فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 164

المبحث الخامس -تَعَيُّنُ الْفَتْوَى :

مَنْ سُئِل عَنِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ مِنَ الْمُتَأَهِّلِينَ لِلْفَتْوَى يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْجَوَابُ ، بِشُرُوطٍ:

الأَْوَّل: أَنْ لاَ يُوجَدَ فِي النَّاحِيَةِ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَتَمَكَّنُ مِنَ الإِْجَابَةِ ، فَإِنْ وُجِدَ عَالِمٌ آخَرُ يُمْكِنُهُ الإِْفْتَاءُ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَى الأَْوَّل ، [1] بَل لَهُ أَنْ يُحِيل عَلَى الثَّانِي ، قَال عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى: أَدْرَكْتُ عِشْرِينَ وَمِائَةً مِنَ الأَْنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُسْأَل أَحَدُهُمْ عَنِ الْمَسْأَلَةِ ، فَيَرُدُّهَا هَذَا إِلَى هَذَا ، وَهَذَا إِلَى هَذَا ، حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى الأَْوَّل: وَقِيل: إِذَا لَمْ يَحْضُرْ الاِسْتِفْتَاءَ غَيْرُهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْجَوَابُ . [2]

الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَسْئُول عَالِمًا بِالْحُكْمِ بِالْفِعْل ، أَوْ بِالْقُوَّةِ الْقَرِيبَةِ مِنَ الْفِعْل ، وَإِلاَّ لَمْ يَلْزَمْ تَكْلِيفُهُ بِالْجَوَابِ ، لِمَا عَلَيْهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ فِي تَحْصِيلِهِ .

الثَّالِثُ: أَنْ لاَ يَمْنَعَ مِنْ وُجُوبِ الْجَوَابِ مَانِعٌ ، كَأَنْ تَكُونَ الْمَسْأَلَةُ عَنْ أَمْرٍ غَيْرِ وَاقِعٍ ، أَوْ عَنْ أَمْرٍ لاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ لِلسَّائِل ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ [3] .

المبحث السادس - مَنْزِلَةُ الْفَتْوَى:

تَتَبَيَّنُ مَنْزِلَةُ الْفَتْوَى فِي الشَّرِيعَةِ مِنْ عِدَّةِ أَوْجُهٍ ، مِنْهَا:

أ - أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَفْتَى عِبَادَهُ ، وَقَال تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا} (127) سورة النساء ، وَقَال: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (176) سورة النساء ,

ب - أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَتَوَلَّى هَذَا الْمَنْصِبَ فِي حَيَاتِهِ ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ مُقْتَضَى رِسَالَتِهِ ، وَقَدْ كَلَّفَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ حَيْثُ قَال: {بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } (44) سورة النحل. فَالْمُفْتِي خَلِيفَةُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي أَدَاءِ وَظِيفَةِ الْبَيَانِ ، وَقَدْ تَوَلَّى هَذِهِ الْخِلاَفَةَ بَعْدَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَصْحَابُهُ الْكِرَامُ ، ثُمَّ أَهْل الْعِلْمِ بَعْدَهُمْ .

ج - أَنَّ مَوْضُوعَ الْفَتْوَى هُوَ بَيَانُ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَتَطْبِيقُهَا عَلَى أَفْعَال النَّاسِ ، فَهِيَ قَوْلٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ، أَنَّهُ يَقُول لِلْمُسْتَفْتِي: حُقَّ عَلَيْكَ أَنْ تَفْعَل ، أَوْ حَرَامٌ عَلَيْكَ أَنْ تَفْعَل ، وَلِذَا شَبَّهَ الْقَرَافِيُّ الْمُفْتِيَ بِالتُّرْجُمَانِ عَنْ مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَجَعَلَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ بِمَنْزِلَةِ الْوَزِيرِ الْمُوَقِّعِ عَنِ الْمَلِكِ قَال: إِذَا كَانَ مَنْصِبُ التَّوْقِيعِ عَنِ الْمُلُوكِ بِالْمَحَل الَّذِي لاَ يُنْكَرُ فَضْلُهُ ، وَلاَ يُجْهَل قَدْرُهُ ، وَهُوَ مِنْ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ السَّنِيَّاتِ ، فَكَيْفَ بِمَنْصِبِ التَّوْقِيعِ عَنْ رَبِّ الأَْرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ [4] ، نَقَل النَّوَوِيُّ: الْمُفْتِي مُوَقِّعٌ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَنُقِل عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ , قَالَ [5] :"إِنَّ الْعَالِمَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ , فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ ؟ [6] ."

ــــــــــــــــ

(1) - شرح المنتهى 3 / 458، مكتبة المنيرة .

(2) - المجموع للنووي شرح المهذب للشيرازي 1 / 45 القاهرة، المكتبة المنيرية .

(3) - الموافقات 4 / 313 .

(4) - إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم 1 / 10 .

(5) - الْفَقِيهُ وَالْمُتَفَقِّهُ لِلْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ (1083 )

(6) - مقدمة المجموع 1 / 73 تكملة المطيعي وتحقيقه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت