الفصل الرابع
مسائل منوعة حول الاجتهاد
1-لا إنكار على من كان اجتهاده محتملًا ...
2-خَطَأِ الْمُجْتَهِدِينَ مِنَ الْحُكَّامِ وَالْمُفْتِينَ ...
3-يَجِبُ اتِّبَاعُ مَا سَنَّهُ أَئِمَّةُ السَّلَفِ مِنَ الْإِجْمَاعِ وَالْخِلَافِ ...
4-أَقَاوِيلِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمْ إِذَا تَفَرَّقُوا فِيهَا وَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَن بَعْدَهُمْ مِن أَكَابِرِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ...
5-صفاتُ طَالِبِ الْعِلْمِ وآدَابُه ...
6-اسْتِحْقَاقُ طَالِبِ الْعِلْمِ لِلزَّكَاةِ: ...
7-فيمنْ تفقَّه على مذهبٍ ثم اشتغلَ بالحديث فرأى في مذهبه ما يخالفُ الحديثَ كيفَ يعملُ ؟
8-بيانُ معرفة الحقِّ بالدليل ...
9-بيانُ أنَّ معرفة الشيءِ ببرهانهِ طريقةُ القرآنِ الكريمِ
10-الفرق بين العالم والداعية والواعظ ...
المبحث الأول - لا إنكار على من كان اجتهاده محتملًا:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي"الْمُجْتَهِدِينَ إِذَا اخْتَلَفُوا وَكَانُوا مِمَن لَهُ الِاجْتِهَادُ ، وَذَهَبُوا مَذْهَبًا مُحْتَمَلًا: لَا يَجُوزُ عَلَى وَاحِدٍ مِنهُمْ أَنْ يُ قَالَ: أَخْطَأَ مُطْلَقًا ، وَلَكِنْ يُقَالُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنهُمْ: قَدْ أَطَاعَ فِيمَا كُلِّفَ وَأَصَابَ فِيهِ ، وَلَمْ يُكَلَّفْ عِلْمَ الْغَيْبِ الَّذِي لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ ، وَجَعَلَ مِثَالَ ذَلِكَ الْقِبْلَةَ إِذَا اجْتَهَدُوا فِيهَا ، فَاخْتَلَفُوا"، وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: فَيَلْزَمُ أَحَدَهُمَا اسْمُ الْخَطَأِ، قِيلَ أَمَّا فِيمَا كُلِّفَ فَلَا ، وَأَمَّا خَطَأُ عَيْنِ الْبَيْتِ فَنَعَمْ ؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ لَا يَكُونُ فِي جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ ، فَإِنْ قِيلَ: فَيَكُونُ مُطِيعًا بِالْخَطَأِ ، قِيلَ هَذِهِ مَسْأَلَةُ جَاهِلٍ يَكُونُ مُطِيعًا بِالصَّوَابِ لِمَا كُلِّفَ مِنَ الِاجْتِهَادِ ، وَغَيْرُ آثِمٍ بِالْخَطَأِ إِذَا لَمْ يُكَلَّفْ صَوَابَهُ لِمَغِيبِ الْعَيْنِ عَنهُ .
وَقَالَ فِي حَدِيثِ الِاجْتِهَادِ:"إِذَا اجْتَهَدَ"، فَجَمَعَ الصَّوَابَ بِالِاجْتِهَادِ ، وَصَوَابُ الْعَيْنِ الَّتِي اجْتَهَدَ كَانَتْ لَهُ حَسَنَتَانِ ، وَإِنْ أَصَابَ بِالِاجْتِهَادِ وَأَخْطَأَ الْعَيْنَ الَّتِي أُمِرَ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي طَلَبِهَا كَانَتْ لَهُ حَسَنَةٌ ، وَلَا يُثَابُ مَن يُؤَدِّي فِي أَنْ يُخْطِئَ الْعَيْنَ ، وَمَن يُؤَدِّي فَيُخْطِئُ أَنْ يُكَفِّرَ عَنهُ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَا وَصَفْتُ مِن أَنَّهُ لَمْ يُكَلَّفْ صَوَابَ الْعَيْنِ فِي حَالٍ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: مَن حَكَمَ أَوْ أَفْتَى بِخَبَرٍ لَازِمٍ أَوْ قَاسَ عَلَيْهِ فَقَدْ أَتَى مَا كُلِّفَ ، وَحَكَمَ وَأَفْتَى مِن حَيْثُ أُمِرَ ، فَكَانَ فِي النَّصِّ مُؤَدِّيًا مَا أُمِرَ بِهِ نَصًّا ، وَفِي الْقِيَاسِ مُؤَدِّيًا مَا أُمِرَ بِهِ اجْتِهَادًا ، وَكَانَ مُطِيعًا لِلَّهِ فِي الْأَمْرَيْنِ ، ثُمَّ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَمَرَهُمْ بِطَاعَةِ اللَّهِ ، ثُمَّ رَسُولِهِ ، ثُمَّ الِاجْتِهَادِ ، فَيُرْوَى أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاذٍ كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ ؟ قَالَ:أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ ،قَالَ:فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ:فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ؟ قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَلَا فِي كِتَابِ اللَّهِ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلَا آلُو، فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - صَدْرَهُ وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ". [1] "
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَمَنِ اسْتَجَازَ أَنْ يَحْكُمَ أَوْ يُفْتِيَ بِلَا خَبَرٍ لَازِمٍ وَلَا قِيَاسٍ عَلَيْهِ كَانَ مَحْجُوجًا ، فَإِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: أَفْعَلُ مَا هَوَيْتُ ، وَإِنْ لَمْ أُومَرْ بِهِ . وَقَدْ قَضَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِخِلَافِ مَا قَالَ ، وَلَمْ يَتْرُكْ أَحَدًا إِلَّا مُتَعَبِّدًا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى} (36) سورة القيامة ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ فِيمَا عَلِمْتُ أَنَّ السُّدَى قال: الَّذِي لَا يُؤْمَرُ وَلَا يُنْهَى" [2] ."
ــــــــــــــــ
(1) - سنن أبى داود (3119 ) حسن ، وقد تلقته الأمة بالقبول
(2) - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَالْآثَارِ لِلْبَيْهَقِيِّ (6042 )