فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 164

"قال ابنا الشيخ: الشيخ حسين، والشيخ عبد الله، رحمهم الله: عقيدة الشيخ، رحمه الله، التي يدين الله بها هي عقيدتنا، وديننا الذي ندين الله به، وهي عقيدة سلف الأمة وأئمتها، من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وهو: اتباع ما دلَّ عليه الدليل، من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وعرض أقوال العلماء على ذلك؛ فما وافق كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - قبلناه، وأفتينا به، وما خالف ذلك، رددناه على قائله."

وهذا هو الأصل الذي أوصانا به في كتابه حيث قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } الآية [سورة النساء آية: 59] ، أجمع المفسرون على أن الرد إلى الله هو: الرد إلى كتابه، وأن الرد إلى الرسول هو: الرد إليه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته.

والأدلة على هذا الأصل كثيرة في الكتاب والسُّنَّة؛ وإذا تفقه الرجل في مذهب من المذاهب الأربعة، ثم رأى حديثًا يخالف مذهبه، فاتبع الدليل، وترك مذهبه، كان هذا مستحبًا، بل واجبًا عليه إذا تبين له الدليل، ولا يكون بذلك مخالفًا لإمامه الذي اتبعه؛ فإن الأئمة كلهم متفقون على هذا الأصل: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، رضي الله عنهم أجمعين.

قال الإمام مالك: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وقال الشافعي لأصحابه: إذا صح الحديث عندكم فاضربوا بقولي الحائط، وفي لفظ: إذا صح الحديث عندكم فهو مذهبي. وقال الإمام أحمد، رحمه الله: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان؛ والله يقول: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَن أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [سورة النور آية: 63] . أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. وقال لبعض أصحابه: لا تقلدوني، ولا تقلدوا مالكًا، ولا الشافعي، وتعلموا كما تعلَّمنا. وكلام الأئمة في هذا كثير جدًا، ومبسوط في غير هذا الموضع.

وأما إذا لم يكن عند الرجل دليل في المسألة، يخالف القول الذي نص عليه العلماء أصحاب المذاهب، فنرجو أنه يجوز له العمل به، لأن رأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا، وهم إنما أخذوا الأدلة من أقوال الصحابة فمن بعدهم؛ ولكن لا ينبغي الجزم بأن هذا شرع الله ورسوله، حتى يتبين الدليل الذي لا معارض له في المسألة; وهذا عمل سلف الأمة وأئمتها قديمًا وحديثًا؛ والذي ننكره هو التعصب للمذاهب، وترك اتباع الدليل.

وقالا أيضًا: اعلم أن مسائل الخلاف بين الأئمة، لا إنكار فيها، إذا لم يتبين الدليل القاطع; والصحابة، رضي الله عنهم، قد اختلفوا في أشياء من مسائل الفروع، ولم ينكر بعضهم على بعض؛ وكذلك العلماء بعدهم، وأن كلًا منهم قد قال بما عنده من العلم.

وقالا أيضًا، لما سئلا عن العمل بصريح الحديث: الذي ينبغي لطالب العلم: أن يبحث عن كلام أهل العلم في المسألة التي دل عليها الحديث، وهل هو معمول به عندهم، أم هو منسوخ؟ أم قد عارضه ما هو أقوى منه؟ فإذا فعل ذلك، وعرف مذاهب العلماء في المسألة، وتبين له أن الحديث محكم صحيح، وجب عليه العمل به؛ هذا إذا كان الإنسان من أهل المعرفة بالحديث، وكلام العلماء، وكان قد سبقه إليه من أهل العلم من يقتدى به، ولو خالف مذهبه الذي ينتسب إليه؛ وإذا كان الرجل ليس له معرفة بالحديث، وكلام العلماء، وترجيح الأقوال، فإنما وظيفته تقليد أهل العلم،قال الله تعالى: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [سورة النحل آية: 43] .

وعندنا: أن الإمام ابن القيم، وشيخه: إماما حق، من أهل السنة، وكتبهم من أعز الكتب، إلا أنا غير مقلدين لهم في كل مسألة، فإن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك، إلا نبينا - صلى الله عليه وسلم - .

ــــــــــــــــ

(1) - الدرر السنية في الأجوبة النجدية - الرقمية - (ج 4 / ص 12)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت