فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 164

قال البيهقي في المدخل [1] :

"قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ: مَثَلُ أَنَّ الصَّلَوَاتِ خَمْسٌ , وَأَنَّ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ , وَحَجَّ الْبَيْتِ إِنِ اسْتَطَاعُوهُ , وَزَكَاةً فِي أَمْوَالِهِمْ , وَأَنَّهُ حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الزِّنَا , وَالْقَتْلَ , وَالسَّرِقَةَ , وَالْخَمْرَ , وَمَا كَانَ فِي مَعْنَى هَذَا , مِمَّا كُلِّفَ الْعِبَادُ أَنْ يَفْعَلُوهُ وَيَعْلَمُوهُ , وَفِي نُسْخَةٍ أُخْرَىْ أَنْ يَعْقِلُوهُ وَيَعْمَلُوهُ وَيُعْطُوهُ مِن أَنْفُسِهِمْ , وَأَمْوَالِهِمْ , وَأَنْ يَكُفُّوا عَنهُ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ مِنهُ وَإِنَّمَا أَرَادَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ , بِهَذَا مَا يَجِبُ عَلَيْهِ اعْتِقَادُهُ , وَاعْتَقَدَهُ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ."

عَن يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَيْفِيٍّ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا مَعْبَدٍ ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَمَّا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ:"إِنَّكَ تُقْدِمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ , فَلْيَكُنْ أَوَّلُ مَا تَدْعُوهُمْ أَنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ , فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ , فَإِذَا صَلَّوْا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِن غَنِيِّهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فَقِيرِهِمْ , فَإِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ فَخُذْ مِنهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَلَاءِ , وَأَخْرَجَاهُ مِن وَجْهٍ آخَرَ عَن إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ [2] .

وعَن يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ , إِنَّ قَوْمًا يَزْعُمُونَ لَيْسَ قَدَرٌ قَالَ: هَلْ عِنْدَنَا مِنهُمْ أَحَدٌ ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا , قَالَ: فَأَبْلِغْهُمْ عَنِّي إِذَا لَقِيتَهُمْ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ بَرِيءٌ إِلَى اللَّهِ مِنكُمْ وَأَنْتُمْ بَرَاءٌ إِلَى اللَّهِ مِنهُ . سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي أُنَاسٍ , إِذْ جَاءَ رَجُلٌ لَيْسَ عَلَيْهِ سَحْنَاءُ سَفَرٍ , وَلَيْسَ مِنَ الْبَلَدِ يَتَخَطَّى , حَتَّى وَرِكَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , كَمَا يَجْلِسُ أَحَدُنَا فِي الصَّلَاةِ , ثُمَّ وَضَعَ يدَهُ عَلَى رُكْبَتَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ , مَا الْإِسْلَامُ ؟ فَقَالَ:"الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ , وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ , وَأَنْ تُقِيمَ الصَّلَاةَ , وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ , وَتَحُجَّ , وَتَعْتَمِرَ , وَتَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ , وَتُتِمَّ الْوُضُوءَ , وَتَصُومَ رَمَضَانَ"قَالَ: فَإِنْ فَعَلْتُ هَذَا , فَأَنَا مُسْلِمٌ ؟ قَالَ:"نَعَمْ", قَالَ: صَدَقْتَ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ , مَا الْإِيمَانُ ؟ قَالَ:"الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ , وَتُؤْمِنَ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالْمِيزَانِ , وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ , وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ"قَالَ: فَإِنْ فَعَلْتُ هَذَا , فَأَنَا مُؤْمِنٌ ؟ قَالَ:"نَعَمْ"قَالَ: صَدَقْتَ , قَالَ: يَا مُحَمَّدُ , مَا الْإِحْسَانُ ؟ قَالَ: أَنْ تَعْمَلَ لِلَّهِ كَأَنَّكَ تَرَاهُ , فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَرَاهُ , فَإِنَّهُ يَرَاكَ قَالَ: فَإِنْ فَعَلْتُ هَذَا فَأَنَا مُحْسِنٌ ؟ قَالَ:"نَعَمْ"قَالَ: صَدَقْتَ , قَالَ: فَمَتَى السَّاعَةُ ؟ قَالَ:"سُبْحَانَ اللَّهِ , مَا الْمَسْئُولُ بِأَعْلَمَ بِهَا مِنَ السَّائِلِ"قَالَ:"إِنْ شِئْتَ أُنْبِئُكَ بِأَشْرَاطِهَا"قَالَ: أَجَلْ , قَالَ:"إِذَا رَأَيْتَ الْعَالَةَ الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ يتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ , وَكَانُوا مُلُوكًا"قَالَ: مَا الْعَالَةُ الْحُفَاةُ الْعُرَاةُ ؟ قَالَ:"الْغَرِيبُ". قَالَ:"وَإِذَا رَأَيْتَ الْأَمَةَ تَلِدُ رَبَّهَا وَرَبَّتَهَا , فَذَلِكَ مِن أَشْرَاطِ السَّاعَةِ"قَالَ: صَدَقْتَ , ثُمَّ نَهَضَ فَوَلَّى . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -"عَلَيَّ بِالرَّجُلِ"قَالَ: فَطَلَبْنَاهُ , فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"هَلْ تَدْرُونَ مَن هَذَا ؟ هَذَا جِبْرِيلُ , أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ فَخُذُوا عَنهُ , فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيدِهِ , مَا شُبِّهَ عَلَيَّ مُنْذُ أَتَانِي قَبْلَ مُدَّتِي , وَمَا عَرَفْتُهُ حَتَّى وَلَّى"رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَن حَجَّاجِ بْنِ الشَّاعِرِ عَن يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ [3]

