فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 164

المبحث الثالث -الْعِلْمِ الْخَاصِّ الَّذِي لَمْ تُكَلَّفْهُ الْعَامَّةٌ :

قال البيهقي [1] :"قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ: هَذَا مِثْلُ مَا يَكُونُ مِنهُمْ فِي الصَّلَاةِ مِن سَهْوٍ يَجِبُ بِهِ سُجُودُ السَّهْوِ أَوْ لَا يَجِبُ , وَمَا يُفْسِدُ الْحَجَّ وَلَا يُفْسِدُهُ , وَمَا يَجِبُ بِهِ الْفِدْيةُ وَلَا يَجِبُ , مِمَّا يَفْعَلُ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخِرَ: وَهُوَ مَا يَنُوبُ الْعِبَادُ مِن فُرُوعِ الْفَرَائِضِ , وَمَا يَخُصُّ بِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ وَغَيْرِهَا مِمَّا لَيْسَ فِيهِ نَصُّ كِتَابٍ وَلَا فِي أَكْثَرِهِ نَصُّ سَنَةٍ , وَإِنْ كَانَتْ فِي شَيْءٍ مِنهُ سَنَةٌ فَإِنَّمَا هِيَ مِن أَخْبَارِ الْخَاصَّةِ , وَمَا كَانَ مِنهُ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ وَيُسْتَدْرَكُ فِيهِ شَيْءٌ قَالَ: وَهَذِهِ دَرَجَةٌ مِنَ الْعِلْمِ لَيْسَ يَبْلُغُهَا الْعَامَّةُ , وَإِذَا قَامَ بِهَا خَاصَّتُهُمْ مَن فِيهِ الْكِفَايَةُ , لَمْ يَخْرُجْ غَيْرُهُ مِمَن تَرَكَهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ , وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِينْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهُمْ طَائِفَةٌ لِيتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِينْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ وَأَخْبَرَنَا بِجَمِيعِ هَذَا الْكَلَامِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ , ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ ، ثنا الرَّبِيعُ ، أبنا الشَّافِعِيُّ ، فَذَكَرَهُ وَجَعَلَ مِثَالِ ذَلِكَ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , وَالصَّلَاةَ عَلَى الْجَنَائِزِ , وَدَفْنَهَا , وَرَدَّ السَّلَامِ , وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ السُّنَنِ مَا وَرَدَ فِي أَمْثِلَتِهِ مِنَ الْآثَارِ".

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِينْفِرُوا كَافَّةً يَعْنِي: مَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِينْفِرُوا جَمِيعًا , وَيَتْرُكُوا النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَحْدَهُ , فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهُمْ طَائِفَةٌ . يَعْنِي عُصْبَةٌ , يَعْنِي السَّرَايَا , فَلَا يَسِيرُوا إِلَّا بِإِذْنِهِ , فَإِذَا رَجَعَتِ السَّرَايَا , وَقَدْ نَزَلَ بَعْدَهُمْ قُرْآنٌ يُعَلَّمُهُ الْقَاعِدُونَ مِنَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّكُمْ - صلى الله عليه وسلم - بَعْدَكُمْ قُرْآنًا , وَقَدْ تَعَلَّمْنَاهُ فَيمْكُثُ السَّرَايَا يَتَعَلَّمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نَبِيِّهِمْ بَعْدَهُمْ , وَيبْعَثُ سَرَايَا أُخَرَ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ لِيتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ يَقُولُ: يَتَعَلَّمُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ وَيُعَلِّمُونَ السَّرَايَا إِذَا رَجَعَتْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ . [2]

وعَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أَخَوَانِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , وَكَانَ أَحَدُهُمَا يَأْتِي النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - , وَالْآخَرُ يَحْتَرِفُ , فَشَكَا الْمُحْتَرِفُ أَخَاهُ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - , فَقَالَ:"لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ" [3]

وعَن زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي , وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ , وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ , وَالصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ , وَإِذَا مَرَّ الْقَوْمُ بِقَوْمٍ , فَسَلَّمَ مِنهُمْ وَاحِدٌ أَجْزَأَ مِنهُمْ , وَإِذَا رَدَّ مِنَ الْآخَرِينَ وَاحِدٌ أَجْزَأَ عَنهُمْ"وَرَوَاهُ هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ , عَن زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، كَذَلِكَ مُرْسَلًا , وَرُوِّينَاهُ فِي كِتَابِ السُّنَنِ , عَن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ مَرْفُوعًا مَوْصُولًا. ( صحيح مرسل)

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ: وَلَمْ يَزَلِ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَا وَصَفْتُ يَتَفَقَّهُ أَقَلُّهُمْ , وَيشْهَدُ الْجَنَائِزَ بَعْضُهُمْ , وَيُجَاهِدُ وَيَرُدُّ السَّلَامَ بَعْضُهُمْ , وَيَتَخَلَّفُ عَن ذَلِكَ غَيْرُهُمْ , فَيَعْرَفُونَ الْفَضْلَ لِمَن قَامَ بِهِ , وَلَا يُؤْتِمُونَ مَن قَصُرَ عَنهُ , إِذْ كَانَ لِهَذَا قَائِمُونَ بِكِفَايَتِهِ"."

ــــــــــــــــ

(1) - المدخل إلى السنن الكبرى - (ج 1 / ص 248) -باب العلم الخاص الذي لم تكلفه العامة وكلف على ذلك من فيه الكفاية للقيام به

(2) - حديث حسن ، السرية: هي طائفةٌ من الجَيش يبلغُ أقصاها أربَعمائة تُبْعث سرا إلى العَدوّ، وجمعُها السَّرَايا، وقد يراد بها الجنود مطلقا

(3) - سنن الترمذى (2516 ) صحيح

( فَقَالَ: تُرْزَقُ بِهِ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ أَرْجُو وَأَخَافُ أَنَّك مَرْزُوقٌ بِبَرَكَتِهِ لِأَنَّهُ مَرْزُوقٌ بِحِرْفَتِك فَلَا تَمْنُنْ عَلَيْهِ بِصَنْعَتِك . قَالَ الطِّيبِيُّ: وَمَعْنَى لَعَلَّ فِي قَوْلِهِ: لَعَلَّك يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَيُفِيدُ الْقَطْعَ وَالتَّوْبِيخَ كَمَا وَرَدَ فَهَلْ تُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ وَأَنْ يَرْجِعَ الْمُخَاطَبُ لِيَبْعَثَهُ عَلَى التَّفَكُّرِ وَالتَّأَمُّلِ فَيَنْتَصِفَ مِنْ نَفْسِهِ ، تحفة الأحوذي - (ج 6 / ص 130) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت