فهرس الكتاب

الصفحة 157 من 164

اعلم بأن التشددَ في الدين مذموم، فعَن أَنَسٍ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا ، وَبَشِّرُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا » . رواه البخاري ومسلم [2] .

وعَن أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا ، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَىْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ » أخرجه البخاري [3] .

ومعنى التشدد المذموم المنهي عنه في الحديث هو الإفراط ُالمؤدي إلى الملالِ، أو المبالغةِ في التطوُّع المفضي إلى ترك الأفضل، وليس معناه تركَ الأخذ بالرخصة عند الحاجة إليها ولا اتباع الأيسر عملا بالقاعدة"المشقة تجلب التيسير [4] "و"إذا"ضاق الأمر اتسع" [5] ."

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في شرح هذا الحديث مبينا له [6] : وَلَيْسَ الْمُرَاد مَنع طَلَب الْأَكْمَل فِي الْعِبَادَة فَإِنَّهُ مِن الْأُمُور الْمَحْمُودَة ، بَلْ مَنع الْإِفْرَاط الْمُؤَدِّي إِلَى الْمَلَال ، أَوْ الْمُبَالَغَة فِي التَّطَوُّع الْمُفْضِي إِلَى تَرْك الْأَفْضَل ، أَوْ إِخْرَاج الْفَرْض عَن وَقْته كَمَن بَاتَ يُصَلِّي اللَّيْل كُلّه وَيُغَالِب النَّوْم إِلَى أَنْ غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فِي آخِر اللَّيْل فَنَامَ عَن صَلَاة الصُّبْح فِي الْجَمَاعَة ، أَوْ إِلَى أَنْ خَرَجَ الْوَقْت الْمُخْتَار ، أَوْ إِلَى أَنْ طَلَعَتْ الشَّمْس فَخَرَجَ وَقْت الْفَرِيضَة ، وَفِي حَدِيث مِحْجَن بْن الْأَدْرَع عِنْد أَحْمَد [7] "قَالَ: كُنْتُ أَحْرُسُ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- ذَاتَ لَيْلَةٍ فَخَرَجَ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ - قَالَ - فَرَآنِى فَأَخَذَ بِيَدِى فَانْطَلَقْنَا فَمَرَرْنَا عَلَى رَجُلٍ يُصَلِّى يَجْهَرُ بِالْقُرْآنِ فَقَالَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- « عَسَى أَنْ يَكُونَ مُرَائِيًا » . قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ يُصَلِّى يَجْهَرُ بِالْقُرْآنِ - قَالَ - فَرَفَضَ يَدِى ثُمَّ قَالَ « إِنَّكُمْ لَنْ تَنَالُوا هَذَا الأَمْرَ بِالْمُغَالَبَةِ » . قَالَ ثُمَّ خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَأَنَا أَحْرُسُهُ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ فَأَخَذَ بِيَدِى فَمَرَرْنَا عَلَى رَجُلٍ يُصَلِّى بِالْقُرْآنِ- قَالَ - فَقُلْتُ عَسَى أَنْ يَكُونَ مُرَائِيًا . فَقَالَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- « كَلاَّ إِنَّهُ أَوَّابٌ » . قَالَ فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ ذُو الْبِجَادَيْنِ. وَقَدْ يُسْتَفَاد مِن هَذَا الْإِشَارَة إِلَى الْأَخْذ بِالرُّخْصَةِ الشَّرْعِيَّة ، فَإِنَّ الْأَخْذ بِالْعَزِيمَةِ فِي مَوْضِع الرُّخْصَة تَنَطُّع ، كَمَن يَتْرُك التَّيَمُّم عِنْد الْعَجْز عَن اِسْتِعْمَال الْمَاء فَيُفْضِي بِهِ اِسْتِعْمَاله إِلَى حُصُول الضَّرَر .. انتهى."

فعلم بذلك أن التشدد هو: المبالغة في تنفيذ الأمر بما يشق على النفس، ويكون سببا في نفورها ومللها، وعلم كذلك أن التيسير هو: الأخذ بالرخصة عند الحاجة إليها، وتنفيذ الأوامر الشرعية بأسهل الطرق المشروعة، وليس معناه التفريط أو التساهل في أداء التكاليف الشرعية،

وهذه بعض الأمثلة من السنة النبوية ، فعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ سَمِعْتُ عَطَاءً أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ الشَّاعِرَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو - رضى الله عنهما - بَلَغَ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - أَنِّى أَسْرُدُ الصَّوْمَ وَأُصَلِّى اللَّيْلَ ، فَإِمَّا أَرْسَلَ إِلَىَّ ، وَإِمَّا لَقِيتُهُ ، فَقَالَ « أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ وَلاَ تُفْطِرُ ، وَتُصَلِّى وَلاَ تَنَامُ ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ ، وَقُمْ وَنَمْ ، فَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَظًّا ، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ وَأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَظًّا » . قَالَ إِنِّى لأَقْوَى لِذَلِكَ . قَالَ « فَصُمْ صِيَامَ دَاوُدَ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - » . قَالَ وَكَيْفَ قَالَ « كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا ، وَلاَ يَفِرُّ إِذَا لاَقَى » . قَالَ مَن لِى بِهَذِهِ يَا نَبِىَّ اللَّهِ قَالَ عَطَاءٌ لاَ أَدْرِى كَيْفَ ذَكَرَ صِيَامَ الأَبَدِ ، قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: « لاَ صَامَ مَن صَامَ الأَبَدَ » . مَرَّتَيْنِ .أخرجه البخاري [8] .

وعَن عَوْنِ بْنِ أَبِى جُحَيْفَةَ عَن أَبِيهِ قَالَ آخَى النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَ سَلْمَانَ ، وَأَبِى الدَّرْدَاءِ ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً . فَقَالَ لَهَا مَا شَأْنُكِ قَالَتْ أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِى الدُّنْيَا . فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا . فَقَالَ كُلْ . قَالَ فَإِنِّى صَائِمٌ . قَالَ مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ . قَالَ فَأَكَلَ . فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ . قَالَ نَمْ . فَنَامَ ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ . فَقَالَ نَمْ . فَلَمَّا كَانَ مِن آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمَانُ قُمِ الآنَ . فَصَلَّيَا ، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، فَأَعْطِ كُلَّ ذِى حَقٍّ حَقَّهُ . فَأَتَى النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « صَدَقَ سَلْمَانُ » أخرجه البخاري [9] .

وعن أَنَسَ بْنِ مَالِكٍ - رضى الله عنه -قالَ: جَاءَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - يَسْأَلُونَ عَن عِبَادَةِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ . قَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّى أُصَلِّى اللَّيْلَ أَبَدًا . وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلاَ أُفْطِرُ . وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلاَ أَتَزَوَّجُ أَبَدًا . فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ « أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّى لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ ، لَكِنِّى أَصُومُ وَأُفْطِرُ ، وَأُصَلِّى وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ، فَمَن رَغِبَ عَن سُنَّتِى فَلَيْسَ مِنِّى » أخرجه البخاري [10] .

وعَن عَائِشَةَ - رضى الله عنها - أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَحْتَجِرُ حَصِيرًا بِاللَّيْلِ فَيُصَلِّى ، وَيَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ فَيَجْلِسُ عَلَيْهِ ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَثُوبُونَ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَيُصَلُّونَ بِصَلاَتِهِ حَتَّى كَثُرُوا فَأَقْبَلَ فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ خُذُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ ، فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا ، وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دَامَ وَإِنْ قَلَّ» أخرجه البخاري [11] .

وعَن عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ كَانَتْ عِنْدِى امْرَأَةٌ مِن بَنِى أَسَدٍ فَدَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ « مَن هَذِهِ » . قُلْتُ فُلاَنَةُ لاَ تَنَامُ بِاللَّيْلِ . فَذُكِرَ مِن صَلاَتِهَا فَقَالَ: « مَهْ عَلَيْكُمْ مَا تُطِيقُونَ مِنَ الأَعْمَالِ ، فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا » أخرجه البخاري [12] .

ــــــــــــــــ

(1) - فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 10 / ص 1051)

رقم الفتوى 71228 مسائل فقهية متنوعة تاريخ الفتوى: 26 ذو الحجة 1426 وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 4 / ص 1232) رقم الفتوى 21148 بيان معنى التيسير في حديثه - صلى الله عليه وسلم - تاريخ الفتوى: 05 شوال 1421

(2) - صحيح البخارى برقم (69 ) ومسلم برقم ( 4626)

(3) - أخرحه البخاري برقم (39 )

(4) - راجع إن شئت فتاوى الرملي - (ج 1 / ص 176) والفتاوى الفقهية الكبرى - (ج 10 / ص 82) وفتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم آل الشيخ - (ج 5 / ص 48) و فتاوى يسألونك - (ج 8 / ص 16) والموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 5084) , الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 2 / ص 116) و (ج 2 / ص 118) و (ج 2 / ص 380) و (ج 4 / ص 241) و (ج 10 / ص 282) و (ج 14 / ص 234) و (ج 17 / ص 170) و (ج 18 / ص 26) و (ج 19 / ص 206) و (ج 22 / ص 290) و (ج 22 / ص 290) و (ج 29 / ص 286) وفتاوى واستشارات الإسلام اليوم - (ج 5 / ص 68) والمنثور في القواعد - (ج 3 / ص 238) والأشباه والنظائر - (ج 1 / ص 8) والقواعد والضوابط الفقهية المتضمنة للتيسير - الرقمية - (ج 1 / ص 115) وتلقيح الإفهام العلية بشرح القواعد الفقهية - (ج 1 / ص 113)

(5) انظر فتاوى السبكي - (ج 1 / ص 285) وفتاوى الرملي - (ج 1 / ص 176) والفتاوى الفقهية الكبرى - (ج 8 / ص 280) و فتاوى الأزهر - (ج 1 / ص 223) والموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 22 / ص 162) و (ج 22 / ص 290) و (ج 28 / ص 206) و (ج 31 / ص 7) و (ج 37 / ص 324) و (ج 38 / ص 222) والفقه الإسلامي وأدلته - (ج 9 / ص 355) والمنثور في القواعد - (ج 1 / ص 58)

(6) - فتح الباري لابن حجر - (ج 1 / ص 62)

(7) - مسند أحمد برقم ( 19486) وهو حديث حسن

(8) - صحيح البخارى برقم (1977 ،1131 ، 1152 ، 1153 ، 1974 ، 1975 ، 1976 ، 1978 ، 1979 ، 1980 ، 3418 ، 3419 ، 3420 ، 5052 ، 5053 ، 5054 ، 5199 ، 6134 ، 6277 )

(9) - البخارى برقم (1968 ) =المتبذلة: التاركة للزينة والهيئة الحسنة

(10) - البخارى برقم (5063 )

(11) - البخارى برقم (5861 ،729 ، 730 ، 924 ، 1129 ، 2011 ، 2012 )

(12) - البخارى برقم (1151 ، طرفه 43 ) موصولا ومعلقا وسنن ابن ماجه برقم (4379)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت