إن الشروط التي يجب أن تتوافر في الشخص ليكون عالمًا شرعيًا تتمثل فيما يأتي:
1)- إخلاص النية لله تعالى، لقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} (5) سورة البينة
2)- العلم بنصوص الكتاب والسُّنَّة ولا يلزم الإحاطة بها، ولكن يلزم أن تكون له القدرة على معرفة مظان فقه نصوص الكتاب والسُّنَّة ليرجع إليها عند الحاجة.
3)-أن يكون عالمًا بمسائل الإجماع.
4)- أن يكون عالمًا بلسان العرب، ولا يشترط الحفظ عن ظهر قلب، بل المعتبر أن يكون متمكنًا من استخراجها من مؤلفات الأئمة المعروفين.
5)- أن يكون عالمًا بأصول الفقه، وهو من أهم العلوم.
6)- أن يكون عارفًا بالناسخ والمنسوخ.
7)- أن يكون قد تلقَّى العلم على يد أهل العلم المعتبرين، لأن هذا أضبط للعلم، وأبعد عن التخبط والتناقض.
8)- أن يبدأ بقراءة كتب العلم الهامة قراءة دقيقة ،ثم يقوم بتلخيص ما قرأ ، حتى يتمكن من الحفظ ، قال تعالى: { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِن عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) } [العلق/1-6] .
9)- أن لا يعتمد على السماع وحده ، فقد تخونه الذاكرة ، وقد يكون فهمه غير دقيق لما سمع ، فالتدوين لا بد منه ، فعَن عَمْرِو بْنِ أَبِى سُفْيَانَ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: قَيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابِ" [2] ."
وأما آدابه: فلِطَالِبِ الْعِلْمِ آدَابٌ كَثِيرَةٌ نَذْكُرُ مِنهَا مَا يَلِي:
-1 - يَنْبَغِي لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يُطَهِّرَ قَلْبَهُ مِنَ الأَْدْنَاسِ ، لِيَصْلُحَ لِقَبُول الْعِلْمِ وَحِفْظِهِ وَاسْتِثْمَارِهِ . عَن عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « الْحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ، فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِيِنِهِ وَعِرْضِهِ ، وَمَنْ وَقَعَ فِى الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى ، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ . أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى ، أَلاَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِى أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ ، أَلاَ وَإِنَّ فِى الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ . أَلاَ وَهِىَ الْقَلْبُ » [3]
وَقَالُوا: تَطْبِيبُ الْقَلْبِ لِلْعِلْمِ كَتَطْبِيبِ الأَْرْضِ لِلزِّرَاعَةِ .
-2 - يَنْبَغِي لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَقْطَعَ الْعَلاَئِقَ الشَّاغِلَةَ عَن كَمَال الاِجْتِهَادِ فِي التَّحْصِيل وَيَرْضَى بِالْيَسِيرِ مِنَ الْقُوتِ ، وَيَصْبِرَ عَلَى ضِيقِ الْعَيْشِ ، وَأَنْ يَتَوَاضَعَ لِلْعِلْمِ وَالْمُعَلِّمِ ، فَبِتَوَاضُعِهِ يَنَال الْعِلْمَ ، قَال الشَّافِعِيُّ [4] : لاَ يَطْلُبُ أَحَدٌ هَذَا الْعِلْمَ بِالْمُلْكِ وَعِزِّ النَّفْسِ فَيُفْلِحُ ، وَلَكِنْ مَنْ طَلَبَهُ بِذُل النَّفْسِ وَضِيقِ الْعَيْشِ وَخِدْمَةِ الْعُلَمَاءِ أَفْلَحَ [5] .
-3 - أَنْ يَنْقَادَ لِمُعَلِّمِهِ وَيُشَاوِرَهُ فِي أُمُورِهِ وَيَأْتَمِرَ بِأَمْرِهِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ لِمُعَلِّمِهِ بِعَيْنِ الاِحْتِرَامِ ، وَيَعْتَقِدَ كَمَال أَهْلِيَّتِهِ وَرُجْحَانَهِ عَلَى أَكْثَرِ طَبَقَتِهِ فَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى انْتِفَاعِهِ بِهِ وَرُسُوخِ مَا سَمِعَهُ مِنهُ فِي ذِهْنِهِ .
-4 - أَنْ يَتَحَرَّى رِضَا الْمُعَلِّمِ وَإِنْ خَالَفَ رَأْيَ نَفْسِهِ ، وَلاَ يَغْتَابَ عِنْدَهُ ، وَلاَ يُفْشِيَ لَهُ سِرًّا ، وَأَنْ يَرُدَّ غَيْبَتَهُ إِذَا سَمِعَهَا ، فَإِنْ عَجَزَ فَارَقَ ذَلِكَ الْمَجْلِسَ ، وَأَلاَّ يَدْخُل عَلَيْهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ ، وَأَنْ يَدْخُل كَامِل الأَْهْلِيَّةِ فَارِغَ الْقَلْبِ مِنَ الشَّوَاغِل مُتَطَهِّرًا مُتَنَظِّفًا ، وَيُسَلِّمَ عَلَى الْحَاضِرِينَ كُلِّهِمْ ، يَخُصُّ الْمُعَلِّمَ بِزِيَادَةِ إِكْرَامٍ .
-5 - أَنْ يَجْلِسَ حَيْثُ انْتَهَى بِهِ الْمَجْلِسُ إِذَا حَضَرَ إِلَى الدَّرْسِ ، وَلاَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلاَّ أَنْ يُصَرِّحَ لَهُ الشَّيْخُ أَوِ الْحَاضِرُونَ بِالتَّقَدُّمِ ، وَلاَ يَجْلِسَ وَسَطَ الْحَلْقَةِ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ ، وَلاَ بَيْنَ صَاحِبَيْنِ إِلاَّ بِرِضَاهُمَا ، وَأَنْ يَحْرِصَ عَلَى الْقُرْبِ مِنَ الشَّيْخِ لِيَفْهَمَ كَلاَمَهُ فَهْمًا كَامِلًا بِلاَ مَشَقَّةٍ .
-6 - أَنْ يَتَأَدَّبَ مَعَ رُفْقَتِهِ وَحَاضِرِي الدَّرْسِ ، وَلاَ يَرْفَعَ صَوْتَهُ رَفْعًا بَلِيغًا مِن غَيْرِ حَاجَةٍ ، وَلاَ يَضْحَكَ وَلاَ يُكْثِرَ الْكَلاَمَ بِلاَ حَاجَةٍ ، وَلاَ يَعْبَثَ بِيَدِهِ وَلاَ غَيْرِهَا ، وَلاَ يَلْتَفِتَ بِلاَ حَاجَةٍ ، وَلاَ يَسْبِقَ الشَّيْخَ إِلَى شَرْحِ مَسْأَلَةٍ أَوْ جَوَابِ سُؤَالٍ إِلاَّ أَنْ يَعْلَمَ مِن حَال الشَّيْخِ إِيثَارَ ذَلِكَ .
-7 - يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَرِيصًا عَلَى التَّعَلُّمِ مُوَاظِبًا عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِهِ ، لَيْلًا وَنَهَارًا حَضَرًا وَسَفَرًا ،،وَلاَ يُذْهِبُ مِن أَوْقَاتِهِ شَيْئًا فِي غَيْرِ الْعِلْمِ إِلاَّ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ لأَِكْلٍ وَنَوْمٍ قَدْرًا - لاَ بُدَّ مِنهُ - وَنَحْوِهِمَا مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ .، وَأَنْ تَكُونَ هِمَّتُهُ عَالِيَةً فَلاَ يَرْضَى بِالْيَسِيرِ مَعَ إِمْكَانِ الْكَثِيرِ ، وَأَنْ لاَ يُسَوِّفَ فِي اشْتِغَالِهِ ، وَلاَ يُؤَخِّرَ تَحْصِيل فَائِدَةٍ ، لَكِنْ لاَ يُحَمِّل نَفْسَهُ مَا لاَ تُطِيقُ مَخَافَةَ الْمَلَل ، وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ النَّاسِ .
-8- أَنْ يَعْتَنِيَ بِتَصْحِيحِ دَرْسِهِ الَّذِي يَتَعَلَّمُهُ تَصْحِيحًا مُتْقَنًا عَلَى الشَّيْخِ ، ثُمَّ يَحْفَظَ حِفْظًا مُحْكَمًا ، وَيَبْدَأَ دَرْسَهُ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ وَالصَّلاَةِ عَلَى رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَالدُّعَاءِ لِلْعُلَمَاءِ وَمَشَايِخِهِ ، وَيُدَاوِمَ عَلَى تَكْرَارِ مَحْفُوظَاتِهِ [6] .
-9- وَلْيَحْذَرِ الْمُتَعَلِّمُ الْبَسْطَ عَلَى مَنْ يُعَلِّمُهُ وَإِنْ آنَسَهُ ، وَالإِْدْلاَل عَلَيْهِ وَإِنْ تَقَدَّمَتْ صُحْبَتُهُ ، وَلاَ يُظْهِرُ لَهُ الاِسْتِكْفَاءَ مِنهُ وَالاِسْتِغْنَاءَ عَنهُ ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ كُفْرًا لِنِعْمَتِهِ وَاسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِ .
-10- وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ تَبْعَثَهُ مَعْرِفَةُ الْحَقِّ لِلْمُعَلِّمِ عَلَى قَبُول الشُّبْهَةِ مِنهُ ، وَلاَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعَنِّتَ مُعَلِّمَهُ بِالسُّؤَال ، وَلاَ يَدْعُوهُ تَرْكُ الإِْعْنَاتِ لِلْمُعَلِّمِ إِلَى التَّقْلِيدِ فِيمَا أَخَذَ عَنهُ . وَلَيْسَتْ كَثْرَةُ السُّؤَال فِيمَا الْتَبَسَ إِعْنَاتًا ، وَلاَ قَبُول مَا صَحَّ فِي النَّفْسِ تَقْلِيدًا [7] .
إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يُلِحُّ فِي السُّؤَال إِلْحَاحًا مُضْجِرًا ، وَيَغْتَنِمُ سُؤَالَهُ عِنْدَ طِيبِ نَفْسِهِ وَفَرَاغِهِ ، وَيَتَلَطَّفُ فِي سُؤَالِهِ وَيُحْسِنُ خِطَابَهُ [8] .
-11- وَلْيَأْخُذِ الْمُتَعَلِّمُ حَظَّهُ مِمَّنْ وَجَدَ طَلَبَتَهُ عِنْدَهُ مِن نَبِيهٍ وَخَامِلٍ ، وَلاَ يَطْلُبُ الصِّيتَ وَحُسْنَ الذِّكْرِ بِاتِّبَاعِ أَهْل الْمَنَازِل مِنَ الْعُلَمَاءِ ، إِذَا كَانَ النَّفْعُ بِغَيْرِهِمْ أَعَمَّ ، إِلاَّ أَنْ يَسْتَوِيَ النَّفْعَانِ فَيَكُونُ الأَْخْذُ عَمَّنِ اشْتَهَرَ ذِكْرُهُ وَارْتَفَعَ قَدْرُهُ أَوْلَى ، لأَِنَّ الاِنْتِسَابَ إِلَيْهِ أَجْمَل وَالأَْخْذَ عَنهُ أَشْهَرُ [9] .
-12- وَمِن آدَابِ الْمُتَعَلِّمِ: الْحِلْمُ وَالأَْنَاةُ ، وَأَنْ تَكُونَ هِمَّتُهُ عَالِيَةً ، فَلاَ يَرْضَى بِالْيَسِيرِ مَعَ إِمْكَانِ كَثِيرٍ ، وَأَنْ لاَ يُسَوِّفَ فِي اشْتِغَالِهِ وَلاَ يُؤَخِّرَ تَحْصِيل فَائِدَةٍ ، وَإِنْ قَلَّتْ: إِذَا تَمَكَّنَ مِنهَا ، وَإِنْ أَمَل حُصُولَهَا بَعْدَ سَاعَةٍ ، لأَِنَّ لِلتَّأْخِيرِ آفَاتٍ ، وَلأَِنَّ فِي الزَّمَنِ الثَّانِي يَحْصُل غَيْرُهَا" [10] "
ــــــــــــــــ
(1) - فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 3 / ص 5663) -رقم الفتوى 19384 أهم الخصال المطلوبة لمن أراد تحصيل العلم الشرعي- تاريخ الفتوى: 08 جمادي الأولى 1423 و الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 28 / ص 335)
(2) - سنن الدارمى (506) صحيح ، وورد مرفوعًا
(3) - صحيح البخارى (52 ) ومسلم (4178 )
(4) - الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (823 )
(5) - المجموع للنووي 1 / 64 ، والمدخل لابن الحاج 2 / 124 ط الحلبي .
(6) - المجموع للنووي 1 / 35 وما بعدها ( ط . المكتبة السلفية المدينة المنورة ) تذكرة السامع والمتكلم 67 وما بعدها ( ط . جمعية دائرة المعارف العثمانية 1353 هـ ) ، إحياء علوم الدين 1 / 55 ( ط . مصطفى الحلبي 1939 م ) .
(7) - المجموع 1 / 36 ط المنيرية ، وإحياء علوم الدين 1 / 50 ، وكتاب أدب الدنيا والدين للماوردي ص 32 ـ 34 ، وكتاب تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم لابن جامعة ص 86 ط حيد أباد 1353 هـ .
(8) - المجموع 1 / 37 .
(9) - كتاب أدب الدنيا والدين ص 34 .
(10) - المجموع 1 / 37 ، 38 .