وعَن أَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيَّ نَصْرَ بْنِ عِمْرَانَ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ لِي جَرَّةَ نَبِيذٍ , لِي فِيهَا نَبِيذٌ حُلْوٌ , فَإِنْ شَرِبْتُ مِنهُ فَأَطَلْتُ مُجَالَسَةَ الْقَوْمِ , خَشِيتُ أَنْ أُفْتَضَحَ , فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جَاءَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ:"مَرْحَبًا بِالْوَفْدِ غَيْرَ الْخَزَايَا وَلَا النَّدَامَى"قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ , إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ , وَإِنَّا لَا نَصِلُ إِلَيْكَ إِلَّا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ , فَمُرْنَا بِأَمْرٍ إِذَا عَمِلْنَاهُ دَخَلْنَا الْجَنَّةَ وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَن وَرَاءَنَا قَالَ: فَقَالَ:"آمُرُكُمْ بِالْإِيمَانِ , تَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ ؟ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ , وَتُقِيمُوا الصَّلَاةَ , وَتُؤْتُوا الزَّكَاةَ , وَتَصُومُوا رَمَضَانَ , وَتَحُجُّوا الْبَيْتَ وَأَحْسَبُهُ قَالَ: وَتُؤَدُّوا الْخُمُسَ مِنَ الْمَغَانِمِ وَأَنْهَاكُمْ عَن أَرْبَعٍ: عَنِ الْجَرِّ , وَالدُّبَّاءِ , وَالنَّقِيرِ , وَالْمُزَفَّتِ"أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ . [4]

وَإِنَّمَا وَقَعَ النَّهْيُ عَنِ الْأَوْعِيةِ لَمَا يُسْرِعُ فِيهَا الْفَسَادُ , إِلَى مَا يُنْتَبَذُ بِهَا ثُمَّ رُخِّصَ فِي الْأَوْعِيةِ , وَبَقِيَ تَحْرِيمُ الْمُسْكِرِ مِنَ الْأَشْرِبَةِ , كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ , وَالْمَقْصُودُ مِن هَذَا الْخَبَرِ هَهُنَا أَنَّهُ سَمَّى كَلِمَةَ الشَّهَادَةِ وَمَا بَعْدَهَا فِي هَذَا الْخَبَرِ إِيمَانًا , وَسَمَّاهَا فِي الْخَبَرِ الَّذِي قَبْلَهُ إِسْلَامًا , وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ عِبَارَتَانِ عَنِ الدِّينِ الَّذِي أُمِرْنَا بِهِ وَأَنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ تُسَمَّى إِيمَانًا , وَتُسَمَّى إِسْلَامًا , وَبِهِ كَانَ يَقُولُ صَاحِبُنَا الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ وَأَقْرَانُهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمْ .

وعَن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِن أَصْحَابِهِ:"بَايعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا , وَلَا تَسْرِقُوا , وَلَا تَزْنُوا , وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ , وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ , وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ فَمَن وَفَى مِنكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ , وَمَن أَصَابَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ , فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ , وَمَن أَصَابَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا , ثُمَّ سَتَرَهُ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَى عَنهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ"قَالَ: فَبَايعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَن أَبِي الْيمَانِ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِن وَجْهٍ آخَرَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ [5]

وعَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ , وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ , وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ , وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ"وَعَن أَبِي هُرَيْرَةَ عَن رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , مِثْلُ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ هَذَا , إِلَّا النُّهْبَةَ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ , عَن سَعِيدِ بْنِ عُفَيْرٍ عَنِ اللَّيْثِ , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِن وَجْهٍ آخَرَ [6]

وعَن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ"قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هِيَ ؟ قَالَ:"الشِّرْكُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , وَالسِّحْرُ , وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ , وَأَكَلُ الرِّبَا , وَأَكَلُ مَالِ الْيتِيمِ , وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ , وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ , عَن عَبْدِ الْعَزِيزِ الْأُوَيْسِيِّ , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِن وَجْهٍ آخَرَ , عَن سُلَيْمَانَ [7]

وعَن عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ , فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ:"أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ الْمُصَلُّونَ , أَلَّا وَإِنَّهُ مِن يُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ يَرَاهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ حَقًّا , وَيُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ احْتِسَابًا , وَيصُومُ رَمَضَانَ , وَيجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ"، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , وَمَا الْكَبَائِرُ ؟ قَالَ:"تِسْعٌ: أَعْظَمُهَا الشِّرْكُ بِاللَّهِ , وَقَتْلُ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ , وَأَكَلُ الرِّبَا , وَأَكَلُ مَالِ الْيتِيمِ , وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ , وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ , وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ , وَالسِّحْرُ , وَاسْتِحْلَالُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ , مَن لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنهُنَّ كَانَ مَعِي فِي جُنَّةٍ مَصَارِيعُهَا مِن ذَهَبٍ" [8]

وعَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"اطْلُبُوا الْعِلْمَ وَلَوْ بِالصِّينِ , فَإِنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ"هَذَا حَدِيثٌ مَتْنُهُ مَشْهُورٌ , وَأَسَانِيدُهُ ضَعِيفَةٌ , لَا أَعْرِفُ لَهُ إِسْنَادًا يَثْبُتُ بِمِثْلِهِ الْحَدِيثُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

وقال عَلِيٍّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ الْحَافِظَ: صَحَّ عِنْدِي عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي"طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ"إِسْنَادُهُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ: وَإِنْ صَحَّ , فَإِنَّمَا أَرَادَ - وَ اللَّهُ أَعْلَمُ - الْعِلْمَ الْعَامَّ الَّذِي لَا يَسَعُ الْبَالِغَ الْعَاقِلَ جَهْلُهُ , أَوْ عِلْمَ مَا يَنْوِيهُ خَاصَّةً , أَوْ أَرَادَ أَنَّهُ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حَتَّى يَقُومَ بِهِ مَن فِيهِ الْكِفَايَةُ .

وقال ابْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَجُلٍ مِن أَهْلِ الْجَنَّةِ سَأَلَهُ عَن طَلَبِ الْعِلْمِ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ يَحْسُنُ , لَكِنِ انْظُرِ الَّذِي يَلْزَمُكَ مِن حِينِ تُصْبِحُ حَتَّى تُمْسِيَ , وَمِن حِينِ تُمْسِي حَتَّى تُصْبِحَ , فَالْزَمْهُ , وَلَا تُؤْثِرَنَّ عَلَيْهِ شَيْئًا.

وقَالَ حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ: سَأَلْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ قُلْتُ:"طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ"أَيُّ شَيْءٍ تَفْسِيرُهُ ؟ قَالَ: لَيْسَ هُوَ الَّذِي يَطْلُبُونَ إِنَّمَا طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ , أَيْ يَقَعُ الرَّجُلُ فِي شَيْءٍ مِن أَمْرِ دِينِهِ , فَيَسْأَلُ عَنهُ حَتَّى يَعْلَمَهُ"."

ــــــــــــــــ

(1) - المدخل إلى السنن الكبرى - (ج 1 / ص 234) باب العلم العام الذي لا يسع البالغ العاقل جهله

(2) - صحيح البخارى (1458،1395 ، 1496 ، 2448 ، 4347 ، 7371 ، 7372 ) - الكرائم: جمع كريمة وهى خيار المال وأفضله

(3) - صحيح مسلم (102) - الأُنف: المستأنف الذى لم يسبق به قدر- يتقفر: يطلب ويتتبع ويجمع

(4) - صحيح البخارى (523) ومسلم (124)

(5) - صحيح البخارى (18)

(6) - صحيح البخارى (5578 ) ومسلم (211 )

هَذَا الْحَدِيث مِمَّا اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَعْنَاهُ . فَالْقَوْلُ الصَّحِيحُ الَّذِي قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّ مَعْنَاهُ: لَا يَفْعَل هَذِهِ الْمَعَاصِي وَهُوَ كَامِل الْإِيمَان . وَهَذَا مِنْ الْأَلْفَاظ الَّتِي تُطْلَق عَلَى نَفْيِ الشَّيْء وَيُرَاد نَفْي كَمَالِهِ وَمُخْتَاره كَمَا يُقَال: لَا عِلْم إِلَّا مَا نَفَعَ ، وَلَا مَال إِلَّا الْإِبِل ، وَلَا عَيْش إِلَّا عَيْش الْآخِرَة . وَإِنَّمَا تَأَوَّلْنَاهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ لِحَدِيثِ أَبِي ذَرّ وَغَيْره"مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه دَخَلَ الْجَنَّة وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ"وَحَدِيث عُبَادَةَ بْن الصَّامِت الصَّحِيح الْمَشْهُور أَنَّهُمْ بَايَعُوهُ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى أَنْ لَا يَسْرِقُوا وَلَا يَزْنُوا ، وَلَا يَعْصُوا إِلَى آخِره . ثُمَّ قَالَ لَهُمْ - صلى الله عليه وسلم -"فَمَنْ وَفَّى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّه ، وَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَته ، وَمَنْ فَعَلَ وَلَمْ يُعَاقَب فَهُوَ إِلَى اللَّه تَعَالَى إِنْ شَاءَ عَفَا عَنهُ ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ"فَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ مَعَ نَظَائِرهمَا فِي الصَّحِيح مَعَ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} مَعَ إِجْمَاع أَهْل الْحَقّ عَلَى أَنَّ الزَّانِيَ وَالسَّارِقَ وَالْقَاتِلَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ أَصْحَاب الْكَبَائِر غَيْر الشِّرْك ، لَا يَكْفُرُونَ بِذَلِكَ ، بَلْ هُمْ مُؤْمِنُونَ نَاقِصُو الْإِيمَان . إِنْ تَابُوا سَقَطَتْ عُقُوبَتهمْ ، وَإِنْ مَاتُوا مُصِرِّينَ عَلَى الْكَبَائِر كَانُوا فِي الْمَشِيئَة . فَإِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى عَفَا عَنهُمْ وَأَدْخَلَهُمْ الْجَنَّة أَوَّلًا ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ ، ثُمَّ أَدْخَلَهُمْ الْجَنَّة . وَكُلّ هَذِهِ الْأَدِلَّة تَضْطَرُّنَا إِلَى تَأْوِيل هَذَا الْحَدِيث وَشِبْهِهِ . ثُمَّ إِنَّ هَذَا التَّأْوِيل ظَاهِرٌ سَائِغ فِي اللُّغَة مُسْتَعْمَلٌ فِيهَا كَثِير . وَإِذَا وَرَدَ حَدِيثَانِ مُخْتَلِفَانِ ظَاهِرًا وَجَبَ الْجَمْع بَيْنهمَا . وَقَدْ وَرَدَا هُنَا فَيُجِبْ الْجَمْع وَقَدْ جَمَعْنَا . شرح النووي على مسلم - (ج 1 / ص 148)

(7) - صحيح البخارى (2766 )

(8) - المستدرك للحاكم (197 و7666 ) وهو حديث حسن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت