فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 164

المبحث الرابع عشر - هـ - الاِجْتِهَادُ:

وَهُوَ بَذْل الْجَهْدِ فِي اسْتِنْبَاطِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ مِنَ الأَْدِلَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (33) سورة الأعراف ، وقَالَ الشَّافِعِيُّ:"لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُفْتِي فِي دِينِ اللَّهِ إِلَّا رَجُلًا عَارِفًا بِكِتَابِ اللَّهِ: بِنَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ , وَبِمُحْكَمِهِ وَمُتَشَابِهِهِ , وَتَأْوِيلِهِ وَتَنْزِيلِهِ , وَمَكِّيِّهِ وَمَدَنِيِّهِ , وَمَا أُرِيدَ بِهِ , وَفِيمَا أُنْزِلَ , ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ بَصِيرًا بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , وَبِالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ , وَيَعْرِفُ مِنَ الْحَدِيثِ مِثْلَ مَا عَرَفَ مِنَ الْقُرْآنِ , وَيَكُونُ بَصِيرًا بِاللُّغَةِ , بَصِيرًا بِالشِّعْرِ , وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِلْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ , وَيَسْتَعْمِلُ مَعَ هَذَا الْإِنْصَافَ , وَقِلَّةَ الْكَلَامِ , وَيَكُونُ بَعْدَ هَذَا مُشْرِفًا عَلَى اخْتِلَافِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ , وَيَكُونُ لَهُ قَرِيحَةٌ بَعْدَ هَذَا , فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا فَلَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ وَيُفْتِيَ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ , وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هَكَذَا فَلَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي الْعِلْمِ وَلَا يُفْتِي" [1] . وَهَذَا مَعْنَى الاِجْتِهَادِ .

وَنَقَل ابْنُ الْقَيِّمِ قَرِيبًا مِنْ هَذَا عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ [2] .

وَمَفْهُومُ هَذَا الشَّرْطِ: أَنَّ فُتْيَا الْعَامِّيِّ وَالْمُقَلِّدِ الَّذِي يُفْتِي بِقَوْل غَيْرِهِ لاَ تَصِحُّ ،

قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: وَفِي فُتْيَا الْمُقَلِّدِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ:

الأَْوَّل: مَا تَقَدَّمَ ، وَهُوَ أَنَّهُ لاَ تَجُوزُ الْفُتْيَا بِالتَّقْلِيدِ ، لأَِنَّهُ لَيْسَ بِعِلْمٍ ، وَلأَِنَّ الْمُقَلِّدَ لَيْسَ بِعَالِمٍ وَالْفَتْوَى بِغَيْرِ عِلْمٍ حَرَامٌ ، قَال: وَهَذَا قَوْل جُمْهُورِ الشَّافِعِيَّةِ وَأَكْثَرِ الْحَنَابِلَةِ .

الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِهِ ، فَأَمَّا أَنْ يَتَقَلَّدَ لِغَيْرِهِ وَيُفْتِيَ بِهِ فَلاَ .

وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِ الْعَالِمِ الْمُجْتَهِدِ ، قَال: وَهُوَ أَصَحُّ الأَْقْوَال ، وَعَلَيْهِ الْعَمَل [3] .

وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلًا عَنِ ابْنِ الْهُمَامِ: وَقَدِ اسْتَقَرَّ رَأْيُ الأُْصُولِيِّينَ عَلَى أَنَّ الْمُفْتِيَ هُوَ الْمُجْتَهِدُ ، فَأَمَّا غَيْرُ الْمُجْتَهِدِ مِمَّنْ يَحْفَظُ أَقْوَال الْمُجْتَهِدِ فَلَيْسَ بِمُفْتٍ ، وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ إِذَا سُئِل أَنْ يَذْكُرَ قَوْل الْمُجْتَهِدِ عَلَى وَجْهِ الْحِكَايَةِ ، فَعُرِفَ أَنَّ مَا يَكُونُ فِي زَمَانِنَا مِنْ فَتْوَى الْمَوْجُودِينَ لَيْسَ بِفَتْوَى ، بَل هُوَ نَقْل كَلاَمِ الْمُفْتِي لِيَأْخُذَ بِهِ الْمُسْتَفْتِي . اهـ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَذْكُرَهُ عَلَى وَجْهِ الْحِكَايَةِ وَلاَ يَجْعَلُهُ كَأَنَّهُ مِنْ كَلاَمِهِ هُوَ ، [4] وَمَقْصُودُهُمْ أَنَّ فُتْيَا الْمُقَلِّدِ لَيْسَتْ بِفُتْيَا عَلَى الْحَقِيقَةِ ، [5] وَتُسَمَّى فُتْيَا مَجَازًا لِلشَّبَهِ ، وَيَجُوزُ الأَْخْذُ بِهَا فِي هَذِهِ الأَْزْمَانِ لِقِلَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ أَوِ انْعِدَامِهِمْ ، وَلِذَا قَال صَاحِبُ تَنْوِيرِ الأَْبْصَارِ: الاِجْتِهَادُ شَرْطُ الأَْوْلَوِيَّةِ .

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: مَعْنَاهُ: أَنَّهُ إِذَا وُجِدَ الْمُجْتَهِدُ فَهُوَ الأَْوْلَى بِالتَّوْلِيَةِ . [6]

وَقَال ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: تَوْقِيفُ الْفُتْيَا عَلَى حُصُول الْمُجْتَهِدِ يُفْضِي إِلَى حَرَجٍ عَظِيمٍ ، أَوِ اسْتِرْسَال الْخَلْقِ فِي أَهْوَائِهِمْ ، فَالْمُخْتَارُ أَنَّ الرَّاوِيَ عَنِ الأَْئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ إِذَا كَانَ عَدْلًا مُتَمَكِّنًا مِنْ فَهْمِ كَلاَمِ الإِْمَامِ ، ثُمَّ حَكَى لِلْمُقَلِّدِ قَوْلَهُ فَإِنَّهُ يَكْفِيهِ ، لأَِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ الْعَامِّيِّ أَنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ عِنْدَهُ ، قَال: وَقَدِ انْعَقَدَ الإِْجْمَاعُ فِي زَمَانِنَا عَلَى هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْفُتْيَا .

قَال الزَّرْكَشِيُّ: أَمَّا مَنْ شَدَا ( جَمَعَ ) شَيْئًا مِنَ الْعِلْمِ فَقَدْ نُقِل الإِْجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَحِل لَهُ أَنْ يُفْتِيَ [7] .

ــــــــــــــــ

(1) - الْفَقِيهُ وَالْمُتَفَقِّهُ لِلْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ (1044 )

(2) - إعلام الموقعين 1 / 46 .

(3) - إعلام الموقعين 1 / 46 .

(4) - حاشية ابن عابدين 1 / 47، والمجموع 1 / 45 .

(5) - فتاوى ابن الصلاح - (ج 1 / ص 16) ، والمجموع للنووي 1 / 42 .

(6) - ابن عابدين 44 / 305 ، وأيضًا 4 / 306 وانظر إعلام الموقعين 1 / 46، وصفة الفتوى لابن حمدان ص24، وإرشاد الفحول ص296 .

(7) - البحر المحيط للزركشي 6 / 306 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت