فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 164

المبحث الثامن عشر- هل يجوز خلو العصر عن مجتهد يمكن تفويض الفتاوى إليه ؟[1]

الاجتهاد قسمان: عام وخاص.

فالعام: بذل الجهد في تطبيق أحكام الشريعة في حياتنا العملية، وهذا يكون من المجتهد ويكون من المقلد، وقد اتفقوا على أنه لا يخلو منه زمان.

والخاص: بذل الجهد في استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة، وهذا وظيفة المجتهد المطلق، وهو محل النِّزاع، فاختلف فيه العلماء: هل يخلو العصر منه أم لا ؟ على مذهبين:

المذهب الأول: أنه يجوز خلوُّ العصر عن مجتهد يمكن تفويض الفتاوى إليه، وإليه ذهب الغزالي والرازي والزركشي والرافعي وغيرهم.

المذهب الثاني: أنه لا يجوز خلو الزمان عن مجتهد يمكن تفويض الفتاوى إليه، وإليه ذهب الحنابلة وغيرهم.

الأدلة والمناقشة:

استدل أهل المذهب الأول القائلون بجواز خلو العصر عن المجتهد بأدلة شرعية ودليل عقلي:

أما الأدلة الشرعية فهي:

الأول: قوله -عليه الصلاة والسلام-: « بَدَأَ الإِسْلاَمُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ » . [2] .

ووجه الاستدلال: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر أن الإسلام سيعود غريبًا، وهذا يدلُّ على أنه يأتي زمان يخلو فيه عن مجتهد يمكن تفويض الفتاوى إليه.

وناقش أهلُ المذهب الثاني الدليلَ: بأن الغربة لا تدلُّ على عدم وجود من يدافع عن الحق ممن تقوم بهم الحجة، من المجتهد الذي يرجع إليه الناس في فتاويهم، بل ربما أشعرت بوجوده، بدليل قوله آخر الحديث:"قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنِ الْغُرَبَاءُ قَالَ:« الَّذِينَ يُصْلِحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ" [3] .

الثاني: قوله - صلى الله عليه وسلم -: « إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا ، يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا ، اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا ، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا » [4] .

ووجه الدلالة: أن الحديث دلَّ على أنه يكون زمان لا عالم فيه يفتِي بعلم، ولازمُ هذا أن يكون زمان لا مجتهد فيه؛ لأن العلم أعمَّ من الاجتهاد، والاجتهاد أخصّ من العلم، فإذا انتفى الأعم انتفى الأخص ضرورة.

ونوقش هذا الدليل: بأن الحديث محمول على أن ذلك يحصل بعد إرسال الريح اللينة التي يقبض عندها روح كل مؤمن ومؤمنة، جمعًا بين الأدلة.

قلت: لكن هذا الحمل لا دليل عليه ، فكيف عرفوا أنه بعد إرسال الريح ؟

والريح عندما تأتي تقبض روح كل مؤمن ، والمعني بالحديث الأمة المسلمة ليس غيرها من الأمم الأخرى ، فيبقى هذا الدليل صحيحًا، والاعتراض عليه ضعيف لا يلتفت إليه .

الثالث: قوله - صلى الله عليه وسلم - - « إِنِّي امْرُؤٌ مَقْبُوضٌ فَتَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَعَلِّمُوهُ النَّاسَ وَتَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهُ النَّاسَ وَتَعَلَّمُوا الْعِلْمَ وَعَلِّمُوهُ النَّاسَ فَإِنِّي مَقْبُوضٌ وَإِنَّهُ سَيُنْقَصُ الْعِلْمُ وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ حَتَّى يَخْتَلِفَ الاِثْنَانِ فِي الْفَرِيضَةِ فَلاَ يَجِدَانِ مَن يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا." [5] ."

ووجه الاستدلال: أن الحديث دلَّ على أنه يكون زمان لا يجد الاثنان من يفصل بينهما في الفريضة، ولازم هذا خلوُّ الزمان عن مجتهد يمكن تفويض الفتاوى إليه.

ونوقش هذا الدليل: بأن الحديث غير صحيح.

قلت: لكن له شواهد وطرق تقويه ، فيصلح للحجية .

الرابع: قوله - - صلى الله عليه وسلم -:" « لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَن كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ » [6] ."

ووجه الدلالة: أن الحديث يدلُّ على أن هذه الأمة تتبع سَنن من كان قبلها، ويلزم من هذا خلوُّ العصر عن مجتهد يمكن تفويض الفتاوى إليه.

ونوقش هذا الدليل: بأن الحديث لا يفيد أن الأمة كلها تتبع سنن من كان قبلها، وإنما المراد: الأغلب،"ويعارضه حديث الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « لاَ يَزَالُ طَائِفَةٌ مِن أُمَّتِى ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ » [7] "

وحديث ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِن أُمَّتِى ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لاَ يَضُرُّهُمْ مَن خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِىَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ » . وَلَيْسَ فِى حَدِيثِ قُتَيْبَةَ « وَهُمْ كَذَلِكَ » [8] .

على أن من كان قبلنا قد بقيت منهم بقية على الدين الصحيح، حتى آمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - كعبد الله بن سلام وغيره.

الخامس: عَن قَيْسٍ أَنَّهُ سَمِعَ مِرْدَاسًا الأَسْلَمِىَّ يَقُولُ - وَكَانَ مِن أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ - يُقْبَضُ الصَّالِحُونَ الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ ، وَتَبْقَى حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ ، لاَ يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِمْ شَيْئًا [9] .

وعَن أَبِي حُمَيْدٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: لَتُنْتَقَيَنَّ كَمَا يُنْتَقَى التَّمْرُ مِنَ الْجَفْنَةِ ، فَلْيَذْهَبَنَّ خِيَارُكُمْ ، وَلَيَبْقَيَنَّ شِرَارُكُمْ ، حَتَّى لاَ يَبْقَى إِلاَّ مَن لاَ يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِمْ ، فَمُوتُوا إِنِ اسْتَطَعْتُمْ" [10] ."

وعَن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: خَيْرُ قَرْنٍ الْقَرْنُ الَّذِي أَنَا فِيهِ ، ثُمَّ الثَّانِي ، ثُمَّ الثَّالِثُ ، ثُمَّ الرَّابِعُ ، لا يَعْبَأُ اللهُ بِهِمْ شَيْئًا" [11] "

ووجه الاستدلال: أن النبي -عليه السلام- أخبر أنه يكون بعد القرون المفضلة، حثالة كحثالة التمر، ولازم هذا خلو العصر عن مجتهد يمكن تفويض الفتاوى إليه.

وأجيب عن هذا الدليل بجوابين:

أحدهما: أن قوله: ثم تبقى حثالة كحثالة التمر. لم تصحّ.

الثاني: على تقدير صحة هذه الجملة، فإنه يُحْمل على ما بعد الريح اللينة، وقبض أرواح المؤمنين، جمعًا بين الأدلة.

قلت: هذه الزيادة وردت بأحاديث صحيحة ، فلا يجوز ردُّها ،وأمَّا حملُ الحديث على ما بعد الريح اللينة فلا دليل عليه بتاتًا ، وظاهرُ هذه الأحاديث يردُّ هذا الاحتمال البعيد جدًّا .

وأما الدليل العقلي: فهو: أنه لو امتنع خلو الزمان عن مجتهد يمكن تفويض الفتاوى إليه لامتنع إمَّا لذاته، وإمَّا لأمر خارج عنه، وامتناعه لذاته محال، فإنه لو فرض وقوعه لم يلزم عنه لذاته محال عقلا، وأما امتناعه لأمر خارج فالأصل عدمه، وعلى مدعيه البيان.

ونوقش هذا الدليل: بأن هذا الاستدلال غير صحيح؛ لأنه استدلال على إثبات الإمكان الخارجي بمجرد الإمكان الذهني، وهو غير كافٍ في ذلك؛ لأن الإمكان الخارجي إنما يثبت بالعلم بعدم الامتناع، والإمكان الذهني عبارة عن عدم العلم بالامتناع، وعدم العلم بالامتناع لا يستلزم العلم بعدم الامتناع [12] .

استدلَّ أهل المذهب الثاني، القائلون بأنه لا يجوز خلوُّ الزمان عن مجتهد، يمكن تفويض الفتاوى إليه بثلاثة أدلة شرعية ودليلين عقليين:

أما الأدلة الشرعية فهي:

الأول: عَن ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِن أُمَّتِى ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ ،لاَ يَضُرُّهُمْ مَن خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِىَ أَمْرُ اللَّهِ ، وَهُمْ كَذَلِكَ » [13] .

وعَن أَبِي هُرَيْرَةَ , عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"لَا يَزَالُ مِن هَذِهِ الْأُمَّةِ عِصَابَةٌ عَلَى الْحَقِّ , لَا يَضُرُّهُمُ خِلَافُ مَن خَالَفَهُمْ , حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ" [14]

ووجه الاستدلال: أن ظهور طائفة على الحق في زمان ما، يلزم منه وجود الاجتهاد فيه؛ لأن القيام بالحق لا يمكن إلا به، وقد أخبر -عليه الصلاة والسلام- أنه لا يخلو عصر من قائم على الحق، فيكون هذا إخبارًا بعدم خلو عصر عن مجتهد.

الثاني: قوله -عليه الصلاة والسلام-:"واشوقاه إلى إخواني، قالوا يا رسول الله، ألسنا إخوانك؟ فقال: أنتم أصحابي، وإخواني قوم يأتون بعدي، يهربون بدينهم من شاهق إلى شاهق، ويصلحون إذا فسد الناس".

ووجه الدلالة: أن النبي -عليه السلام- أخبر بأنه يوجد إخوان له يصلحون عند فساد الناس، والصلاح إنما يكون بالعلم والاجتهاد، وهذا يلزم منه عدم خلو عصر من مجتهد، وإلا لصار الناس كلهم جهَّالا وفسدوا.

قلت: هذا الحديث بهذا اللفظ لا أصل له ، والذي ورد عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « وَدِدْتُ أَنِّى لَقِيتُ إِخْوَانِى » . قَالَ فَقَالَ أَصْحَابُ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - أَوَلَيْسَ نَحْنُ إِخْوَانَكَ قَالَ « أَنْتُمْ أَصْحَابِى وَلَكِنْ إِخْوَانِى الَّذِينَ آمَنُوا بِى وَلَمْ يَرَوْنِى » [15] . وليس فيه شيء مما زعموا .

الثالث: عَن كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِى الدَّرْدَاءِ فِى مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ إِنِّى جِئْتُكَ مِن مَدِينَةِ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - لِحَدِيثٍ بَلَغَنِى أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ عَن رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَا جِئْتُ لِحَاجَةٍ. قَالَ فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « مَن سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِن طُرُقِ الْجَنَّةِ وَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَن فِى السَّمَوَاتِ وَمَن فِى الأَرْضِ وَالْحِيتَانُ فِى جَوْفِ الْمَاءِ وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَن أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ » [16] ..

ووجه الدلالة: أن أحقَّ الأمم بإرث العلم: هذه الأمة، وأحق الأنبياء بإرث العلم عنه: نبيُّ هذه الأمة، وهذا دليل على أنه لا يخلو عصر عن مجتهد.

وعندي: أن هذا الدليل لا يدلُّ على المطلوب؛ إذ قد يورث العلم ولا يوجد الاجتهاد؛ لأن العلم أعمُّ من الاجتهاد، ووراثة الأعمِّ، وهو العلم، لا تستلزم وراثة الأخصّ وهو الاجتهاد، وكذلك حديث انقطاع العلماء أخصُّ فيخصّه.

قال الخطيب البغدادي في الْفَقِيهُ وَالْمُتَفَقِّهُ لِلْخَطِيبِ الْبَغْدَادِي-ذِكْرُ الرِّوَايَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُخَلِّي الْوَقْتَ مِن فَقِيهٍ أَوْ مُتَفَقِّهٍ.

فعَن أَبِي عِنَبَةَ الْخَوْلَانِيِّ , - وَكَانَ مِمَن أَكَلَ الدَّمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ , وَصَلَّى الْقِبْلَتَيْنِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"لَا يَزَالُ اللَّهُ تَعَالَى يَغْرِسُ فِي هَذَا الدِّينِ غَرْسًا , يَسْتَعْمِلُهُمْ فِيهِ بِطَاعَتِهِ - أَوْ - يَسْتَعْمِلُهُمْ بِطَاعَتِهِ" [17]

قلت: وهذا الدليل ليس نصًّا في الموضوع .

وأما الدليلان العقليان:

فالأول: أن الاجتهاد والتفقه في الدين فرض كفاية، إذا تركه الكل أثموا، فلو جاز خلو العصر عن مجتهد يمكن تفويض الفتاوى إليه، لزم منه اجتماع الأمة على الخطأ والضلالة، وهذا باطل ممتنع؛ للأدلة التي تدل على عصمة الأمة فيما أجمعت عليه.

الثاني: أن الاجتهاد طريق لمعرفة الأحكام الشرعية، فلو جاز خلو العصر عن مجتهد يُرجع إليه في معرفة الأحكام، لزم منه تعطيل الشريعة وذهابها واندراس الأحكام، وهذا باطل ممتنع؛ للأدلة الدالة على حفظ الشريعة وبقائها إلى قيام الساعة.

وناقش أهل المذهب الأول - القائلون بأنه يجوز خلو العصر عن المجتهد- الدليلان العقليان، فقالوا:

متى يكون الاجتهاد والتفقه في الدين فرض كفاية، ويلزم من فقده تعطيل الشريعة واندراس الأحكام، هل ذلك إذا أمكن أن يعتمد العوام في عصرهم على الأحكام المنقولة إليهم في العصر الأول عمن سبقهم من المجتهدين ؟ وهذا ممنوع.

أو إذا لم يمكنهم الاعتماد على أحكام المجتهدين السابقين لعصرهم ؟ وهذا مسلَّم، ولكننا لا نسلّم امتناع هذا وعدم إمكانه، بل هو ممكن وغير ممتنع.

وأجاب أهل المذهب الثاني على المناقشة: بأن الوقائع في الوجود لا تنحصر، فلا يصح دخولها تحت الأدلة المنحصرة، فلا بد من فتح باب الاجتهاد؛ للنظر فيما يحدث من الوقائع التي لا تكون منصوصًا عليها، ولا يوجد للأولين فيها اجتهاد، فلو جاز خلو العصر عن مجتهد يمكن تفويض الفتاوى إليه للزم الوقوع - عند حدوث الوقائع المتجددة - في أحد محذورين:

أحدهما: أن يُترك الناس فيها مع أهوائهم، وهذا باطل ممتنع.

الثاني: أن ينظر فيها بغير اجتهاد شرعي، وهذا اتباع للهوى أيضًا، وهو باطل ممتنع، وحينئذ لا بد من أحد أمرين:

1-التوقف لا إلى غاية، وهذا يلزم منه تعطيل التكليف.

2-أو تكليف ما لا يطاق، وهذا باطل.

فظهر أنه لا بد من الاجتهاد في كل زمن، ولا يمكن خلوُّ العصر عن مجتهد تفوَّض إليه الفتاوى؛ لأن الوقائع تتجدد، ولا تختص بزمن دون زمن.

الترجيح: بعد أن سقنا أدلة المذهبين، ومناقشة كلٌّ منهما للآخر، يبدو لي أن الراجح من المذهبين هو: المذهب الثاني، وهو القول بأنه لا يجوز خلو العصر عن مجتهد يمكن تفويض الفتاوى إليه.

وجه ترجيحه:

1-ما سبق من مناقشة أدلة أهل المذهب الأول، وهو القول بجواز خلو العصر عن مجتهد، والإجابة عن مناقشتهم لأدلة أهل المذهب الثاني.

2-أن الله تعالى لو أخلى زمانًا من مجتهد قائم لله بالحجة لزال التكليف؛ إذ التكليف لا يثبت إلا بالحجة الظاهرة، وإذا زال التكليف بطلت الشريعة.

3-أنه لو عدم الفقهاء المجتهدون لم تقم الفرائض كلها، ولو عطّلت الفرائض كلها لحلت النقمة كما في الحديث: « لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ إِلاَّ عَلَى شِرَارِ النَّاسِ » [18] ..

4-ادعاء خلو العصر عن مجتهد يمكن تفويض الفتاوى إليه في الأزمنة المتأخرة، حصر لفضل الله على بعض خلقه، وقصر فهم هذه الشريعة على من تقدم عصره، وهذا -مع أنه لا دليل عليه، بل هو دعوى- فيه جرأة على الله، ثم على شريعته الموضوعة لكل عبادة، ثم على عباده الذين تعبَّدَهم الله بالكتاب والسُّنَّة"."

قلت: بل الصواب من القول أنه لا يوجد في العصور المتأخرة مجتهد مطلق (مستقِلٌّ) ، وإنما الموجود هو المجتهد المقيد بمذهب إمام من الأئمة ، فمن قال بالمنع يقصد المجتهد المطلق المستقل ، ومن أجاز يعني به مجتهد غير مستقل ، فهذا الثاني لم يخلُ منه عصر من العصور , وبالتالي يؤول الرأيان إلى رأي واحد على الراجح .

وهنا أمور لا بد من ملاحظتها:

1-من المتفق عليه أن هذه الأمة معصومة عن إضاعة الحق أو جهل نصٍّ محتاج إليه، بالنسبة لجميع العلماء، أمَّا بالنسبة لبعضهم فقد يخطئ العالم، أو يجهل النص.

فإذا ثبت أن الحقَّ لا يمكن أن يضيع عن عامة الأمة، لزم أن يقوم بهذا الحق قائم واحد على الأقل.

2-أن الخلاف في المسائل الاجتهادية فيه رحمة بالأمة، إذا التزم في هذا الخلاف بالشرع، قال ابن تيمية: « وَالنِّزَاعُ فِي الْأَحْكَامِ قَدْ يَكُونُ رَحْمَةً إذَا لَمْ يُفْضِ إلَى شَرٍّ عَظِيمٍ مِنْ خَفَاءِ الْحُكْمِ ؛ وَلِهَذَا صَنَّفَ رَجُلٌ كِتَابًا سَمَّاهُ"كِتَابُ الِاخْتِلَافِ"فَقَالَ أَحْمَد: سَمِّهِ"كِتَابَ السِّعَةِ"وَإِنَّ الْحَقَّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَاحِدٌ وَقَدْ يَكُونُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِبَعْضِ النَّاسِ خَفَاؤُهُ لِمَا فِي ظُهُورِهِ مِن الشِّدَّةِ عَلَيْهِ وَيَكُونُ مِنْ بَابِ قَوْله تَعَالَى: { لا تَسْأَلُوا عَن أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } [المائدة: 101] » [19] .

3-من الأحكام المترتبة على المسائل الاجتهادية [20] :

أ- أنه لا يجوز الإنكار على المخالف، فضلًا عن تفسيقه أو تأثيمه أو تكفيره.

ب- أن سبيل الإنكار إنما يكون ببيان الحجة وإيضاح المحجَّة.

جـ- أن المجتهد ليس له إلزام الناس باتباع قوله.

د- أن غير المجتهد يجوز له اتباعُ أحد القولين إذا تبينت له صحته، ثم يجوز له تركه إلى القول الآخر اتباعًا للدليل.

ه- لا يصح للمجتهد أن يقطع بصواب قوله وخطأ من خالفه فيما إذا كانت المسألة محتملة.

و- أن الخلاف في المسائل الاجتهادية لا يخرج المختلفين من دائرة الإيمان إذا ردوا ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - .

ز- أن المجتهد يجب عليه اتباع ما أداه إليه اجتهاده، ولا يجوز له ترك ذلك إلا إذا تبين له خطأ ما ذهب إليه أولًا، فيصحُّ أن يرد عن المجتهد قولان متناقضان في وقتين مختلفين لا في وقت واحد.

حـ- أن المجتهد في مسائل الاجتهاد بين الأجر والأجرين، وذلك إذا اتقى الله في اجتهاده.

ط- أن المسائل الاجتهادية ظنية في الغالب، بمعنى أنه لا يقطع فيها بصحة هذا القول أو خطئه، لكن قد توجد مسائل يسوغ فيها الاجتهاد وهي قطعية يقينية، يجزم فيها بالصواب، وذلك أن المجتهد قد يخالف الصواب دون تعمد، إما لتعارض الأدلة أو خفائها، فلا طعن على من خالف في مثل ذلك.

4-إذا علم أن للمسائل الاجتهادية أحكامًا تخصها، لزم التفريق بين المسائل الاجتهادية والمسائل الخلافية.

إذ يجب الإنكار على المخالف في المسائل الخلافية غير الاجتهادية، كمن خالف في قولٍ يخالف سنة ثابتة، أو إجماعًا شائعًا.

وكذلك يجب الإنكار على العمل المخالف للسنَّة أو الإجماع بحسب درجات إنكار المنكر [21] .

5-ما مضى بيانه من الشروط اللازم توفرها في المجتهد، لا تشترط في العمل بالوحي، إذ العمل بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - واجب على جميع المكلفين [22] ، ولا يشترط في ذلك سوى شرط واحد، وهو العلم بحكم ما يُعمل به منهما [23] .

6-من أسباب الخلاف بين العلماء [24] :

أ- ألا يكون الحديث قد بلغ الواحد منهم.

ب- أن يكون الحديث قد بلغه، لكنه لم يثبت عنده.

جـ- أن يكون الحديث قد بلغه وثبت عنده، لكن نسيه.

د- اعتقاده ألا دلالة في الآية أو الحديث.

ه- اعتقاده أن دلالة النص صحيحة، لكنه يعتقد أن تلك الدلالة قد عارضها ما يدل على ضعف النص أو نسخه أو تأويله.

7-من الأعذار التي تُلتمس للعلماء في اختلافاتهم:

أ- أنهم ليسوا معصومين، بل إن تطرق الخطأ لرأي العالم أكثر من تطرقه إلى الأدلة الشرعية؛ إذ كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [25] .

ب- تفاوت المدارك والأفهام، فإن إدراك الكلام وفهم وجوهه بحسب منح الله سبحانه ومواهبه [26] .

جـ- أن الإحاطة بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم تكن لأحد من هذه الأمة [27] .

د- أن ترك السنة ومخالفها لا يثبت عن أحد من العلماء إلا بسبب ولعذر، لما علم من عدالتهم وإمامتهم، وأنهم متفقون على وجوب اتباع السنَّة [28] .

ه- حصول بعض الانحرافات في نسبة المذاهب إلى أهلها. فمن ذلك: أن يكون هذا القول لم يقله الإمام وإنما هو قول لبعض المتأخرين من أتباعه، أو قاله الإمام وغلط بعض أصحابه فيه، أو قاله الإمام فزيد عليه أو أن يفهم من كلامه ما لم يرده، أو يجعل كلامه عامًا أو مطلقًا وليس كذلك، أو أن يكون عنه في المسألة اختلاف فيتمسكون بالقول المرجوح، أو أنه لم يقل مع كون لفظه محتملًا لما نُقل عنه، أو أنه قد قال وأخطأ [29] .

وفي مجمع الفقه الإسلامي [30] ،اتفقوا على أن باب الاجتهاد [31] مفتوح أمام من تتوافر فيه شروطه، وإنما تقاصرت الهمم عن تحصيل درجة الاجتهاد، وهي التضلع في علوم القرآن، والسُّنَّة المطهرة، وأصول الفقه، وأحوال الزمن، ومقاصد الشريعة، وقواعد الترجيح، عند تعارض الأدلة، مع عدالة المجتهد، وتقواه، والثقة بدينه.

وينقسم الاجتهاد أربعة أقسام: القسم الأول: المجتهد المطلق. كالأئمة المقتدى بهم. القسم الثاني: المجتهد في المذهب، وله أربع أحوال ذكرها الأصوليون. القسم الثالث: مجتهد الترجيح. القسم الرابع: المجتهد في فن، أو في مسألة، أو مسائل، وهو جائز- بناء على أن الاجتهاد يتجزأ - وهو المختار.

لذلك كله قرر المجلس بالإجماع:

(1) - انظر التقليد والإفتاء والاستفتاء - (ج 1 / ص 30)

(2) - صحيح مسلم (389 )

(3) - مسند أحمد (17145) حسن لغيره

(4) - صحيح البخارى (100 ) ومسلم (6971)

(5) - مسند الطيالسي (403) و سنن الدارقطنى (4148 ) وفتح الباري 5/12 وخلاصة البدر المنير - (ج 2 / ص 128) (1726) حسن لغيره

(6) - صحيح البخارى (7320 )

(7) - صحيح البخارى (7311 )

(8) - صحيح مسلم (5059 )

(9) - صحيح البخارى (4156 ) -الحفالة: الردىء

(10) - المستدرك للحاكم (8339) صحيح

(11) - المعجم الصغير للطبراني (352) حسن لغيره

(12) - مجموع الفتاوى - (ج 3 / ص 298) والتقليد والإفتاء والاستفتاء - (ج 1 / ص 31)

(13) - . صحيح مسلم (5059 )

(14) - مسند أحمد (8497) صحيح

(15) - مسند أحمد (12915) حسن لغيره

(16) - سنن أبى داود (3643 ) صحيح

(17) - سنن ابن ماجه (8 ) صحيح

(18) - صحيح مسلم (7590 )

(19) - مجموع الفتاوى - (ج 14 / ص 159)

(20) - انظر:"مجموع الفتاوى" (20/207، و30/79، 80، و35/232، 233، 212، 213، و29/43، 44) ، و"إعلام الموقعين" (1/49،و3/288، 289) ، و"شرح الكوكب المنير" (4/492) .

(21) - انظر:"إعلام الموقعين" (3/288، 289) .

(22) - وهذا ما يسمى بالاتباع

(23) - انظر:"أضواء البيان" (7/477 - 479) .

(24) - انظر:"الرسالة" (330) ، و"مجموع الفتاوى" (20/233 - 250) ، و"الصواعق المرسلة" (2/520 - 603) .

(25) - انظر:"جامع بيان العلم وفضله" (2/91) ، و"مجموع الفتاوى" (20/211، 250، 256، 293، 211) .

(26) - انظر:"مجموع الفتاوى" (20/245) .

(27) - انظر المصدر السابق (20/233، 238) .

(28) - انظر المصدر السابق (20/232، 256) .

(29) - انظر:"مجموع الفتاوى" (20/184 - 187) ، و"أضواء البيان" (7/576، 580) .

(30) - فتاوى واستشارات الإسلام اليوم - (ج 17 / ص 158) رقم القرار: 3 ومجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن رابطة العالم الإسلامي 15/10/1425

(31) - يعني غير المطلق ، والمقصود به المقيَّد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت