فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 164

المبحث الخامس -أقوال المجتهدين وهل الحق في واحد أو كل مجتهد مصيب [1]

قال الخطيب البغدادي:"إِذَا اخْتَلَفَ الْمُجْتَهِدُونَ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى قَوْلَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ , فَقَدْ ذُكِرَ عَن أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَالْحَقُّ مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ , وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ , وَذُكِرَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ لَهُ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ , أَحَدُهُمَا: مِثْلُ هَذَا , وَالثَّانِي: أَنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ مِنَ الْأَقْوَالِ , وَمَا سِوَاهُ بَاطِلٌ [2] , وَقِيلَ: لَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ إِلَّا قَوْلٌ وَاحِدٌ , وَهُوَ أَنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ مِنَ الْأَقْوَالِ الْمُخْتَلِفِينَ , وَمَا عَدَاهُ خَطَأٌ , إِلَّا أَنَّ الْإِثْمَ مَوْضُوعٌ عَنِ الْمُخْطِئِ فِيهِ."

و قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ يَعْنِي: ابْنَ الْمُبَارَكِ عَنِ اخْتِلَافِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - , كُلُّهُ صَوَابٌ ؟ فَقَالَ:"الصَّوَابُ وَاحِدٌ , وَالْخَطَأُ مَوْضُوعٌ عَنِ الْقَوْمِ , أَرْجُو"قُلْتُ: فَمَن أَخَذَ بِقَوْلٍ مِنَ الْأَقَاوِيلِ فَهُوَ أَيْضًا مَوْضُوعٌ عَنهُ , قَالَ:"نَعَمْ , أَرْجُو إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ اخْتَارَ قَوْلًا حَتْمًا , ثُمَّ نَزَلَ بِهِ شَيْءٌ , فَتَحَوَّلَ إِلَى غَيْرِهِ , تَرَخُّصًا لِلشَّيْءِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ"وَحَكَى أَبُو إِبْرَاهِيمَ الْمُزَنِيُّ: أَنَّ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ , وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ""

وعَن مَالِكٍ , أَنَّهُ سُئِلَ , فَقِيلَ لَهُ: أَتَرَى لِمَن أَخَذَ بِحَدِيثٍ حَدَّثَهُ ثِقَةٌ , عَن بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - سَعَةً ؟ قَالَ:"لَا وَاللَّهِ حَتَّى يُصِيبَ الْحَقَّ , وَمَا الْحَقُّ إِلَّا وَاحِدٌ , لَا يَكُونُ الْحَقُّ فِي قَوْلَيْنِ يَخْتَلِفَانِ" (صحيح)

وقَالَ اللَّيْثَ ,:"لَا يَكُونُ الْحَقُّ إِلَّا وَاحِدًا , وَلَا يَكُونُ فِي أَمْرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ"وَاحْتَجَّ مَن نَصَرَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ , وَأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ: بِأَنَّ الصَّحَابَةَ اجْتَهَدُوا وَاخْتَلَفُوا , وَأَقَرَّ بَعْضُهُمُ بَعْضًا عَلَى قَوْلِهِ , وَسَوَّغَ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ , وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِقَوْلِهِ وَمُؤَدَّى اجْتِهَادِهِ , وَسَوَّغُوا لِلْعَامَّةِ أَنْ يُقَلِّدُوا مَن شَاءُوا مِنهُمْ , حَتَّى قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقُ"كَانَ اخْتِلَافُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِمَّا نَفَعَ اللَّهُ بِهِ , فَمَا عَمِلْتَ مِنهُ مِن عَمَلٍ لَمْ يَدْخُلْ نَفْسَكَ مِنهُ شَيْءٌ" (حسن)

وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ:"مَا يَسُرُّنِي أَنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَخْتَلِفُوا".

وعَن قَتَادَةَ , أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ , كَانَ يَقُولُ:"مَا سَرَّنِي لَوْ أَنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَخْتَلِفُوا , لِأَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَخْتَلِفُوا لَمْ تَكُنْ رُخْصَةٌ"

وعَن عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ , قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ:"مَا يَسُرُّنِي بِاخْتِلَافِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - حُمْرُ النَّعَمِ , لَأَنَّا إِنْ أَخَذْنَا بِقَوْلِ هَؤُلَاءِ أَصَبْنَا , وَإِنْ أَخَذْنَا بِقَوْلِ هَؤُلَاءِ أَصَبْنَا" (صحيح) .

قَالُوا: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى إِقْرَارِ الْخَاطِئِ عَلَى خَطَئِهِ , وَالرِّضَا بِالْعَمَلِ بِهِ , وَالْإِذْنِ فِي تَقْلِيدِهِ وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَيَّنَ حُكْمًا مِن بَعْضِ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ , وَنَصَبَ عَلَيْهِ دَلِيلًا , وَجَعَلَ إِلَيْهِ طَرِيقًا , وَكَلَّفَ أَهْلَ الْعِلْمِ إِصَابَتَهُ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُصِيبُ عَالِمًا بِهِ , قَاطِعًا بِخَطَأِ مَن خَالَفَهُ , وَيَكُونُ الْمُخَالِفُ آثِمًا فَاسِقًا , وَوَجَبَ نَقْضُ حُكْمِهِ إِذَا حَكَمَ بِهِ , وَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ مَن خَالَفَ دَلِيلَ مَسَائِلِ الْأُصُولِ مِنَ الرُّؤْيَةِ وَالصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ , وَبِمَنزِلَةِ مَن خَالَفَ النَّصَّ , وَلَمَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الْمُخَالِفَ لَا يُقْطَعُ عَلَى خَطَئِهِ , وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِيهِ , وَلَا يُنْقَضُ حُكْمُهُ إِذَا حُكِمَ بِهِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ , وَلِأَنَّ الْعَامِيَّ إِذَا نَزَلَتْ بِهِ نَازِلَةٌ , كَانَ لَهُ أَنْ يَسْأَلَ عَنهَا مَن شَاءَ مِنَ الْعُلَمَاءِ , وَإِنْ كَانُوا مُخْتَلِفَيْنِ فَدَلَّ عَلَى أَنًّ جَمِيعَهُمْ عَلَى الصَّوَابِ، وَاحْتَجَّ مَن قَالَ: إِنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ , وَإِلَيْهِ يُذْهَبُ: بِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: { وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} (78) سورة الأنبياء ، فَأَخْبَرَ: أَنَّ سُلَيْمَانَ هُوَ الْمُصِيبُ وَحَمِدَهُ عَلَى إِصَابَتِهِ , وَأَثْنَى عَلَى دَاوُدَ فِي اجْتِهَادِهِ , وَلَمْ يَذُمَّهُ عَلَى خَطَئِهِ , وَهَذَا نَصٌّ فِي إِبْطَالِ قَوْلِ مَن قَالَ: إِذَا أَخْطَأَ الْمُجْتَهِدُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَذْمُومًا , وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - الْمَشْهُورُ: إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ , وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ [3] , وَقَدْ سُقْنَا هَذَا الْحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ , وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُجْتَهِدَ بَيْنَ الْإِصَابَةِ وَالْخَطَأِ"."

الفصل الثالث

الخلاصة في أحكام الفتوى [4]

المبحث الأول- تّعْرِيفُ الفَتْوَى:

الْفَتْوَى لُغَةً: اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنَى الإِْفْتَاءِ ، وَالْجَمْعُ: الْفَتَاوَى وَالْفَتَاوِي ، يُقَال: أَفْتَيْتُهُ فَتْوَى وَفُتْيَا إِذَا أَجَبْتَهُ عَنْ مَسْأَلَتِهِ ، وَالْفُتْيَا تَبْيِينُ الْمُشْكِل مِنَ الأَْحْكَامِ ، وَتَفَاتَوْا إِلَى فُلاَنٍ: تَحَاكَمُوا إِلَيْهِ وَارْتَفَعُوا إِلَيْهِ فِي الْفُتْيَا ، وَالتَّفَاتِي: التَّخَاصُمُ ، وَيُقَال: أَفْتَيْتُ فُلاَنًا رُؤْيَا رَآهَا: إِذَا عَبَّرْتَهَا لَهُ [5] وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى حَاكِيًا: { يَا أَيُّهَا الْمَلأَُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ } . (سورة يوسف آية / 43)

وَالاِسْتِفْتَاءُ لُغَةً: طَلَبُ الْجَوَابِ عَنِ الأَْمْرِ الْمُشْكِل ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: { وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا } (سورة الكهف آية / 22) وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى مُجَرَّدِ سُؤَالٍ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: { فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا } (سورة الصافات آية / 11) ، قَال الْمُفَسِّرُونَ: أَيِ اسْأَلْهُمْ . [6]

وَالْفَتْوَى فِي الاِصْطِلاَحِ: تَبْيِينُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عَنْ دَلِيلٍ لِمَنْ سَأَل عَنْهُ [7] وَهَذَا يَشْمَل السُّؤَال فِي الْوَقَائِعِ وَغَيْرِهَا .

وَالْمُفْتِي لُغَةً: اسْمُ فَاعِل أَفْتَى ، فَمَنْ أَفْتَى مَرَّةً فَهُوَ مُفْتٍ ، وَلَكِنَّهُ يُحْمَل فِي الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ بِمَعْنًى أَخَصَّ مِنْ ذَلِكَ ، قَال الصَّيْرَفِيُّ: هَذَا الاِسْمُ مَوْضُوعٌ لِمَنْ قَامَ لِلنَّاسِ بِأَمْرِ دِينِهِمْ ، وَعَلِمَ جُمَل عُمُومِ الْقُرْآنِ وَخُصُوصِهِ ، وَنَاسِخَهُ وَمَنْسُوخَهُ ، وَكَذَلِكَ السُّنَنُ وَالاِسْتِنْبَاطُ ، وَلَمْ يُوضَعْ لِمَنْ عَلِمَ مَسْأَلَةً وَأَدْرَكَ حَقِيقَتَهَا ، فَمَنْ بَلَغَ هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ سَمَّوْهُ بِهَذَا الاِسْمِ ، وَمَنِ اسْتَحَقَّهُ أَفْتَى فِيمَا اسْتُفْتِيَ فِيهِ . [8]

وَقَال الزَّرْكَشِيُّ: الْمُفْتِي مَنْ كَانَ عَالِمًا بِجَمِيعِ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِالْقُوَّةِ الْقَرِيبَةِ مِنَ الْفِعْل ، وَهَذَا إِنْ قُلْنَا بِعَدَمِ تَجَزُّؤِ الاِجْتِهَادِ [9] .

ــــــــــــــــ

(1) - الفقيه والمتفقه - (ج 2 / ص 114) - باب الكلام في أقوال المجتهدين وهل الحق في واحد أو كل مجتهد مصيب (733- 739)

(2) - قلت: يعنون به أنه خطأ ، وليس باطلا بالمعنى الشرعي

(3) - المنتقى من السنن المسندة لابن الجارود (996) صحيح

(4) - انظر الموسوعة الفقهية 32/30-50

(5) - لسان العرب، والقاموس المحيط .

(6) - تفسير القرطبي 15 / 68 وتفسير ابن كثير 4 / 3 ط عيسى الحلبي .

(7) - شرح المنتهى 33 / 456، مطبعة أنصار السنة بالقاهرة، وصفة الفتوى والمستفتى لابن حمدان ص4 .

(8) - البحر المحيط 6 / 305 .

(9) - البحر المحيط 6 / 306 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت