فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 164

المبحث الرابع -تعقيبٌ على قول المخطِّئة :

قلت: ومما يرد على قول من قال بأن المصيب واحد وما سواه مخطئ ، أنه لا يستقيم القول به إلا عندما يكون في المسألة اختلاف تضاد ، فلا يمكن في هذه الحال أن يكون لله تعالى فيها حكمان متناقضان ، ولاسيما إذا استند أحد القولين لدليل ضعيف مرجوح ، أو لدليل ظنه صحيحا ، فتبين لمن بعده أنه غير صحيح ، أو عمل بالقياس ولم يصله النص المرفوع الصحيح ، ولكنه وصل إلى غيره ، و نحو ذلك .

وأمَّا المسائل الخلافية التي يعود الخلاف فيها إلى اختلاف التنوع وليس التضاد ، فالصواب أن الجميع مصيب .

أمثلة على اختلاف التنوع:

أولا- كلُّ نصِّ في القرآن أو السنَّة احتمل معنيين فهو من اختلاف التنوع ، لأن المراد به رفع الحرج عن المكلفين:

أمثلة من القرآن الكريم ، كقوله تعالى في القرآن الكريم: { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ ..} (228) سورة البقرة

فالقروء وردت في اللغة وعن الصحابة أنها تعني ثلاثة أطهار أو ثلاث حيض ، فأي القولين أخذنا به فهو صواب ، وليس فيه خطأ ، وذلك لأن الآية محتملة لهما ، ولم يرد نصٌّ صحيح صريح عن الشارع الحكيم يحدد أي المعنيين مراد [1] .

وكقوله تعالى حول اللمس: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} (43) سورة النساء

فما هو المقصود باللمس هنا ، أهو الجماع أم هو الملاصقة ؟ يعني هل يعني الحقيقة أم المجاز ؟

اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ لَمْسِ الْمَرْأَةِ بِالنِّسْبَةِ لِنَقْضِ الْوُضُوءِ . فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ أَنَّ لَمْسَ الرَّجُل الْمَرْأَةَ وَالْمَرْأَةِ الرَّجُل لاَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَالْحَسَنِ وَمَسْرُوقٍ [2] .

ثُمَّ اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمُبَاشَرَةِ الْفَاحِشَةِ وَهُوَ أَنْ يُبَاشِرَ الرَّجُل الْمَرْأَةَ بِشَهْوَةٍ وَيَنْتَشِرُ لَهَا وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا ثَوْبٌ وَلَمْ يَرَ بَلَلًا ، فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّهُ يَكُونُ حَدَثًا اسْتِحْسَانًا ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لاَ يَكُونَ حَدَثًا وَهُوَ قَوْل مُحَمَّدٍ ، وَهَل تُشْتَرَطُ مُلاَقَاةُ الْفَرْجَيْنِ وَهِيَ مُمَاسَّتُهُمَا ؟ عَلَى قَوْلِهِمَا لاَ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَشَرَطَهُ فِي النَّوَادِرِ ، وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ مُلاَقَاةَ الْفَرْجَيْنِ أَيْضًا [3] .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِلَمْسِ الْمُتَوَضِّئِ الْبَالِغِ لِشَخْصٍ يَلْتَذُّ بِهِ عَادَةً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَلَوْ كَانَ الْمَلْمُوسُ غَيْرَ بَالِغٍ سَوَاءٌ أَكَانَ اللَّمْسُ لِزَوْجَتِهِ أَوْ أَجْنَبِيَّةٍ أَوْ مَحْرَمًا أَمْ كَانَ اللَّمْسُ لِظُفُرٍ أَوْ شَعَرٍ أَمْ مِنْ فَوْقِ حَائِلٍ كَثَوْبٍ ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْحَائِل خَفِيفًا يُحِسُّ اللاَّمِسُ مَعَهُ بِطَرَاوَةِ الْبَدَنِ أَمْ كَانَ كَثِيفًا ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ اللَّمْسُ بَيْنَ الرِّجَال أَمْ بَيْنَ النِّسَاءِ ، فَاللَّمْسُ بِلَذَّةٍ نَاقِضٌ .

وَالنَّقْضُ بِاللَّمْسِ مَشْرُوطٌ بِشُرُوطٍ ثَلاَثَةٍ: أَنْ يَكُونَ اللاَّمِسُ بَالِغًا ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَلْمُوسُ مِمَّنْ يُشْتَهَى عَادَةً ، وَأَنْ يَقْصِدَ اللاَّمِسُ اللَّذَّةَ أَوْ يَجِدَهَا .

وَلاَ يُنْقَضُ الْوُضُوءُ بِلَذَّةٍ مِنْ نَظَرٍ أَوْ فِكْرٍ ، وَلَوْ حَدَثَ إِنْعَاظٌ مَا لَمْ يُمْذِ بِالْفِعْل ، وَلاَ بِلَمْسِ صَغِيرَةٍ لاَ تُشْتَهَى أَوْ بَهِيمَةٍ أَوْ رَجُلٍ مُلْتَحٍ ، إِذِ الشَّأْنُ عَدَمُ التَّلَذُّذِ بِهِ عَادَةً إِذَا كَمَلَتْ لِحْيَتُهُ [4] .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا الْتَقَتْ بَشَرَتَا رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ تُشْتَهَى ، انْتَقَضَ وُضُوءُ اللاَّمِسِ مِنْهُمَا ، سَوَاءٌ كَانَ اللاَّمِسُ الرَّجُل أَوِ الْمَرْأَةَ ، وَسَوَاءٌ كَانَ اللَّمْسُ بِشَهْوَةٍ أَمْ لاَ ، تَعْقُبُهُ لَذَّةٌ أَمْ لاَ ، وَسَوَاءٌ قَصَدَ ذَلِكَ أَمْ حَصَل سَهْوًا أَوِ اتِّفَاقًا ، وَسَوَاءٌ اسْتَدَامَ اللَّمْسَ أَمْ فَارَقَ بِمُجَرَّدِ الْتِقَاءِ الْبَشَرَتَيْنِ ، وَسَوَاءٌ لَمَسَ بِعُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ أَوْ بِغَيْرِهِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَلْمُوسُ أَوِ الْمَلْمُوسُ بِهِ صَحِيحًا أَوْ أَشَل ، زَائِدًا أَوْ أَصْلِيًّا ، فَكُل ذَلِكَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ ، وَهَل يَنْقُضُ وُضُوءَ الْمَلْمُوسِ ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ مَشْهُورَانِ ، وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمْ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ مَبْنِيَّانِ عَلَى الْقِرَاءَتَيْنِ ، فَمَنْ قَرَأَ ( لَمَسْتُمْ ) لَمْ يُنْقَضِ الْمَلْمُوسُ لأَِنَّهُ لَمْ يَلْمِسْ ، وَمَنْ قَرَأَ ( لاَمَسْتُمْ ) نَقَضَهُ لأَِنَّهَا مُفَاعَلَةٌ ، وَاخْتُلِفَ فِي الأَْصَحِّ مِنَ الْقَوْلَيْنِ فَصَحَّحَ الرُّويَانِيُّ - وَالشَّاشِيُّ عَدَمَ الاِنْتِقَاضِ ، وَصَحَّحَ الأَْكْثَرُونَ الاِنْتِقَاضَ [5] .

وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ أَنَّ لَمْسَ النِّسَاءِ لِشَهْوَةٍ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَلاَ يَنْقُضُهُ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ ، وَهَذَا قَوْل عَلْقَمَةَ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَالنَّخَعِيِّ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ وَالثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ وَالشَّعْبِيِّ [6] .

وَلاَ يَنْقُضُ مَسُّ الرَّجُل الطِّفْلَةَ وَلاَ الْمَرْأَةِ الطِّفْل ، أَيْ مَنْ دُونَ سَبْعٍ [7] .

وَلاَ يَخْتَصُّ اللَّمْسُ النَّاقِضُ بِالْيَدِ بَل أَيُّ شَيْءٍ مِنْهُ لاَقَى شَيْئًا مِنْ بَشَرَتِهَا مَعَ الشَّهْوَةِ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ عُضْوًا أَصْلِيًّا أَوْ زَائِدًا .

وَلاَ يَنْقُضُ مَسُّ شَعَرِ الْمَرْأَةِ وَلاَ ظُفُرُهَا وَلاَ سِنُّهَا وَلاَ يَنْقُضُ لَمْسُهَا لِشَعَرِهِ وَلاَ سِنِّهِ وَلاَ ظُفُرِهِ [8] .

قلت: وربما استدل البعض بحديث عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ نَبِىُّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُقَبِّلُنِى إِذَا خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ وَمَا يَتَوَضَّأُ.

وظن أنه نصٌّ في محل النزاع ، فيقال له ما يلي:

أولا- لم يثبت من وجه صحيح سليم من العلل ، وقد ذكره الدارقطني في سننه (495- 521) وذكر جميع طرقه المرفوعة وردها ، وبين عللها جميعًا .

ثانيا- لو صح لما كان فيه حجة ،لأنه يحتمل هل قبَّلها بشهوة أم لا ، وهل النبي - صلى الله عليه وسلم - مثلنا في هذا الأمر أم لا ؟

ثالثا- المشهور أنه قد ورد في الصوم ، كما في مسند أحمد (26347) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنِى أَبِى حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى قَالَ أَخْبَرْتِنِى عَائِشَةُ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُقَبِّلُ بَعْضَ نِسَائِهِ وَهُوَ صَائِمٌ. ( وهو صحيح على شرطهما)

وفي صحيح البخاري ( 1927 ) ومسلم (2635) عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ كَانَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ ، وَهُوَ صَائِمٌ ، وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ

وفي صحيح مسلم (2635 ) عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ انْطَلَقْتُ أَنَا وَمَسْرُوقٌ إِلَى عَائِشَةَ - رضى الله عنها - فَقُلْنَا لَهَا أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ قَالَتْ نَعَمْ وَلَكِنَّهُ كَانَ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ أَوْ مِنْ أَمْلَكِكُمْ لإِرْبِهِ.

ومن ثم نقول: إن المسالة محتملة لكل ما قاله الفقهاء ، وأي قول منها صواب ، ولا نستطيع تخطئة واحد منهم .

أمثلة من السنَّة، كما في صحيحي البخارى (946) ومسلم (4701 ) عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ: « لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلاَّ فِى بَنِى قُرَيْظَةَ » . فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمُ الْعَصْرَ فِى الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لاَ نُصَلِّى حَتَّى نَأْتِيَهَا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ نُصَلِّى لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ . فَذُكِرَ لِلنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ .

فقد انقسم الصحابة إلى قسمين في فهم هذا الحديث - وهم الذين عاصروا التنزيل- وكلاهما عمل باجتهاده ، فقسم صلاها قبل مغيب الشمس استنادا لفحوى النص ، والقسم الآخر صلاهما بعد وصوله لبني قريظة ، بعد مغيب الشمس استنادا لظاهر النص، ولما ذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - َلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ ، أي أنَ كلا منهما كان اجتهاده صحيحًا ، وصوابًا ،بدليل أنه لم ينكر على أي الفريقين .

وقد أثنى - صلى الله عليه وسلم - في مواقف أخرى على أحد الفريقين ، ففي مصنف ابن أبي شيبة (ج 12 / ص 357) (33708) حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ عُيُونًا لِمُسَيْلِمَةَ أَخَذُوا رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَأَتَوْهُ بِهِمَا ، فَقَالَ لأَحَدِهِمَا: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ ، فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ ، قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ ؟ قَالَ: فَأَهْوَى إلَى أُذُنَيْهِ ، فَقَالَ: إنِّي أَصَمُّ ، قَالَ: مَا لَكَ إذَا قُلْتُ لَكَ: تَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ , قُلْتُ إنِّي أَصَمُ , فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ ، وَقَالَ لِلآخَرِ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ، قَالَ: نَعَمْ ، فَقَالَ: أَتَشَهَّدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ ، قَالَ: نَعَمْ , فَأَرْسَلَهُ , فَأَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ: هَلَكْت ، قَالَ: وَمَا شَأْنُك فَأَخْبَرُوهُ بِقِصَّتِهِ وَقِصَّةِ صَاحِبِهِ ، فَقَالَ: أَمَّا صَاحِبُك فَمَضَى عَلَى إيمَانِهِ , وَأَمَّا أَنْتَ فَأَخَذْتَ بِالرُّخْصَةِ. ( وهو صحيح مرسل)

فبين أن الأول أخذ بالعزيمة ، والثاني بالرخصة ، وفرقُ كبير بين المرتبتين.

وفي سنن ابن ماجه (234 ) والطيالسي (2365) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الْمَسْجِدَ وَقَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَقَوْمٌ يَتَذَاكَرُونَ الْفِقْهَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: كِلاَ الْمَجْلِسَيْنِ إِلَى خَيْرٍ ، أَمَّا الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَيَسْأَلُونَ رَبَّهُمْ فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ ، وَهَؤُلاَءِ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ وَيَتَعَلَّمُونَ ، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا ، وَهَذَا أَفْضَلُ فَقَعَدَ مَعَهُمْ.""

وفي مسند البزار (2458) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، أَنّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ بِمَجْلِسَيْنِ فِي مَسْجِدِهِ ، وَأَحَدُ الْمَجْلِسَيْنِ يَدْعُونَ اللَّهَ وَيَرْغَبُونَ إِلَيْهِ وَالآخَرُ يَتَعَلَّمُونَ الْفِقْهَ وَيُعَلِّمُونَهُ ، فَقَالَ: كِلا الْمَجْلِسَيْنِ عَلَى خَيْرٍ وَأَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ ، أَمَّا هَؤُلاءِ فَيَدْعُونَ اللَّهَ وَيَرْغَبُونَ ، إِلَيْهِ فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ ، وَأَمَّا هَؤُلاءِ فَيَعْلَمُونَ الْعِلْمَ وَيُعَلِّمُونَ الْجَاهِلَ ، فَهُمْ أَفْضَلُ وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا ثُمَّ جَلَسَ مَعَهُمْ. ( وهو حسن لغيره)

فهنا تكلَّم المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بحق المجلسين ، وبين الأفضل منهما .

وهكذا كثير من الأوامر والنواهي ، فمن حمل الأمر على الوجوب ، لا ينافي من حمله على الاستحباب، ومن حمل النهي على التحريم لا ينافي من حمله على الكراهة ، ولاسيما إذا لم يكن ثمة دليل قويٌّ يرجِّح أحد الاحتمالين.

مثال على الأمر:

ففي صحيح مسلم (4063 ) عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ. [9] وهناك أحاديث كثيرة متعارضة في هذا الموضوع

فقد اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الثَّمَرَة إِذَا بِيعَتْ بَعْد بُدُوّ الصَّلَاح ، وَسَلَّمَهَا الْبَائِع إِلَى الْمُشْتَرِي بِالتَّخْلِيَةِ بَيْنه وَبَيْنهَا ، ثُمَّ تَلِفَتْ قَبْل أَوَان الْجُذَاذ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّة ، هَلْ تَكُون مِنْ ضَمَان الْبَائِع أَوْ الْمُشْتَرِي ؟

فَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي أَصَحّ قَوْلَيْهِ ، وَأَبُو حَنِيفَة وَاللَّيْث بْن سَعْد وَآخَرُونَ: هِيَ فِي ضَمَان الْمُشْتَرِي ، وَلَا يَجِب وَضْع الْجَائِحَة ، لَكِنْ يُسْتَحَبّ .أي أنهم حملوا الأمر على الاستحباب .

وَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم وَطَائِفَة: هِيَ فِي ضَمَان الْبَائِع ، وَيَجِب وَضْع الْجَائِحَة ، واحتجوا بما في صحيح مسلم (4062 ) عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « إِنْ لَمْ يُثْمِرْهَا اللَّهُ فَبِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ ؟» .

وَقَالَ مَالِك: إِنْ كَانَتْ دُون الثُّلُث لَمْ يَجِب وَضْعهَا ، وَإِنْ كَانَت الثُّلُث فَأَكْثَر وَجَبَ وَضْعهَا وَكَانَتْ مِنْ ضَمَان الْبَائِع ، واحتج بالجمع بين الروايات ، وبالقياس.

وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِوَضْعِهَا بِقَوْلِ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ ، وبما في صحيح مسلم (4058 ) عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلاَ يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ » . وَلِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْبَاقِيَة فِي يَد الْبَائِع مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَلْزَمهُ سَقْيهَا ، فَكَأَنَّهَا تَلِفَتْ قَبْل الْقَبْض فَكَانَتْ مِنْ ضَمَان الْبَائِع .

وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ لَا يَجِب وَضْعهَا بما في صحيح مسلم (4064) عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِى ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ » . فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِغُرَمَائِهِ: « خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلاَّ ذَلِكَ » . فَأَمَرَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - بِالصَّدَقَةِ عَلَيْهِ ، وَدَفَعَهُ إِلَى غُرَمَائِهِ ؛ فَلَوْ كَانَتْ تُوضَع لَمْ يُفْتَقَر إِلَى ذَلِكَ . وَحَمَلُوا الْأَمْر بِوَضْعِ الْجَوَائِح عَلَى الِاسْتِحْبَاب" [10] "

والصواب أن الكلَ مصيبٌ ، لأنه لا يوجد دليل قاطع يفصِّل في هذه المسألة.

مثال على النهي:

ففي صحيح البخارى (1962) عنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الْوِصَالِ . قَالُوا إِنَّكَ تُوَاصِلُ . قَالَ « إِنِّى لَسْتُ مِثْلَكُمْ ، إِنِّى أُطْعَمُ وَأُسْقَى » .

اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْوِصَال فِي الصَّوْمِ:

فَذَهَبَ جُمْهُورُهُمْ ( الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ ) إِلَى أَنَّ الْوِصَال فِي الصَّوْمِ مَكْرُوهٌ فِي حَقِّ الأُْمَّةِ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَاصَل فِي رَمَضَانَ ، فَوَاصَل النَّاسُ ، فَنَهَاهُمْ . قِيل لَهُ: أَنْتَ تُوَاصِل ، قَال: إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ ، إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى ، وَلأَِنَّ النَّهْيَ وَقَعَ رِفْقًا وَرَحْمَةً ؛ وَلِهَذَا وَاصَل رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَوَاصَلُوا بَعْدَهُ [11] .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ إِلَى أَنَّ الْوِصَال حَرَامٌ عَلَى الأُْمَّةِ - نَفْلًا كَانَ الصَّوْمُ أَوْ فَرْضًا - مُبَاحٌ لَهُ - صلى الله عليه وسلم - ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم -"نَهَى عَنِ الْوِصَال [12] أَيْ نَهْيَ تَحْرِيمٍ فِي الأَْصَحِّ".

فحديث النهى عن الوصال ، يحتمل التحريم ، ويحتمل الكراهة ، ولا نستطيع القطع بواحد منهما ، فالصواب أن كلا الاحتمالين صحيح .

مثال آخر: كما في صحيح البخارى (2159 ) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ . وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ .

حُكْمُ بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي [13] :

ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ مُحَرَّمٌ مَعَ صِحَّتِهِ ، وَصَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ [14] وَعَبَّرَ عَنْهُ بَعْضُهُمْ بِالْكَرَاهَةِ ، وَهِيَ لِلتَّحْرِيمِ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ . كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ ، لَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ صَحِيحٌ عِنْدَ جُمْهُورِهِمْ ، كَمَا هُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ .

وَالنَّهْيُ عَنْهُ لاَ يَسْتَلْزِمُ الْفَسَادَ وَالْبُطْلاَنَ ، لأَِنَّهُ لاَ يَرْجِعُ إِلَى ذَاتِ الْبَيْعِ ، لأَِنَّهُ لَمْ يَفْقِدْ رُكْنًا ، وَلاَ إِلَى لاَزِمِهِ ، لأَِنَّهُ لَمْ يَفْقِدْ شَرْطًا ، بَل هُوَ رَاجِعٌ لأَِمْرٍ خَارِجٍ غَيْرِ لاَزِمٍ ، كَالتَّضْيِيقِ وَالإِْيذَاءِ [15] .

قَال الْمَحَلِّيُّ: وَالنَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ: فَيَأْثَمُ بِارْتِكَابِهِ الْعَالِمُ بِهِ ، وَيَصِحُّ الْبَيْعُ [16] .

وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ وَلاَ كَرَاهَةَ فِيهِ ، وَأَنَّ النَّهْيَ اخْتُصَّ بِأَوَّل الإِْسْلاَمِ لِمَا كَانَ عَلَيْهِمْ مِنَ الضِّيقِ ، قَال أَحْمَدُ: كَانَ ذَلِكَ مَرَّةً [17] .

مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ ، وَالأَْظْهَرُ عِنْدَهُمْ ، أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ حَرَامٌ ، وَهُوَ بَاطِلٌ أَيْضًا وَفَاسِدٌ ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْخِرَقِيُّ ، لأَِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ [18]

وَكَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْبُهُوتِيُّ بِقَوْلِهِ: فَيَحْرُمُ ، وَلاَ يَصِحُّ لِبَقَاءِ النَّهْيِ عَنْهُ [19] .

وَقَال أَحْمَدُ لَمَّا سُئِل عَنْ هَذَا الْبَيْعِ: أَكْرَهُ ذَلِكَ ، وَأَرُدُّ الْبَيْعَ فِي ذَلِكَ [20] "."

فهنا نلاحظ اختلافهم حول هذه القاعدة: هل النهي يقتضي الفساد والبطلان أم لا ؟ فلا نستطيع الجزم بواحد منهما ؛لأن الأدلة محتملة ، فالكلُّ - فيما أرى- صوابٌ .

ثانيا- ما وردت فيه روايات صحيحة متعددة مرادة من الشارع، مراعاة لأحوال المكلفين ، لرفع الحرج عنهم ، فيما لو أخذوا بهذا أو ذاك.

أمثلة على ذلك:

الأول- في قراءة القرآن ، ففي صحيح البخارى (2410 ) عن عَبْد اللَّهِ قالَ:سَمِعْتُ رَجُلًا قَرَأَ آيَةً سَمِعْتُ مِنَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - خِلاَفَهَا ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ ، فَأَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ « كِلاَكُمَا مُحْسِنٌ » . قَالَ شُعْبَةُ أَظُنُّهُ قَالَ « لاَ تَخْتَلِفُوا فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا » .

(1) - انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 677)

(2) - الفتاوى الهندية 1 / 13 ، والمغني مع الشرح الكبير 1 / 187 .

(3) - بدائع الصنائع 1 / 147 ط . الإمام ، والفتاوى الهندية 1 / 13 ، والمبسوط 1 / 68 .

(4) - حاشية الدسوقي 1 / 119 .

(5) - المجموع 2 / 26 نشر المكتبة العلمية .

(6) - المغني مع الشرح الكبير 1 / 186 - 187 .

(7) - كشاف القناع 1 / 129 .

(8) - المغني مع الشرح الكبير 1 / 190 وانظر الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 35 / ص 331)

(9) - الجوائح: جمع الجائحة وهى الآفة التى تهلك الثمار والأموال

(10) - انظر شرح النووي على مسلم - (ج 5 / ص 399)

(11) - الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 1 / 201 ، وَجَوَاهِر الإِْكْلِيل 1 / 274 ، وَشَرْح الْخَرَشِيّ وَحَاشِيَة الْعَدَوِيّ 3 / 163 ، وَالشَّرْح الْكَبِير وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 2 / 213 ، وَالْمَجْمُوعِ شَرْح الْمُهَذَّب 6 / 356 - 359 ، وَدَلِيل الْفَالِحِينَ لِطُرُقِ رِيَاض الصَّالِحِينَ 4 / 586 - 587 ، والقليوبي عَلَى الْمَحَلِّيِّ 2 / 61 ، وَأَسْنَى الْمَطَالِب ، وَحَاشِيَة الرَّمْلِيّ 1 / 419 ، 3 / 101 ، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 1 / 434 ، وَكَشَّاف الْقِنَاع ( 2 / 332 ، 2 / 342 ) ، وَمُطَالَب أُولِي النُّهَى 2 / 221 .

(12) - انظر الفتح ،الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 43 / ص 161)

(13) - الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 9 / ص 84)

(14) - حاشية الشلبي على تبيين الحقائق 4 / 68 ، والدر المختار 4 / 132 ، والهداية بشروحها 6 / 108

(15) - شرح المحلي على المنهاج وحاشية القليوبي عليه 2 / 182 وقارن بالمغني 4 / 280

(16) - المرجع السابق

(17) - المغني 4 / 280 ، والإنصاف 4 / 333

(18) - المغني 4 / 280

(19) - كشاف القناع 3 / 18 ، والشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي عليه 3 / 69

(20) - المغني 4 / 280

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت