فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 164

قال ابن عليش:" ( وَسُئِلَ ) بَعْضُهُمْ هَلْ يَجُوزُ التَّقْلِيدُ مُطْلَقًا أَوْ فِيهِ تَفْصِيلٌ ؟"

فَأَجَابَ الْفَقِيهُ الصَّالِحُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ السُّنُوسِيَُّ بِمَا نَصُّهُ:

"اعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ بِاعْتِبَارِ التَّقْلِيدِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: مُجْتَهِدٌ اجْتَهَدَ حَتَّى ظَنَّ أَنَّ الْحُكْمَ كَذَا وَمُجْتَهِدٌ تَيَسَّرَ عَلَيْهِ النَّظَرُ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَنْظُرْ وَعَالِمٌ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الِاسْتِبْدَادِ بِالنَّظَرِ لِنَفْسِهِ إلَّا أَنَّهُ إذَا بُيِّنَتْ لَهُ أَدِلَّةُ الْأَقْوَالِ فَهِمَ الرَّاجِحَ مِنهَا مِن الْمَرْجُوحِ , وَعَامِّيٌّ مَحْضٌ."

أَمَّا الْمُجْتَهِدُ الَّذِي ظَنَّ الْحُكْمَ بِاجْتِهَادِهِ فَلَا خَفَاءَ أَنَّ التَّقْلِيدَ فِي حَقِّهِ مُحَرَّمٌ .

وَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ الَّذِي هُوَ بِصِفَاتِ الِاجْتِهَادِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَنْظُرْ فَالْأَكْثَرُ عَلَى تَحْرِيمِ التَّقْلِيدِ فِي حَقِّهِ لِتَمَكُّنِهِ مِن الِاجْتِهَادِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ التَّقْلِيدِ وَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَن الْأَصْلِ الْمُمْكِنِ إلَى بَدَلِهِ كَالْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ , وَعَن هَذَا وَقَعَ قَوْلُهُمْ الْقُدْرَةُ عَلَى الِاجْتِهَادِ تَمْنَعُ التَّقْلِيدَ ،وَقِيلَ يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِالْحُكْمِ فِي الْحَالِ صَارَ كَغَيْرِ الْمُجْتَهِدِ الَّذِي يَجُوزُ فِي حَقِّهِ التَّقْلِيدُ . وَثَالِثُهَا: يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِي حَقِّ الْقَاضِي لِحَاجَتِهِ إلَى تَنْجِيزِ فَصْلِ الْخُصُومَاتِ وَقَطْعِ مَوَادِّ النِّزَاعِ فِي الْحَالِ لِأَنَّ بَقَاءَهَا يُفْضِي إلَى الْفَسَادِ دِينًا وَدُنْيَا بِخِلَافِ غَيْرِهِ . وَرَابِعُهَا: يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ لِمَن هُوَ أَعْلَمُ مِنهُ لِظُهُورِ رُجْحَانِهِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْمُسَاوِي وَالْأَدْنَى . وَخَامِسُهَا: يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ عِنْدَ ضِيقِ الِاحْتِيَاجِ إلَى حُكْمِهَا كَصَلَاةٍ مُؤَقَّتَةٍ فِي آخِرِ وَقْتِهَا بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَضِقْ . وَسَادِسُهَا: يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيمَا يَخُصُّهُ دُونَ مَا يُفْتِي بِهِ غَيْرُهُ ، لِأَنَّ غَرَضَ الْمُسْتَفْتَى الَّذِي عُرِفَ مِنهُ الِاجْتِهَادُ رَأْيُهُ لَا رَأْيَ غَيْرِهِ .

