قال ابن حجر الهيتمي جوابا على هذا السؤال:"الَّذِي تَحَرَّرَ أَنَّ تَقْلِيدَ غَيْرِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ لَا يَجُوزُ فِي الْإِفْتَاءِ وَلَا فِي الْقَضَاءِ، وَأَمَّا فِي عَمَلِ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ فَيَجُوزُ تَقْلِيدُهُ لِغَيْرِ الْأَرْبَعَةِ مِمَّنْ يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ لَا كَالشِّيعَةِ وَبَعْضِ الظَّاهِرِيَّةِ ،وَيُشْتَرَطُ مَعْرِفَتُهُ بِمَذْهَبِ الْمُقَلَّدِ بِنَقْلِ الْعَدْلِ عَنْ مِثْلِهِ وَتَفَاصِيلِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ أَوْ الْمَسَائِلِ الْمُقَلِّدِ فِيهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا عَلَى مَذْهَبِ ذَلِكَ الْمُقَلَّدِ وَعَدَمِ التَّلْفِيقِ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَضُمَّ إلَيْهَا أَوْ إلَى بَعْضِهَا تَقْلِيدَ غَيْرِ ذَلِكَ الْإِمَامِ، لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ تَلْفِيقَ التَّقْلِيدِ كَتَقْلِيدِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي عَدَمِ نَجَاسَةِ الْكَلْبِ وَالشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْهُ فِي مَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ فَمُمْتَنِعٌ اتِّفَاقًا، بَلْ قِيلَ إجْمَاعًا، وَإِذَا وُجِدَتْ شُرُوطُ التَّقْلِيدِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَغَيْرُهَا مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ فِي مَحَلِّهِ فَعِبَادَاتُ الْمُقَلِّدِ وَمُعَامَلَتُهُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى ذَلِكَ صَحِيحَةٌ، وَإِلَّا فَلَا وَيَأْثَمُ بِذَلِكَ فَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ فَوْرًا ، وَلَا يُشْتَرَطُ مُوَافَقَةُ اجْتِهَادِ ذَلِكَ الْمُقَلِّدِ لِأَحَدِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَلَا نَقْلُ مَذْهَبِهِ تَوَاتُرًا كَمَا أَشَرْتُ إلَيْهِ وَلَا تَدْوِينُ مَذْهَبِهِ عَلَى اسْتِقْلَالِهِ، بَلْ يَكْفِي أَخْذُهُ مِنْ كُتُبِ الْمُخَالِفِينَ الْمَوْثُوقِ بِهَا الْمُعَوَّلِ عَلَيْهَا وَكَلَامُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا تَقَرَّرَ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ لَا يُخَالِفُهُ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ".
وقال الإمام الذهبي:"قَالَ إِسْحَاقُ بنُ رَاهَوَيْه: إِذَا اجْتَمَعَ الثَّوْرِيُّ، وَالأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ عَلَى أَمرٍ فَهُوَ سُنَّةٌ."
قُلْتُ: بَلِ السُّنَّةُ: مَا سَنَّهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالخُلَفَاءُ الرَّاشِدُوْنَ مِنْ بَعْدِهِ، وَالإِجْمَاعُ: هُوَ مَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الأُمَّةِ قَدِيْمًا وَحَدِيْثًا، إِجْمَاعًا ظَنِّيًا أَوْ سُكُوتِيًّا، فَمَنْ شَذَّ عَنْ هَذَا الإِجْمَاعِ مِنَ التَّابِعِيْنَ، أَوْ تَابِعِيْهِم لِقَوْلٍ بِاجْتِهَادِه، احْتُمِلَ لَهُ، فَأَمَّا مَنْ خَالَفَ الثَّلاَثَةَ المَذْكُوْرِيْنَ مِنْ كِبَارِ الأَئِمَّةِ، فَلاَ يُسَمَّى مُخَالِفًا لِلإِجْمَاعِ، وَلاَ لِلسُّنَّةِ، وَإِنَّمَا مُرَادُ إِسْحَاقَ: أَنَّهُم إِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى مَسْأَلَةٍ، فَهُوَ حَقٌّ غَالِبًا، كَمَا نَقُوْلُ اليَوْمَ: لاَ يَكَادُ يُوجَدُ الحَقُّ فِيْمَا اتَّفَقَ أَئِمَّةُ الاجْتِهَادِ الأَرْبَعَةُ عَلَى خِلاَفِه، مَعَ اعْتِرَافِنَا بِأَنَّ اتِّفَاقَهُم عَلَى مَسْأَلَةٍ، لاَ يَكُوْنُ إِجْمَاعَ الأُمَّةِ، وَنَهَابُ أَنْ نَجْزِمَ فِي مَسْأَلَةٍ اتَّفَقُوا عَلَيْهَا، بِأَنَّ الحَقَّ فِي خِلاَفِهَا.
وَمِنْ غَرَائِبِ مَا انْفَرَدَ بِهِ الأَوْزَاعِيُّ: أَنَّ الفَخِذَ لَيْسَتْ فِي الحَمَّامِ عَوْرَةً، وَأَنَّهَا فِي المَسْجِدِ عَوْرَةٌ، وَلَهُ مَسَائِلُ كَثِيْرَةٌ حَسَنَةٌ يَنفَرِدُ بِهَا، وَهِيَ مَوْجُوْدَةٌ فِي الكُتُبِ الكِبَارِ، وَكَانَ لَهُ مَذْهَبٌ مُسْتَقِلٌّ مَشْهُوْرٌ، عَمِلَ بِهِ فُقَهَاءُ الشَّامِ مُدَّةً، وَفُقَهَاءُ الأَنْدَلُسِ، ثُمَّ فَنِيَ." [2] "
قلت: الذي يظهر لي أنه يجوز تقليد غير الأئمة الأربعة ، إذا صحَّت نسبة القول لصاحبه كالصحابة والتابعين ، ولم ينصَّ العلماءُ على إنكاره وشذوذه وانحرافه ،وكان المقلِّدُ يميِّز الغثَّ من السَّمين لا حاطب ليل .
وأمَّا من لم تتوفر فيه هذه الشروط من طلاب العلم ، فلا يجوز له ذلك .
قلت: مثال على ذلك:
الطلاق الثلاث بلفظ واحد:
فللفقهاء آراء ثلاثة في جمع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة وهي [3] :
الأول ـ قول الجمهور منهم أئمة المذاهب الأربعة والظاهرية: يقع به ثلاث طلقات، وهو منقول عن أكثر الصحابة ومنهم الخلفاء الراشدون غير أبي بكر، والعبادلة الأربعة (ابن عمر، وابن عمرو، وابن عباس، وابن مسعود) وأبو هريرة وغيرهم، ومنقول عن أكثر التابعين، لكن لا يسن أن يطلق الرجل أكثر من واحدة عند الحنفية والمالكية كما تقدم؛ لأن طلاق السنة: هو أن يطلقها واحدة ثم يتركها حتى تنقضي عدتها.
الثاني ـ قول الشيعة الإمامية: لا يقع به شيء.
الثالث ـ قول الزيدية وبعض الظاهرية وابن إسحاق وابن تيمية وابن القيم: يقع به واحدة، ولا تأثير للفظ فيه.
وأخذ القانون في مصر وسورية بهذ الرأي، نص القانون السوري على ما يلي:
(م 91) - يملك الزوج على زوجته ثلاث طلقات.
(م 92) - الطلاق المقترن بعدد لفظًا أو إشارة لا يقع إلا واحدًا.
وقد عدلت لجنة الإفتاء بالرياض عن هذا القول واختارت بالأكثرية القول بوقوع الطلاق الثلاث بلفظ واحد ثلاثًا [4] .
ثم ذكر أستاذنا الزحليلي- حفظه الله-أدلة هؤلاء المختلفين وناقشها ، ثم قال بنهايتها:"والذي يظهر لي رجحان رأي الجمهور: وهو وقوع الطلاق ثلاثًا إذا طلق الرجل امرأته دفعة واحدة، لكن إذا رجح الحاكم رأيًا ضعيفًا صار هو الحكم الأقوى، فإن صدر قانون، كما هو الشأن في بعض البلاد العربية بجعل هذا الطلاق واحدة، فلا مانع من اعتماده والإفتاء به، تيسيرًا على الناس، وصونًا للرابطة الزوجية، وحماية لمصلحة الأولاد، خصوصًا ونحن في وقت قل فيه الورع والاحتياط، وتهاون الناس في التلفظ بهذه الصيغة من الطلاق، وهم يقصدون غالبًا التهديد والزجر، ويعلمون أن في الفقه منفذًا للحل، ومراجعة الزوجة." [5]
وكذلك حكم الطلاق المعلق أو اليمين بالطلاق [6] :
اختلف الفقهاء في اليمين بالطلاق أو الطلاق المعلق على ثلاثة أقوال [7] :
كأن يعلق طلاق زوجته على أمر المستقبل، ويوجد المعلق عليه، مثل: إن دخلت الدارفأنت طالق، أو كلمت زيدًا، أو إن قدم فلان من سفره، فأنت طالق. أو يقول لها في العرف الشائع اليوم: علي الطلاق إن ذهبت لبيت أهلك، أو سافرت، أو ولدت أنثى، أو علي الطلاق إن لم أتزوج زوجة أخرى ونحوه.
1 -فقال أئمة المذاهب الأربعة: يقع الطلاق المعلق متى وجد المعلق عليه، سواء أكان فعلًا لأحد الزوجين، أم كان أمرًا سماويًا، وسواء أكان التعليق قسميًا: وهو الحث على فعل شيء أو تركه أو تأكيد الخبر، أم شرطيًا يقصد به حصول الجزاء عند حصول الشرط.
2 -وقال الظاهرية والشيعة الإمامية: اليمين بالطلاق أو الطلاق المعلق إذا وجد المعلق عليه لا يقع أصلًا، سواء أكان على وجه اليمين: وهو ما قصد به الحث على فعل شيء أو تركه أو تأكيد الخبر، أم لم يكن على وجه اليمين: وهو ما قصد به وقوع الطلاق عند حصول المعلق عليه.
3 -وقال ابن تيمية وابن القيم بالتفصيل: إن كان التعليق قسميًا أو على وجه اليمين ووجد المعلق عليه، لا يقع، ويجزيه عند ابن تيمية كفارة يمين إن حنث في يمينه، ولا كفارة عليه عند ابن القيم، وأما إن كان التعليق شرطيًا أو على غير وجه اليمين، فيقع الطلاق عند حصول الشرط.
قال اأستاذنا الزحيلي - حفظه الله-:"وفي تقديري أن القول الأول هو الأصح دليلًا، لكن يلاحظ أن الشبان غالبًا يستخدمون اليمين بالطلاق للتهديد لا بقصد الإيقاع، وهذا يجعلني أميل إلى القول الثالث، لا سيما وقد أخذ به القانون في مصر رقم ( 25 لسنة 1929) ، وفي سورية، نصت المادة الثانية من القانون المصري والمادة (90) من القانون السوري على الأخذ برأي ابن تيمية وابن القيم: «لا يقع الطلاق غير المنجز إذا لم يقصد به إلا الحث على فعل شيء، أو المنع منه، أو استعمل استعمال القسم لتأكيد الإخبار لا غير» " [8] .
ــــــــــــــــ
(1) - الفتاوى الفقهية الكبرى - (ج 10 / ص 183)
(2) - سير أعلام النبلاء (7/116)
(3) - الفقه الإسلامي وأدلته - (ج 9 / ص 383) والمختصر النافع: ص 222، المحلى: 204/10، مسألة 1949. أعلام الموقعين: 41/3-52.
(4) - مجلة البحوث الإسلامية ـ المجلد الأول ـ العدد الثالث، عام 1397 هـ ، ص 165 وما بعدها.
(5) - الفقه الإسلامي وأدلته - (ج 9 / ص 389)
(6) - الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 7 / ص 272) والفقه الإسلامي وأدلته - (ج 9 / ص 421)
(7) - فتح القدير: 76/4 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص231، مغني المحتاج: 314/3 ومابعدها، المغني: 178/7 ومابعدها، المحلى: 258/10 ومابعدها، مسألة 1969، المختصر النافع من فقه الإمامية: ص222، أعلام الموقعين: 66/3 ومابعدها، مقارنة المذاهب للأستاذين شلتوت والسايس: ص108 ومابعدها.
(8) - الفقه الإسلامي وأدلته - (ج 9 / ص 424)