما لمسافة الآخر مطلقا، من غير تفصيل. وجاء في الزرقاني أنه: يلفق بين مسافة البر ومسافة البحر إذا كان السير في البحر بمجداف ، أو به وبالريح، فإذا كان يسير فيه بالريح فقط لم يقصر في المسافة المتقدمة وهي دون مسافة قصر، فلا تليق [5] .
ولم يفرق الشافعية وكذلك الحنابلة ، على الصحيح في المذهب عندهم، في مسافة القصر بين البر والبحر ، بل لو سار في البحر وقطع تلك المسافة في لحظة فإنه يقصر [6] .
وعند الحنفية لا يعتبر السير في البر بالسير في البحر ، ولا السير في البحر بالسير في البر، وإنما يعتبر كل موضع منهما بما يليق بحاله. والمختار للفتوى عندهم أن ينظر كم تسير السفينة في ثلاثة أيام ولياليها إذا كانت الرياح مستوية معتدلة ، فيجعل ذلك هو المقدر لأنه يليق بحاله [7] .
وقال الفقهاء: إن من حلف ألا يدخل على أهله شهرا وكان الشهر تسعا وعشرين ثم دخل . فإن كان حلفه في غرة الشهر لا يحنث اتفاقا ، وإذا كان حلفه في أثناء الشهر هل يجب تلفيق الشهر ثلاثين ، أو يكتفي بتسع وعشرين ؟ الجمهور على وجوب التلفيق [8] .
في مختصر خليل وشرحه الكبير في كفارة اليمين: لا تجزئ الكفارة حال كونها ملفقة من نوعين فأكثر ، كإطعام مع كسوة ، وأما من صنفي نوع فيجزي في الطعام، فيجوز تلفيقا من الأمداد والأرطال والشبع [9] .
وعلى هذا المنهج استعمل الفقهاء كلمة التلفيق فقالوا: التلفيق في التقليد ، وقالوا: المسألة الملفقة، أو تلفيق في الاجتهاد ، وقالوا: التلفيق في التشريع.
2-التلفيق في الاجتهاد:
التلفيق في الاجتهاد، ويسمى: الاجتهاد المركب: هو أن يجتهد اثنان أو أكثر في موضوع، فيكون لهم فيه قولان ، ثم يأتي من بعدهم من يجتهد في الموضوع نفسه، ويؤدي اجتهاده إلى الأخذ من كل قول ببعضه ، ويكون مجموع ذلك مذهبه في الموضوع، فيكون اجتهاده هذا اجتهادا مركبا بالنظر إلى ما سبقه من اجتهاد. ويمكن أن يتحقق ذلك في كثير من الصور منها:
1-ما إذا اختلف الصحابة أو مجتهدو عصر في مسألة على قولين أو على أقوال، وانقرض العصر وهم على ذلك ، فهل يجوز لمن يأتي بعدهم من المجتهدين إحداث قول ثالث ؟ أو قول جديد ؟
2-ما إذا اختلف الصحابة أو مجتهدو عصر في مسألتين على قولين. فهل لمن يجتهد بعدهم أن يأخذ في إحدى المسألتين بقول طائفة، وفي المسألة الأخرى بقول الطائفة الأخرى ، أو لا يجوز ؟
وقد ذكر الغزالي [10] في المستصفى محل الخلاف في المسألة الأولى، فقال: إن صورة المسألة المختلف فيها: أن يعرف أن مجتهدي العصر جميعا قد تكلموا في المسألة واختلفوا فيها . أما مجرد نقل الأقوال من عصر من العصور فإنه لا يكون مانعا من إحداث قول ثالث، لأننا لا نعلم هل تكلم الجميع فيها أو لا . ومتى كان تحرير محل الخلاف في المسألة على الوضع فقد أصبح الأمر هينا جدا ، إذ من العسير أن يتوصل إلى ذلك ، وخاصة فيما بعد عصر الصحابة .
أما الأصوليون من الأحناف فقد تناولوا المسألة الأولى وحدها ولم يتناولوا المسألة الثانية كما صنع شمس الأئمة السرخسي في أصوله ، وأبو البركات النسفي في المنار، وغيره، وذهبوا إلى منع إحداث القول الثالث مطلقا.
وقالوا: إن الأصل هو أن السكوت يدل على الوفاق وينعقد به الإجماع . وعلى هذا الأصل تتخرج المسألة. فإذا اختلف مجتهدو عصر على قولين أو أقوال، فقد أجمعوا على حصر الأقوال في المسألة، وفي ما عداها، فإحداث قول ثالث أو جديد فيها يكون خرقا للإجماع السابق .
قال السرخسي: ومن هذا الجنس ما إذا اختلفوا في حادثة على أقاويل محصورة، فإن المذهب عندنا أن هذا يكون دليل الإجماع منهم على أنه لا قول في هذه الحادثة سوى هذه الأقاويل ، حتى ليس لأحد أن يحدث قولا آخر برأيه . وعند بعضهم هذا من باب السكوت الذي هو محتمل أيضا . فكما لا يدل على نفي الخلاف لا يدل على نفي قول آخر في الحادثة. فإن ذلك نوع تعيين لا يثبت بالمحتمل [11]
أما صاحب المنار فيقول:"والأمة إذا اختلفوا في مسألة على أقوال في أي عصر كان، كان إجماعا منهم على أن ما عداها باطل، ولا يجوز لمن بعدهم إحداث قول آخر، كما في الحامل المتوفى عنها زوجها ."
وقيل تعتد بعدة الحامل، وقيل بأبعد الأجلين، وقيل هذا في الصحابة خاصة، فإنهم إن اختلفوا على قولين كان إجماعا منهم على بطلان القول الثالث.والحق أن بطلان القول الثالث مطلق، يجري في اختلاف كل عصر" [12] ."
وقد رد هؤلاء على من ذهب إلى جواز ذلك استنادا إلى أن هذا سكوت عن غير ما أبدوه. فلا يكون إجماعا. كما ردوا على من قال إن الاختلاف في المسألة دليل على أنها مسألة اجتهادية فيسوغ الاجتهاد فيها.
أما أبو إسحاق الشيرازي الشافعي [13] فقد أورد المسألتين منفصلتين، وجعل وضع كل منهما في اختلاف الصحابة وحده، وقال في الأولى بالمنع، ورد على من ذهبوا إلى الجواز. وقال في المسألة الثانية أنه لم يصرح المختلفون بالتسوية بين المسألتين جاز للتابع أن يأخذ في إحدى المسألتين بقول طائفة وفي الأخرى بقول الطائفة الأخرى، وقال: إن من الناس من زعم أن هذا إحداث قول ثالث، وهذا خطأ، لأنه وافق في كل واحدة من المسالتين فريقا من الصحابة .
وقد ذكر الفخر الرازي المسألتين منفصلتين في المحصول، ونقل القول فيهما بالجواز، والقول بالمنع مطلقا - وهو رأي أكثر المحققين - وقال: إن الحق هو التفصيل، وقد أطال في بيان هذا التفصيل، وخلاصته [14] :
إن الحكم المختلف فيه، إما أن يكون متعلقا بمحل واحد، أو متعلقا بأكثر من محل، وبين المحلات ارتباط، وأحد القولين هو ثبوت الحكم في أحد المحلين وعدم ثبوته في المحل الأخر، والقول الثاني بعكسه، أو متعلقا بأكثر من محل، وأحد القولين ثبوت الحكم في المحلين ، والقول الآخر عدم ثبوته فيهما، أو متعلقا بأكثر من محل، وأحد القولين ثبوت الحكم في محل وعدم ثبوته في المحل الآخر، والقول الثاني هو ثبوت الحكم في كل من المحلين، أو عدم ثبوته فيهما، ويمثل هذا التفصيل تقدم صدر الشريعة في التنقيح والتوضيح [15] .
ومن أمثلة الحكم المختلف فيه، المتعلق بمحل واحد:
1-ميراث الجد مع الإخوة. اختلف فيه على قولين: أحدهما أن له الميراث وحده، والثاني إنه يقاسم الإخوة .
والقولان مشتركان في أمر واحد حقيقي شرعي مجمع عليه، وهو ميراث الجد وعدم حجبه بهم ، فالقول بحجبه بهم ، إبطال لما أجمعوا عليه.
2-امرأة الغائب إذا أخبرت بوفاة زوجها، فتزوجت بآخر وولدت منه، ثم ظهر زوجها الأول. قال أبو حنيفة يثبت نسبه من الأول . الشافعي: يثبت نسبه من الثاني .
فالقول بعدم ثبوت نسبه منهما، أو بثبوت نسبه منهما مخالف لما أجمع عليه من ثبوت نسبه من أحدهما .
ومن أمثلة الحال الأولى من أحوال تعدد المحل: احتجام المتوضئ ومسه المرأة بلا شهوة، وقال أبو حنيفة ينتقض وضوؤه بالاحتجام ولا ينتقض بالمس، وقال الشافعي بالعكس، فالقول بعدم الانتقاض بهما، أو القول بالانتقاض بهما قول ثالث ليس فيه إبطال لحكم شرعي مجمع عليه، وهو موافق لكل من المذهبين في حكم، واتفاق القولين على افتراق الحجامة والمس ليس اتفاقا على أمر شرعي، وإن قيل: إن القولين قد اتفقا على بطلان الطهارة، وعدم جواز الصلاة ممن احتجم ومس المرأة، قيل له: إنه إجماع مركب ، إذ فيه الاتفاق على الحكم مع الاختلاف في العلة ، فلا تجوز عند الحنفية للاحتجام ، وعند الشافعي للمس ، فكل من الحكمين منفصل عن الآخر ، لا تعلق له به .
ومن أمثلة الحال الثانية من أحوال هذا التعدد: ميراث الأم مع الأب وأحد الزوجين . فقد اختلف في قدره ، فقيل: للأم ثلث الكل قبل فرض أحد الزوجين، وهو قول ابن عباس . وقيل: إن لها ثلث الباقي بعد هذا الفرض ، وهو قول عامة الصحابة. فالقول بأن للأم ثلث الكل مع الزوج، وثلث الباقي مع الزوجة، قول ثالث، وهو قول ابن سيرين. والقول بأن لها ثلث الباقي مع الزوج وثلث الكل مع الزوجة قول ثالث أيضا، وهو قول شريح .
ومن أمثلة الحال الثالثة من أحوال هذا التعدد: الصلاة في جوف الكعبة. اختلف فيها. فقال الشافعي بجواز النفل دون الفرض ، وقال أبو حنيفة بجوازهما. فجواز النفل حكم مجمع عليه ، فالقول بعدم جوازهما أو بجواز الفرض دون النفل - مخالف لحكم مجمع عليه ، وهو جواز النفل .ومن كل ما سبق تتلخص لنا الأمور الآتية:
أولا: إن المسألتين الأصوليتين السابقتين سواء أبقيتا منفصلتين أم جعلتا مسألة واحدة، هما محل اختلاف بين العلماء. فقالت طائفة فيهما بالجواز مطلقا، وقالت طائفة بالمنع مطلقا، وقالت طائفة بالتفصيل الذي سبق بيانه.
ثانيا: إن المانعين بإطلاق استندوا إلى أن سكوت المجتهدين المختلفين يكون إجماعا منهم على نفي ما لم يقولوا به، وإن المفصلين استندوا في الحالات التي قالوا فيها بالمنع إلى إجماع المختلفين على حكم مشترك ناشئ عن أقوالهم ، وكل من هذين الإجماعين لا يمكن القول بحصوله إلا إذا عرف أن كل مجتهدي العصر قد خاضوا في الموضوع واختلفوا فيه . أما مجرد نقل أقوال لبعضهم فلا يدل على تحقق أي من الإجماعين .
ثالثا: إذا تعددت محال الحكم المختلف فيه لا ينظر إلا إلى الحكم المشترك بين القولين أو الأقوال . فلا ينظر إلى ما يسمونه الحقيقة المركبة التي تجمع محال الحكم ، كالطهارة أو الصلاة ممن احتجم أو مس المرأة التي يطلق عليها الحنفية في كتب الفقه الفصلين الاجتهاديين [16] .
3-التلفيق في التقليد:
ما دام الحديث في هذا المسألة عن التلفيق في التقليد، كان من الواجب أن أبين من هو المقلد والمستفتي في اصطلاح الأصوليين والفقهاء، حتى يسهل بعد ذلك الحديث عن التلفيق في التقليد.
والمقلد هو العامي الصرف، أو من له نظر وبصر بالمذاهب، غير أنه لم يبلغ مرتبة الاجتهاد فيجب عليهما تقليد مجتهدين ، واجتهاد المجتهد بالنظر لهما كالأدلة الإجمالية بالنسبة للمجتهد .
والعامي الصرف لا يصح له مذهب ولو تمذهب به ، ومذهبه في كل نازلة هو مذهب من أفتاه فيها .
أما من كان له نوع بصر بالمذاهب ، وتأهل للنظر والاستدلال فيه ، فإنه إذا تمذهب بمذهب إمام بعينه ، فمعنى ذلك أنه متبع له في العلم والمعرفة والاستدلال في العمل إذا ما دعت إليه الحاجة .
ومن التزم بمذهب إمام بعينه فالأصح أنه لا يلزمه ، لأن التزامه به غير ملزم ، إذ لا واجب إلا ما أوجبه الله ، ولم يوجب الله سبحانه وتعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة فيقلده في دينه في كل ما يأتي ويذر دون غيره . وإذا التزم بمذهب معين فله الانتقال عنه كلية إلى مذهب آخر ، وله أن ينتقل منه في بعض الأحكام في آحاد المسائل .
أما أهل الاجتهاد المقيد ، فيجب عليهم تقليد أهل الاجتهاد المطلق في أصول مذاهبهم فقط ، دون الفروع .
وأهل الاجتهاد المطلق لا يجوز لهم تقليد غيرهم مطلقا ، وإنما الواجب عليهم العمل باجتهادهم [17] .
وقد نقل الثقات عن عدد عظيم من العلماء أنهم تحولوا من المذاهب التي كانوا يقلدونها إلى غيرها . كما نقلوا عن غيرهم أنهم ما كانوا يلتزمون مذهبا معينا فيما يؤلفون من الكتب الفقهية وفي إفتاء العامة ، وهؤلاء كانوا خلقا كثيرا في عصور مختلفة ، ولم ينكر عليهم أحد تحولهم أو عدم التزامهم بمذهب معين . ثم ما زال عوام كل عصر يقلد أحدهم هذا المذهب في مسألة والآخر في أخرى والثالث في ثالثة ، وكذلك إلى ما لا يحصى ، ولم ينقل إنكار ذلك عليهم ، ولم يؤمروا بتحري الأعلم والأفضل في نظرهم .
التلفيق في التقليد على ضربين:
الأول: تلفيق بين الأحكام الكلية للعمل والمعرفة والاطمئنان إلى الأرجحية ، من غير نظر إلى جزئيات تلك الأحكام وما يمكن أن يترتب على العمل بها في النوازل المختلفة . والظاهر أن هذا النوع من التخيير و التقليد جائز ، ولا أثر لخلاف معتبر فيه . وصورته أن من كان مقلدا لأبي حنيفة مثلا وتزوج بلا ولي ، ثم رجع عن تقليده في أحكام الأنكحة وقلد الشافعي من غير نظر إلى هذه الجزئية ، بقي زواجه صحيحا ولا يحتاج إلى تجديد ، ويعمل بأحكام الشافعي حال بقاء هذه الزوجية ، وإن بقيت آثار العقد التي تمنع من التقليد . فالممنوع هو الرجوع عن المذهب في خصوص الجزئية التي قلد فيها مع إرادة الاستمرار على العمل بالآثار . أما لو رجع عنه إلى غيره من غير ملاحظة تلك المسألة بخصوصها لم يمتنع الاستمرار على الآثار ، وإذا أدى إلى تلفيق لم يكن قادحا .
الثاني: التخيير والتلفيق للعمل به في نازلة معينة ، وهو النوع الذي تكلموا في منعه ، والفقهاء في هذا النوع على مذاهب . فالمجيزون للتلفيق في التقليد يشترطون شروطا ثلاثة لهذا الجواز:
1-ألا يجمع بينهما على وجه يخالف الإجماع ، كمن تزوج بغير صداق ولا ولي ولا شهود ، فإن هذه الصورة لم يقل بها أحد [18] وهذا ما قاله جمهور الفقهاء .
2-أن لا يكون موقعا في أمر يجتمع على إبطاله الإمام الذي كان على مذهبه ، والإمام الذي انتقل إليه [19] ، وهذا الشرط نقله ابن الهمام عن القرافي ، واعتمد عليه في تحريره .
3-أن لا يلفق بين قولين تتولد منهما حقيقة واحدة مركبة لا يقول بها كل من الإمامين ، وصورته أن من قلد الشافعي رحمه الله تعالى في عدم فرضية الدلك للأعضاء المغسولة في الوضوء الغسل ، وقلد مالكا في عدم نقض اللمس بلا شهوة للوضوء ، فتوضأ ولمس بلا شهوة وصلى ، إن كان الوضوء بدلك صحت صلاته عند مالك رحمه الله تعالى وإن كان بلا دلك بطلت عند مالك والشافعي [20] .
وقال جماعة: هذا الشرط لا تنهض به حجة ، فإن المقلد لم يقلد كلا منهما في مجموع عمله، وإنما قلد كلا منهما في مسألة معينة غير التي قلد فيها غيره. ولا حرج في هذا . ومجموع العمل لم يوجب أحد النظر إليه ، لا في اجتهاد ولا في تقليد، وإنما هو اختراع لحكم شرعي ممن ليس أهلا للقول به، ولله سبحانه خطابه، ولكل خطاب أثره في محله ، والمجتهدون قد اختلفوا في كل حكم مختلف فيه على حدة، وقد جرى الناس منذ كان الاجتهاد على تقليد مجتهد في حكم ، ومجتهد ثان في غيره ، ومجتهد ثالث في حكم آخر، من غير نظر إلى العمل الذي يجمع مسائل الاختلاف. فما ذهبوا إليه ليس إلا إحداثا لأمر في دين الله.
وبعضهم اشترط أن لا يتبع الرخص ويلتقطها. وهذا الشرط وإن اعتبره الإمام النووي وغيره ، فإن ابن الهمام وغيره: لم يعتبروه ولم يلتفتوا إليه.
وذكر ابن الهمام أن المقلد لا يجوز له أن يتبع غير مذهبه في غير ما عمل به . أما إذا عمل بمذهبه في أي قضية ما، فلا يجوز أن يقلد غيره فيها [21] . فالقول بعدم جواز هذا ليس من أجل التلفيق وحده، بل بسبب الرجوع عما قلد فيه بعد العمل به . أما إذا لم يعمل بالقولين معا ، بل عمل بهما على التعاقب ولا أثر للقول ، لم يكن هذا من التلفيق ، وإنما يكون رجوعا عما عمل به . فمن قلد أبا حنيفة في صحة الزواج بلا ولي ، ثم طلق هذه الزوجة ثلاثا فعمد إلى تقليد الشافعي في بطلان هذا الزواج ، وأن الطلاق لم يصادف محلا ، وقد عقد عليها عقدا جديدا ، لا يكون عاملا بالقولين معا ، بل عمل بالأول ثم رجع عنه مع بقاء أثره، فالقول بعدم جواز هذا ليس من أجل التلفيق وحده، بل بسبب الرجوع عما قلد فيه بعد العمل ، مع بقاء أثره .
وإذا عمل بالقولين معا في حادثتين ، لم يكن هذا من التلفيق الممنوع في شيء، كمن طلق امرأته ثلاثا بلفظ واحد فأفتاه مفت بأنها بائنة منه بينونة كبرى ، فأمضي ذلك وفارقها، ثم طلق أخرى ثلاثا بلفظ واحد ، فأفتاه آخر بأنه طلاق رجعي فراجعها وأمسكها، يكون له امرأتان قد قال لهما قولا واحدا ومع هذا تحل له إحداهما وتحرم عليه الأخرى ، ولكن هذا ليس من التلفيق القادح لتعدد النازلة.
والذين أجازوا التلفيق قالوا: لابد من بقاء الخلاف قائما فيهما حين العمل في الحادثة. والذي يرفع الخلاف في الحادثة هو حكم الحاكم المستوفي شرطه إذا كان في مسألة اجتهادية، فيكون واجب النفاذ عندئذ ، ومثال ذلك إن الرجل إذا قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق ثلاثا ، ثم تزوجها، ورفع الأمر إلى قاض حنفي أو مالكي فقضى بصحة هذا التعليق وبطلاقها منه ثلاثا ، كان قضاؤه رافعا للخلاف في هذا العقد ، وليس لأحد نقضه. لكنه لو عقد عليها نفسها بعد ذلك عقدا جديدا، وكان هذا الزواج مختلفا فيه ، فلا يرجع هذا الخلاف إلى القضاء الأول، لأنه في نكاح آخر ، فلو رفع إلى شافعي فقضى بصحته، كان قضاؤه صحيحا. وكذلك لو رضع كبير من امرأة ثم تزوج بنتها نسبا أو بنتها من الرضاع ورفع الأمر إلى من يرى الحرمة بهذه الرضاعة ، فقضى بينهما بالتفريق ولم يقض بتأبيد الحرمة، كان قضاؤه رافعا للخلاف في هذا العقد وحده دون غيره. فلو أنه عقد عليها ثانيا، ورفع الأمر إلى من لا يرى الحرمة بهذه الرضاعة، وقضى بصحة الزواج صح قضاؤه، ولا يمنعه القضاء الأول، إذ أنه كان في نكاح غير هذا النكاح [22] .
ومن المجيزين للتقليد يحيي الزناتي . قال القرافي [23] نقلا عن الزناتي: يجوز تقليد المذاهب في النوازل، والانتقال من مذهب إلى مذهب، بثلاثة شروط لا تختلف كثيرا عن الشروط التي ذكرناها قبل قليل في هذا الفصل نفسه ، وهي:
1-أن لا يجمع بينهما على وجه يخالف الإجماع .
2-أن يعتقد فيمن يقلده الفضل بوصول أخباره إليه، ولا يقلد أميا في عماية.
3-أن لا يتتبع رخص المذاهب. ثم قال القرافي وغيره: يجوز تقليد المذاهب، والانتقال إليها في كل مالا ينقض فيه حكم الحاكم، وهو أربعة: (1) ما خالف الإجماع . (2) والقواعد. (3) والنص. (4) والقياس الجلي .
والذي يفهم من كلام المانعين أنهم تارة يمنعون التلفيق كلية. قال ابن حجر الهيثمي في تحفة المحتاج: إن ما قاله الآمدي وابن الحاجب من أن من عمل في مسألة بقول إمام لا يجوز له العمل فيها بقول غيره اتفاقا. ويظهر أن هذا الاتفاق إنما هو في صورة ما إذا بقى من آثار العمل الأول في ما يلزم عليه مع الثاني تركيب حقيقة لا يقول بها كل من الإمامين . كتقليد الشافعي في مسح بعض الرأس، ومالك في طهارة الكلب، في صلاة واحدة [24] .
أما إذا كان التركيب في قضيتين ، فالذي يظهر إن ذلك غير قادح في التقليد .
وحاصل القول: إن بطلان الرجوع عن التقليد بعد العمل، ليس بمتفق عليه، بل فيه خلاف. وإن التزام مذهب معين ليس بلازم. فقد ذكر الزركشي مذاهب العلماء في هذه المسألة ، فقال:
هل يجب على العامي التزام التقليد مذهبا معينا في كل واقعة ؟ فيه وجهان: قال فريق: يلزمه، وقال ابن برهان: لا ، ورجحه النووي في أوائل القضاء، وهو الصحيح ، فإن الصحابة رضوان الله عليهم لم ينكروا على العامة تقليد بعضهم من غير تقليد . وقد رام بعض الخلفاء زمن مالك حمل الناس في الآفاق على مذهب مالك ، فمنعه مالك واحتج بأن الله فرق العلم في البلاد بتفريق العلماء فيها، فلم الحجر على الناس ؟
وذكر بعض الحنابلة أن هذا هو مذهب أحمد ، فإنه قال لبعض أصحابه: لا تحمل الناس على مذهبك فيحرجوا، دعهم يترخصوا بمذاهب الناس. وقد كان السلف يقلدون من شاؤوا قبل ظهور المذاهب الأربعة. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: « إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ » . [25] . وتوسط ابن المنير فقال: الدليل يقتضي التزام مذهب معين بعد الأئمة الأربعة، لا قبلهم. والفرق: أن الناس كانوا قبل الأئمة الأربعة لم يدونوا مذاهبهم ولا كثرت الوقائع عليهم [26] .
(1) - مجلة مجمع الفقه الإسلامي - (ج 2 / ص 15856) وانظر عمدة التحقيق في التقليد والتلفيق، لمحمد سعيد الباني: ص 241 - 242.
(2) - لسان العرب: 382/3
(3) - روضة الطالبين: 162/1
(4) - روضة الطالبين: 19/2-21. والموسوعة الفقهية: 290/13
(5) - الدسوقي: 359/1 . الزرقاني: 38/2 .
(6) - روضة الطالبين: 385/1 .
(7) - الفتاوى الهندية: 138/1. الموسوعة الفقهية: 292/13
(8) - القسطلاني شرح البخاري: 440/9
(9) - خليل 132/2
(10) - المستصفى: 1 /199
(11) - أصول السرخسي: 1 /310
(12) - المنار: 2 /112
(13) - اللمع: ص 61- 62
(14) - المحصول في علم أصول الفقه. القسم الأول من الجزء الثاني: ص 179 إلى 210.
(15) - التنقيح والتوضيح: 2/ 328. مقال لأحمد فرج السنهوري حول التقليد والتلفيق.
(16) - التنقيح والتوضيح 2 /328 - مقال لأحمد فرج السنهوري حول التقليد والتلفيق .
(17) - فتح القدير: 5 /456. الشعراني: 1 /14-38. الغزالي: المنخول ص 476. فتاوى عليش: 1 /51. التقرير والتحبير: 3 /350.
(18) - شرح التنقيح للقرافي: ص 386.
(19) - شرح المنهاج للإسنوي: 3 /350 . التقرير والتحبير: 3 /350 .
(20) - تحفة ابن حجر: 4/ 266 .
(21) - ابن الهمام: التقرير والتحبير: 3 /35.
(22) - الهداية: 3 /87. الفروق للقرافي: 2 /103. الدسوقي على الشرح الكبير: 4/ 156..
(23) - شرح التنقيح: ص 386.
(24) - تحفة المحتاج: 1 /13.
(25) - السنن الكبرى للبيهقي (ج 3 / ص 140) (5621) صحيح لغيره
(26) - البحر المحيط للزركشي: 6 / 319..