وَأَمَّا الْعَالِمُ الَّذِي لَمْ يَصِلْ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ وَالْعَامِّيُّ الْمَحْضُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُمَا تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِ لقوله تعالى { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمَا الْتِزَامُ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ مِن مَذَاهِبِ الْمُجْتَهِدِينَ يُعْتَقَدُ أَنَّهُ أَرْجَحُ مِن غَيْرِهِ أَوْ مُسَاوٍ وَيَنْبَغِي لَهُمَا فِي الْمُسَاوِي السَّعْيُ فِي رُجْحَانِهِ لِيَتَّجِهَ لَهُمَا اخْتِيَارُهُ عَلَى غَيْرِهِ ثُمَّ اُخْتُلِفَ بَعْدَ الْتِزَامِ الْمُقَلِّدِ مَذْهَبًا مُعَيَّنًا هَلْ لَهُ الْخُرُوجُ مِنهُ إلَى غَيْرِهِ مِن مَذَاهِبِ الْمُجْتَهِدِينَ؟.

فَقِيلَ: لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ وَأَنَّهُ يَجِبُ الْتِزَامُهُ بِعَيْنِهِ، وَقِيلَ:يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ مِنهُ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ مَا لَا يَلْزَمُهُ، وَثَالِثُهَا الْفَرْقُ فَيَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ فِيمَا لَمْ يَعْمَلْ بِهِ وَلَا يَجُوزُ فِيمَا عَمِلَ بِهِ , وَقِيلَ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ بَدْءًا الْتِزَامُ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ فِيمَا يَنْزِلُ بِهِ بِهَذَا الْمَذْهَبِ تَارَةً وَبِغَيْرِهِ أُخْرَى ،وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُمْتَنَعُ تَتَبُّعُ الرُّخَصِ فِي الْمَذَاهِبِ بِأَنْ يَأْخُذَ مِنهَا مَا هُوَ الْأَهْوَنُ فِيمَا يَقَعُ مِن الْمَسَائِلِ، وَقِيلَ: لَا يُمْتَنَعُ ، وَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِتَفْسِيقِ مُتَتَبِّعِ الرُّخَصِ .

أَمَّا التَّقْلِيدُ فِي الرُّخْصَةِ مِن غَيْرِ تَتَبُّعٍ بَلْ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ خَوْفَ فِتْنَةٍ وَنَحْوِهَا فَلَهُ ذَلِكَ، وَالْأَصَحُّ عَلَى صِحَّةِ تَقْلِيدِ الْمُجْتَهِدِ وَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لِلْمُقَلِّدِ صِحَّةُ اجْتِهَادِهِ بِأَنْ تَبَيَّنَ لَهُ مُسْتَنَدُهُ فِيمَا قَلَّدَهُ فِيهِ التَّقْلِيدُ مُطْلَقًا , وَقِيلَ لَا يَجُوزُ لِلْمُقَلِّدِ تَقْلِيدُ مُجْتَهِدٍ فِي نَازِلَةٍ حَتَّى يَتَّضِحَ لَهُ مُسْتَنَدُ مَن أَرَادَ تَقْلِيدَهُ فِي الْحُكْمِ لِيَسْلَمَ بِذَلِكَ مِن اتِّبَاعِ الْخَطَأِ الْجَائِزِ عَلَيْهِ ،وَثَالِثُهَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْعَامِّيِّ الْمَحْضِ فَيَجُوزُ تَقْلِيدُهُ وَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ صِحَّةُ اجْتِهَادِ مُقَلِّدِهِ، وَبَيْنَ الْعَالِمِ الَّذِي لَمْ يَصِلْ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ فَلَا يَصِحُّ تَقْلِيدُهُ لِمُجْتَهِدٍ فِي نَازِلَةٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ صِحَّةُ اجْتِهَادِهِ فِيهَا لِتَمَكُّنِهِ مِن فَهْمِ مُسْتَنَدَاتِ الْأَحْكَامِ إذَا بُيِّنَتْ لَهُ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَجُوزُ لِلْمُفْتِي إذَا سُئِلَ عَن نَازِلَةٍ أَنْ يَذْكُرَ حُكْمَهَا مُجَرَّدًا عَن الدَّلِيلِ , وَعَلَى الثَّانِي لَا بُدَّ مِن ذِكْرِ الدَّلِيلِ , وَعَلَى الثَّالِثِ يَنْظُرُ فِي حَالِ السَّائِلِ هَلْ هُوَ عَامِّيٌّ أَوْ عَالِمٌ , وَعَلَى الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ جَرَى الْعَمَلُ.

وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا هَلْ لِلْمُقَلِّدِ أَنْ يُقَلِّدَ الْمَفْضُولَ؟.

فَالْأَكْثَرُ عَلَى جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمَفْضُولِ مُطْلَقًا أَعْنِي فِي حَقِّ مَن اعْتَقَدَهُ مَفْضُولًا أَوْ لَا وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ تَقْلِيدُ الْأَفْضَلِ لِأَنَّهُ أَرْجَحُ , وَثَالِثُهَا الْمُخْتَارُ يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمَفْضُولِ فِي حَقِّ مَن لَمْ يَعْتَقِدْهُ مَفْضُولًا بَل اعْتَقَدَهُ مُسَاوِيًا لِغَيْرِهِ أَوْ أَفْضَلَ، وَعَلَى الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ فَلَا يَجِبُ عَلَى مُقَلِّدِ الْبَحْثِ عَن الْأَرْجَحِ عَلَى الثَّانِي يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْبَحْثُ عَن الْأَرْجَحِ لِامْتِنَاعِ تَقْلِيدِهِ غَيْرَهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ عَلَيْهِ , فَالرَّاجِحُ عِلْمًا مُقَدَّمٌ عَلَى الرَّاجِحِ وَرَعًا عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّ لِزِيَادَةِ الْعِلْمِ تَأْثِيرًا فِي الِاجْتِهَادِ بِخِلَافِ زِيَادَةِ الْوَرَعِ بِهَا تَأْثِيرٌ فِي التَّثَبُّتِ فِي الِاجْتِهَادِ وَالنَّظَرِ بِخِلَافِ زِيَادَةِ الْعِلْمِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِالتَّسَاوِي بَيْنَهُمَا لِأَنَّ لِكُلِّ مُرَجِّحًا، فَإِذَا عَرَفْت هَذَا كُلَّهُ اسْتَبَانَ لَك أَنَّ خُرُوجَ الْمُقَلِّدِ مِن الْعَمَلِ بِالْمَشْهُورِ إلَى الْعَمَلِ بِالشَّاذِّ الَّذِي فِيهِ رُخْصَةٌ مِن غَيْرِ تَتَبُّعٍ لِلرُّخَصِ صَحِيحٌ عِنْدَ كُلِّ مَن قَالَ بِعَدَمِ لُزُومِ تَقْلِيدِ الْأَرْجَحِ ،وَيُبَاحُ لِلْمُقَلِّدِ أَنْ يُقَلِّدَ مَن شَاءَ مِن أَقْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ وَإِنْ نَقْلَ الْإِجْمَاعِ عَلَى مَنعِ ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا قِيلَ إنَّ لِلْمُجْتَهِدِ الَّذِي لَمْ يَجْتَهِدْ أَنْ يُقَلِّدَ مَن شَاءَ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَعْلَمَ مِنهُ وَقِيلَ أَيْضًا فِي الْمُقَلِّدِ بَعْدَ الْتِزَامِ مَذْهَبِ إمَامٍ مُعَيَّنٍ وَعَمِلَ بِقَوْلِهِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ عَن تَقْلِيدِهِ إلَى تَقْلِيدِ غَيْرِهِ فَكَيْفَ يُمْنَعُ مُقَلِّدٌ مُتَمَكِّنٌ مِن النَّظَرِ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يَلْتَزِمْ مَذْهَبَ إمَامٍ مُعَيَّنٍ مِن تَقْلِيدِ مَن شَاءَ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَلْتَزِمَ مَذْهَبَ إمَامٍ مُعَيَّنٍ فَهُوَ لَمْ يَخْرُجْ عَنهُ بِتَقْلِيدِهِ الشَّاذِّ مِن أَقْوَالِ مَذْهَبِهِ الْجَارِيَةِ كُلِّهَا عَلَى أُصُولِ إمَامِهِ بِحَسَبِ مَقَاصِدِ قَائِلِهَا"."

ــــــــــــــــ

(1) - فتاوى ابن عليش - (ج 1 / ص 58)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت