لَمَّا كَانَ الإِْفْتَاءُ هُوَ الإِْخْبَارَ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عَنْ دَلِيلِهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أُمُورًا:
الأَْوَّل: تَحْصِيل الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْمُجَرَّدِ فِي ذِهْنِ الْمُفْتِي ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لاَ مَشَقَّةَ فِي تَحْصِيلِهِ لَمْ يَكُنْ تَحْصِيلُهُ اجْتِهَادًا ، كَمَا لَوْ سَأَلَهُ سَائِلٌ عَنْ أَرْكَانِ الإِْسْلاَمِ مَا هِيَ ؟ أَوْ عَنْ حُكْمِ الإِْيمَانِ بِالْقُرْآنِ ؟ وَإِنْ كَانَ الدَّلِيل خَفِيًّا ، كَمَا لَوْ كَانَ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ غَيْرَ وَاضِحَةِ الدَّلاَلَةِ عَلَى الْمُرَادِ ، أَوْ حَدِيثًا نَبَوِيًّا وَارِدًا بِطَرِيقِ الآْحَادِ ، أَوْ غَيْرَ وَاضِحِ الدَّلاَلَةِ عَلَى الْمُرَادِ ، أَوْ كَانَ الْحُكْمُ مِمَّا تَعَارَضَتْ فِيهِ الأَْدِلَّةُ أَوْ لَمْ يَدْخُل تَحْتَ شَيْءٍ مِنَ النُّصُوصِ أَصْلًا ، احْتَاجَ أَخْذُ الْحُكْمِ إِلَى اجْتِهَادٍ فِي صِحَّةِ الدَّلِيل أَوْ ثُبُوتِهِ أَوِ اسْتِنْبَاطِ الْحُكْمِ مِنْهُ أَوِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ .
الثَّانِي: مَعْرِفَةُ الْوَاقِعَةِ الْمَسْئُول عَنْهَا ، بِأَنْ يَذْكُرَهَا الْمُسْتَفْتِي فِي سُؤَالِهِ ، وَعَلَى الْمُفْتِي أَنْ يُحِيطَ بِهَا إِحَاطَةً تَامَّةً فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْجَوَابُ ، بِأَنْ يَسْتَفْصِل السَّائِل عَنْهَا ، وَيَسْأَل غَيْرَهُ إِنْ لَزِمَ ، وَيَنْظُرَ فِي الْقَرَائِنِ .
الثَّالِثُ: أَنْ يَعْلَمَ انْطِبَاقَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَاقِعَةِ الْمَسْئُول عَنْهَا ، بِأَنْ يَتَحَقَّقَ مِنْ وُجُودِ مَنَاطِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي تَحَصَّل فِي الذِّهْنِ فِي الْوَاقِعَةِ الْمَسْئُول عَنْهَا لِيَنْطَبِقَ عَلَيْهَا الْحُكْمُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ لَمْ تَنُصَّ عَلَى حُكْمِ كُل جُزْئِيَّةٍ بِخُصُوصِهَا ، وَإِنَّمَا أَتَتْ بِأُمُورٍ كُلِّيَّةٍ وَعِبَارَاتٍ مُطْلَقَةٍ ، تَتَنَاوَل أَعْدَادًا لاَ تَنْحَصِرُ مِنَ الْوَقَائِعِ ، وَلِكُل وَاقِعَةٍ مُعَيَّنَةٍ خُصُوصِيَّةٌ لَيْسَتْ فِي غَيْرِهَا . وَلَيْسَتِ الأَْوْصَافُ الَّتِي فِي الْوَقَائِعِ مُعْتَبَرَةً فِي الْحُكْمِ كُلُّهَا ، وَلاَ هِيَ طَرْدِيَّةٌ كُلُّهَا ، بَل مِنْهَا مَا يُعْلَمُ اعْتِبَارُهُ ، وَمِنْهَا مَا يُعْلَمُ عَدَمُ اعْتِبَارِهِ ، وَبَيْنَهُمَا قِسْمٌ ثَالِثٌ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ ، فَلاَ تَبْقَى صُورَةٌ مِنَ الصُّوَرِ الْوُجُودِيَّةِ الْمُعَيَّنَةِ إِلاَّ وَلِلْمُفْتِي فِيهَا نَظَرٌ سَهْلٌ أَوْ صَعْبٌ ، حَتَّى يُحَقِّقَ تَحْتَ أَيِّ دَلِيلٍ تَدْخُل ؟ وَهَل يُوجَدُ مَنَاطُ الْحُكْمِ فِي الْوَاقِعَةِ أَمْ لاَ ؟ فَإِذَا حَقَّقَ وُجُودَهُ فِيهَا أَجْرَاهُ عَلَيْهَا ، وَهَذَا اجْتِهَادٌ لاَ بُدَّ مِنْهُ لِكُل قَاضٍ وَمُفْتٍ ، وَلَوْ فُرِضَ ارْتِفَاعُ هَذَا الاِجْتِهَادِ لَمْ تَتَنَزَّل الأَْحْكَامُ عَلَى أَفْعَال الْمُكَلَّفِينَ إِلاَّ فِي الذِّهْنِ ، لأَِنَّهَا عُمُومَاتٌ وَمُطْلَقَاتٌ ، مُنَزَّلَةٌ عَلَى أَفْعَالٍ مُطْلَقَةٍ كَذَلِكَ ، وَالأَْفْعَال الَّتِي تَقَعُ فِي الْوُجُودِ لاَ تَقَعُ مُطْلَقَةً ، وَإِنَّمَا تَقَعُ مُعَيَّنَةً مُشَخَّصَةً ، فَلاَ يَكُونُ الْحُكْمُ وَاقِعًا عَلَيْهَا إِلاَّ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ بِأَنَّ هَذَا الْمُعَيَّنَ يَشْمَلُهُ ذَلِكَ الْمُطْلَقُ أَوْ ذَلِكَ الْعَامُّ ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ سَهْلًا وَقَدْ لاَ يَكُونُ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ اجْتِهَادٌ .
وَمِثَال هَذَا: أَنْ يَسْأَلَهُ رَجُلٌ هَل يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى أَبِيهِ ؟
فَيَنْظُرَ أَوَّلًا فِي الأَْدِلَّةِ الْوَارِدَةِ ، فَيَعْلَمَ أَنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الاِبْنِ الْغَنِيِّ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى أَبِيهِ الْفَقِيرِ ، وَيَتَعَرَّفَ ثَانِيًا حَال كُلٍّ مِنَ الأَْبِ وَالاِبْنِ ، وَمِقْدَارَ مَا يَمْلِكُهُ كُلٌّ مِنْهُمَا ، وَمَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ ، وَمَا عِنْدَهُ مِنَ الْعِيَال ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَظُنُّ أَنَّ لَهُ فِي الْحُكْمِ أَثَرًا ، ثُمَّ يَنْظُرَ فِي حَال كُلٍّ مِنْهُمَا لِيُحَقِّقَ وُجُودَ مَنَاطِ الْحُكْمِ - وَهُوَ الْغِنَى وَالْفَقْرُ - فَإِنَّ الْغِنَى وَالْفَقْرَ اللَّذَيْنِ عَلَّقَ بِهِمَا الشَّارِعُ الْحُكْمَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا طَرَفَانِ وَوَاسِطَةٌ ، فَالْغِنَى مَثَلًا لَهُ طَرَفٌ أَعْلَى لاَ إِشْكَال فِي دُخُولِهِ فِي حَدِّ الْغِنَى ، وَلَهُ طَرَفٌ أَدْنَى لاَ إِشْكَال فِي خُرُوجِهِ عَنْهُ ، وَهُنَاكَ وَاسِطَةٌ يَتَرَدَّدُ النَّاظِرُ فِي دُخُولِهَا أَوْ خُرُوجِهَا ، وَكَذَلِكَ الْفَقْرُ لَهُ أَطْرَافٌ ثَلاَثَةٌ - فَيَجْتَهِدُ الْمُفْتِي فِي إِدْخَال الصُّورَةِ الْمَسْئُول عَنْهَا فِي الْحُكْمِ أَوْ إِخْرَاجِهَا بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ .
وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الاِجْتِهَادِ لاَ بُدَّ مِنْهُ فِي كُل وَاقِعَةٍ - وَهُوَ الْمُسَمَّى تَحْقِيقَ الْمَنَاطِ - لأَِنَّ كُل صُورَةٍ مِنْ صُوَرِ النَّازِلَةِ نَازِلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ فِي نَفْسِهَا ، لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهَا نَظِيرٌ ، وَإِنْ فَرَضْنَا أَنَّهُ تَقَدَّمَ مِثْلُهَا فَلاَ بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِي تَحْقِيقِ كَوْنِهَا مِثْلَهَا أَوْ لاَ ، وَهُوَ نَظَرُ اجْتِهَادٍ . [1]
ــــــــــــــــ
(1) - الموافقات للشاطبي 4 / 89، 95 .