فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 164

المبحث الثالث والعشرون- الفرق بين المجتهد المطلق ومجتهد المذهب ومجتهد الفتوى والمقلد المحض[1]

قال ابن عابدين نقلا عن ابن كمال باشا: الفقهاء على سبع طبقات [2] :

الأولى: طبقة المجتهدين في الشرع؛ كالأئمة الأربعة ومن سلك مسلكهم في تأسيس قواعد الأصول واستنباط أحكام الفروع عن الأدلة الأربعة ، من غير تقليد لأحد ، لا في الفروع ولا في الأصول .

الثانية: طبقات المجتهدين في المذهب؛ كأبي يوسف ، ومحمد ، وسائر أصحاب أبي حنيفة القادرين على استخراج الأحكام عن الأدلة المذكورة على حسب القواعد التي قررها أستاذهم ، فإنهم وإن خالفوه في بعض أحكام الفروع لكنهم يقلدونه في قواعد الأصول .

الثالثة: طبقة المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب؛ كالخصاف ، وأبي جعفر الطحاوي -إلى أن قال-: فإنهم لا يقدرون على مخالفة الإمام ، لا في الأصول ولا في الفرع ، لكنهم يستنبطون الأحكام من المسائل التي لا نص فيها عنه على حسب أصول قررها ومقتضى قواعد بسطها .

الرابعة: طبقة أصحاب التخريج من المقلدين؛ كالرازي وأضرابه ، فإنهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلا ، لكنهم لإحاطتهم بالأصول وضبطهم المأخذ يقدرون على تفصيل قول مجمل ذي وجهين ، وحكم محتمل لأمرين منقول عن صاحب المذهب ، وعن أحد من أصحابه المجتهدين برأيهم ونظرهم في الأصول والمقاييس على أمثاله ونظائره من الفروع وما وقع في بعض المواضع من الهداية من قوله كذا في تخريج الكرخي وتخريج الرازي من هذا القبيل .

الخامسة: طبقة أصحاب التخريج من المقلدين؛ كأبي الحسن القدوري ، وصاحب الهداية وأمثالهما ، وشأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض آخر بقولهم: هذا أولى ، وهذا أصح رواية ، وهذا أوضح ، وهذا أوفق للقياس ، وهذا أرفق للناس .

السادسة: طبقة المقلدين القادرين على التمييز بين الأقوال والقوي والضعيف وظاهر الرواية وظاهر المذهب والرواية النادرة ، كأصحاب المتون المعتبرة؛ كصاحب [الكنز] ، وصاحب [المختار] ، وصاحب [الوقاية] ، وصاحب [المجمع] ، وشأنهم ألا ينقلوا في كتبهم الأقوال المردودة والروايات الضعيفة .

السابعة: طبقة المقلدين الذين لا يقدرون على ما ذكر ، ولا يفرقون بين الغث والسمين ، ولا يميزون الشمال من اليمين ، بل يجمعون ما يجدون ، كحاطب ليل ، فالويل لمن قلدهم كل الويل .

وقال الآمدي [3] : أما الاجتهاد فهو في اللغة: عبارة عن استفراغ الوسع في تحقيق أمر من الأمور مستلزم للكلفة والمشقة . . ثم قال: وأما في اصطلاح الأصوليين: فمخصوص باستفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحسن من النفس العجز عن المزيد عليه -وبعد أن شرح التعريف قال-: وأما المجتهد: فهو من اتصف بصفة الاجتهاد -وبعد أن ذكر الشرط الأول من شرطي المجتهد المطلق قال- الشرط الثاني: أن يكون عالما عارفا بمدارك الأحكام الشرعية وأقسامها وطرق إثباتها ، ووجوه دلالاتها على مدلولاتها ، واختلاف مراتبها المعتبرة فيها على ما بيناه ، وأن يعرف جهات ترجيحها عند تعارضها وكيفية استثمار الأحكام منها قادرا على تحريرها وتقريرها ، والانفصال من الاعتراضات الواردة عليها . . . إلى أن قال: هذا كله يشترط في حق المجتهد المطلق المتصدي للحكم والفتوى في جميع مسائل الفقه ، وأما الاجتهاد في حكم بعض المسائل فيكفي فيه أن يكون عارفا بما يتعلق بتلك المسألة وما لا بد منه فيها ، ولا يضره جهله في ذلك بما لا تعلق له به مما يتعلق بباقي المسائل الفقهية . كما أن المجتهد المطلق قد يكون مجتهدا في المسائل المستكثرة بالغا رتبة الاجتهاد فيها ، وإن كان جاهلا ببعض المسائل الخارجة عنها فإنه ليس من شرط المفتي أن يكون عالما بجميع أحكام المسائل ومداركها ، فإن ذلك مما لا يدخل تحت وسع البشر .

وقال محمد الأمين الجنكي الشنقيطي ما حاصله [4] : المجتهد المطلق الناظر في الأدلة الشرعية من غير التزام مذهب إمام معين؛ كالأئمة الأربعة ، وأما مجتهد المذهب فهو مجتهد أصوله أصول إمام مذهبه ، سواء كانت منصوصة للإمام المقلد أم مستنبطة من كلامه ، فكثيرا ما يستخرج أهل المذهب الأصول- أي: القواعد وفاقية أو خلافية -من كلام إمامهم وشرطه المحقق له: أن يكون له قدرة على استنباط الأحكام من نصوص ذلك الإمام الملتزم هو له ، كأن يقيس ما سكت عنه على ما نص عليه؛ لوجود معنى ما نص عليه فيه ، سواء نص إمامه على ذلك المعنى أو استنبطه هو من كلامه ، أو كأن يستخرج حكم المسكوت عنه من عموم ذلك أو قاعدة ذكرها ، وأما مجتهد الفتيا فهو المتبحر في مذهب إمامه المتمكن من أن يرجح قولا على قول آخر لم ينص ذلك الإمام على ترجيح واحد منهما ، والمجتهد في المذهب أعلى رتبة من مجتهد الفتوى ، والمقلد هو القائم بحفظ المذهب وفهمه في الواضح والمشكل العارف بعامه وخاصه ، ومطلقه ومقيده ، المستوفي لحفظ ما فيه من الروايات والأقوال ، وعلم خاصها وعامها ، ومطلقها ومقيدها . قال: نحو هذا نقله الخطاب ، وقال: العلم بذلك متعذر ، والظاهر أنه يكفي في ذلك غلبة الظن بأن وجد المسألة في التوضيح ، وفي ابن عبد السلام . انتهى كلامه ، وهذا له أن يفتي في حدود ما نقل مستوفى ، وفيما لا يجده منقولا إن وجد في المنقول معناه ، بحيث يدرك بغير كبير فكر أنه لا فرق وكذا ما يعلم اندراجه تحت قاعدة من مذهبه ، وما ليس كذلك يجب إمساكه عن الفتوى به ، ولا بد أيضا من شدة الفهم وكونه ذا حظ كبير من الفقه .

وقال شيخ الإسلام - ابن تيمية- نقلا عن ابن الصلاح ، وذلك بعد أن ذكر كلاما في المجتهد المطلق يتفق مع ما ذكره الآمدي قال [5] :

وللمفتي المنتسب أحوال أربع:

أحدهما: ألا يكون مقلدا لإمامه ، لا في المذهب ولا في دليله ، وإنما انتسب إليه؛ لسلوك طريقه في الاجتهاد . . إلخ ، وفتوى المنتسبين في هذه الحال في حكم فتوى المجتهد المستقل المطلق يعمل ويعتبر بها في الإجماع والخلاف .

الحال الثانية: أن يكون مجتهدا مقيدا في مذهب إمامه ، يستقل بتقرير مذهبه بالدليل ، غير أنه لا يتجاوز في أدلته أصول إمامه وقواعده ، ولا بد أن يكون عالما بأصول الفقه ، لكنه قد أخل ببعض الأدوات؛ كالحديث واللغة ، فإذا استدل بدليل إمامه لا يبحث عن معارض له ، ولا يستوفي النظر في شروطه ، وقد اتخذ نصوص إمامه أصولا يستنبط منها ، كما يفعل المجتهد المستقل بنصوص الشارع والعامل بفتيا هذا مقلد لإمامه . قال: والذي رأيت من كلام الأئمة يشعر بأن فرض الكفاية لا يتأدى بمثل هذا ، قال: وأقول: يتأدى به فرض الكفاية في الفتوى ، ولا يتأدى به إحياء العلوم التي منها استمداد الفتوى؛ لأنه قائم مقام المطلق والتفريغ على جواز تقليد الميت وهو الصحيح ، وقد يوجد منه الاستقلال في مسألة خاصة ، أو باب خاص ، ويجوز له أن يفتي فيما لم يجده من أحكام الوقائع منصوصا لإمامه بما يخرجه على مذهبه ، هذا هو الصحيح الذي عليه العمل ، وإليه مفزع المفتين من مدد مديدة ، وهو في مذهب إمامه بمنزلة المجتهد في الشريعة ، وهو أقدر والمستفتي فيما يفتيه من تخريجه مقلد لإمامه لا له ، قطع به أبو المعالي ، قال: وأنا أقول: ينبغي أن يخرج هذا على خلاف حكاه أبو إسحاق الشيرازي (في أن ما يخرجه أصحاب الشافعي على مذهبيه هل يجوز أن ينسب إليه أم لا ؟) .

والذي اختاره أبو إسحاق: أنه لا ينسب إليه؛ قال: وتخريجه تارة من نص معين ، وتارة تخريجه على وفق أصوله بأن يجد دليلا من جنس ما يحتج به إمامه ، والأولى إذا وجد نصٌّ بخلافه يسمى ما خرجه: قولا مخرَّجا ، وإن وقع الثاني في مسألة قد قال فيها بعض الأصحاب غير ذلك يسمَّى وجها ، وشرط التخريج أن لا يجد بين المسألتين فارقا ، وإن لم يعلم العلة الجامعة ، كالأمة مع العبد في السراية ، ومهما أمكن الفرق بين المسألتين لم يجز له على الأصح التخريج ، ولزمه تقرير النصين على ظاهرهما ، وكثيرا ما يختلفون في القول بالتخريج في مثل ذلك لاختلافهم في إمكان الفرق .

الحال الثالثة: أن يكون حافظا للمذهب ، عارفا بأدلته ، لكنه قصر عن درجة المجتهدين في المذهب؛ لقصور في حفظه أو تصرفه أو معرفته بأصول الفقه ، وهي مرتبة المصنفين إلى أواخر المائة الخامسة ، قصروا عن الأولين في تمهيد المذهب ، وأما في الفتوى فبسطوا بسط أولئك ، وقاسوا على المنقول والمسطور غير مقتصرين على القياس الجلي وإلغاء الفارق .

الحال الرابعة: أن يحفظ المذهب ويفهمه في واضحات المسائل ومشكلاتها غير أنه مقتصر في تقرير أدلته ، فهذا يعتمد نقله وفتواه في نصوص الإمام وتفريعات أصحابه المجتهدين في مذهبه ، وما لم يجده منقولا؛ فإن وجد في المنقول ما يعلم أنه مثله من غير فصل يمكن ، كالأمة بالنسبة للعبد في سراية العتق ، أو علم اندراجه تحت ضابط منقول ممهد في المذهب- جاز له إلحاقه والفتوى به ، وإلا فلا ، قال: ويندر عدم ذلك ، كما قال أبو المعالي ، بعد أن تقع واقعة لم ينص على حكمها في المذهب ، ولا هو في معنى شيء من المنصوص عليه فيه من غير فرق ، ولا هي مندرجة تحت شيء من ضوابطه ، ولا بد في هذا أن يكون فقيه النفس يصور المسائل على وجهها ، وينقل أحكامها بعد استتمام تصويرها ، جليها وخفيها ، قال: ولا تجوز الفتوى لغير هؤلاء الأصناف في الفقه: أنه يجب عليه الاستفتاء . انتهى .

وقال علي بن سليمان المرداوي ما ملخصه [6] : المجتهد ينقسم إلى أربعة أقسام:

مجتهد مطلق ، ومجتهد في مذهب إمامه أو في مذهب إمام غيره ، ومجتهد في نوع من العلم ، ومجتهد في مسألة أو مسائل .

القسم الأول: المجتهد المطلق ، وهو الذي اجتمعت فيه شروط الاجتهاد التي ذكرها المصنف في آخر كتاب القضاء على ما تقدم هناك ، إذا استقل بإدراك الأحكام الشرعية من الأدلة الشرعية العامة والخاصة وأحكام الحوادث منها ، ولا يتقيد بمذهب أحد ، وقيل يشترط أن يعرف أكثر الفقه ،وكذا ما يتعلق بالاجتهاد من الآيات والآثار وأصول الفقه والعربية وغير ذلك . وقيل: المفتي: من تمكن من معرفة أحكام الوقائع على يسر من غير تعلم آخر .

القسم الثاني: مجتهد في مذهب إمامه أو إمام غيره:

وأحواله أربعة:

الحالة الأولى: أن يكون غير مقلد لإمامه في الحكم والدليل ، لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتوى ، ودعا إلى مذهبه ، وقرأ كثيرا منه على أهله فوجده صوابا وأولى من غيره ، وأشد موافقة فيه وفي طريقه . . . وفتوى المجتهد المذكور كفتوى المجتهد المطلق في العمل بها ، والاعتداد بها في الإجماع والخلاف .

الحالة الثاني: أن يكون مجتهدا في مذهب إمامه ، مستقلا بتقريره بالدليل ، ومضى في الكلام . . . إلى أن قال: والحاصل: أن المجتهد في مذهب إمامه هو الذي يتمكن من التفريع على أقواله ، كما يتمكن المجتهد المطلق من التفريع على كل ما انعقد عليه الإجماع ودلَّ عليه الكتاب والسُّنَّة والاستنباط . فهذه صفة المجتهدين أرباب الأوجه والتخاريج والطرق .

الحالة الثالثة: ألا يبلغ به رتبة أئمة المذهب أصحاب الوجوه والطرق ، غير أنه فقيه النفس ، حافظ لمذهب إمامه ، عارف بأدلته ، قائم بتقريره ونصرته ، يصور ويحرر ، ويمهد ويقوي ، ويزيف ويرجح ، لكنه قصر عن درجة أولئك؛ إما لكونه لم يبلغ في حفظ المذهب مبلغهم ، وإما لكونه غير متبحر في أصول الفقه ونحوه ، على أنه لا يخلو مثله في ضمن ما يحفظه من الفقه ويعرفه من أدلته عن طرف من قواعد أصول الفقه ونحوه ، وإما لكونه مقصرا في غير ذلك من العلوم التي هي أدوات الاجتهاد الحاصل لأصحاب الوجوه والطرق .

وهذه صفة كثير من المتأخرين الذين رتبوا المذاهب وحرروها ، وصنفوا فيها تصانيف ، بها يشتغل الناس اليوم غالبا ، ولم يلحقوا من يخرج الوجوه ويمهد الطرق في المذاهب .

وأما فتاويهم فقد كانوا يستنبطون فيها استنباط أولئك أو نحوه ويقيسون غير المنقول على المنقول والمسطور . . ولا تبلغ فتاويهم فتاوى أصحاب الوجوه . وربما تطرق بعضهم إلى تخريج قول ، واستنباط وجه ، أو احتمال ، وفتاويهم مقبولة .

الحالة الرابعة: أن يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه ، فهذا يعتمد نقله وفتواه به فيما يحكيه من مسطورات مذهبه ، من منصوصات إمامه ، وتفريعات أصحابه المجتهدين في مذهبه وتخريجاتهم . . . ثم إن هذا الفقيه لا يكون إلا فقيه النفس . ويكفي استحضاره أكثر المذهب ، مع قدرته على مطالعة بقيته .

القسم الثالث: المجتهد في نوع من العلم ، فمن عرف القياس وشروطه فله أن يفتي في مسائل منه قياسية لا تتعلق بالحديث ، ومن عرف الفرائض فله أن يفتي فيها وإن جهل أحاديث النكاح وغيره ، وعليه الأصحاب .

القسم الرابع: المجتهد في مسائل أو مسألة وليس له الفتوى في غيرها .

وقال ابن القيم [7] : الْمَفْتُونَ الَّذِينَ نَصَّبُوا أَنْفُسَهُمْ لِلْفَتْوَى أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ:

أَحَدُهُمْ الْعَالِمُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ ؛ فَهُوَ الْمُجْتَهِدُ فِي أَحْكَامِ النَّوَازِلِ ، يَقْصِدُ فِيهَا مُوَافَقَةَ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ حَيْثُ كَانَتْ ، وَلَا يُنَافِي اجْتِهَادُهُ تَقْلِيدَهُ لِغَيْرِهِ أَحْيَانًا ، فَلَا تَجِدُ أَحَدًا مِن الْأَئِمَّةِ إلَّا وَهُوَ مُقَلِّدٌ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنهُ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنهُ - فِي مَوْضِعٍ مِن الْحَجِّ: قُلْتُهُ تَقْلِيدًا لِعَطَاءٍ ؛ فَهَذَا النَّوْعُ الَّذِي يَسُوغُ لَهُمْ الْإِفْتَاءُ ، وَيَسُوغُ اسْتِفْتَاؤُهُمْ وَيَتَأَدَّى بِهِمْ فَرْضُ الِاجْتِهَادِ ، وَهُمْ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: « إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا » . [8] وَهُمْ غَرْسُ اللَّهِ الَّذِينَ لَا يَزَالُ يَغْرِسُهُمْ فِي دِينِهِ ، وَهُمْ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: لَنْ تَخْلُوَ الْأَرْضُ مِن قَائِمٍ لِلَّهِ بِحُجَّةٍ [9] .

النَّوْعُ الثَّانِي: مُجْتَهِدٌ مُقَيَّدٌ فِي مَذْهَبٍ مِن ائْتَمَّ بِهِ ؛ فَهُوَ مُجْتَهِدٌ فِي مَعْرِفَةِ فَتَاوِيهِ وَأَقْوَالِهِ وَمَأْخَذِهِ وَأُصُولِهِ ، عَارِفٌ بِهَا ، مُتَمَكِّنٌ مِن التَّخْرِيجِ عَلَيْهَا وَقِيَاسُ مَا لَمْ يَنُصَّ مَنْ ائْتَمَّ بِهِ عَلَيْهِ عَلَى مَنْصُوصِهِ مِن غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُقَلِّدًا لِإِمَامِهِ لَا فِي الْحُكْمِ وَلَا فِي الدَّلِيلِ ، لَكِنْ سَلَكَ طَرِيقَهُ فِي الِاجْتِهَادِ وَالْفُتْيَا وَدَعَا إلَى مَذْهَبِهِ وَرُتَبِهِ وَقَرَّرَهُ ، فَهُوَ مُوَافِقٌ لَهُ فِي مَقْصِدِهِ وَطَرِيقِهِ مَعًا .

وَقَدْ ادَّعَي هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ مِن الْحَنَابِلَةِ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَالْقَاضِي أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي مُوسَى فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ الَّذِي لَهُ ، وَمِن الشَّافِعِيَّةِ خَلْقٌ كَثِيرَةٌ ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ بْنِ الْهُذَيْلِ ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمُزَنِيّ وَابْنِ سُرَيْجٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ ، وَالْمَالِكِيَّةُ فِي أَشْهَبَ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي أَبِي حَامِدٍ وَالْقَاضِي: هَلْ كَانَ هَؤُلَاءِ مُسْتَقِلِّينَ بِالِاجْتِهَادِ أَوْ مُتَقَيِّدِينَ بِمَذَاهِبِ أَئِمَّتِهِمْ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ ، وَمَنْ تَأَمَّلَ أَحْوَالَ هَؤُلَاءِ وَفَتَاوِيهِمْ وَاخْتِيَارَاتهمْ عَلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُقَلِّدِينَ لِأَئِمَّتِهِمْ فِي كُلِّ مَا قَالُوهُ ، وَخِلَافُهُمْ لَهُمْ أَظْهَرُ مِن أَنْ يُنْكَرَ ، وَإِنْ كَانَ مِنهُمْ الْمُسْتَقِلُّ وَالْمُسْتَكْثِرُ ، وَرُتْبَةُ هَؤُلَاءِ دُونَ رُتْبَةِ الْأَئِمَّةِ فِي الِاسْتِقْلَالِ بِالِاجْتِهَادِ.

النَّوْعُ الثَّالِثُ: مَنْ هُوَ مُجْتَهِدٌ فِي مَذْهَبٍ مَنْ انْتَسَبَ إلَيْهِ ، مُقَرِّرٌ لَهُ بِالدَّلِيلِ ، مُتْقِنٌ لِفَتَاوِيهِ ، عَالِمٌ بِهَا ، لَكِنْ لَا يَتَعَدَّى أَقْوَالَهُ وَفَتَاوِيَهُ وَلَا يُخَالِفُهَا ، وَإِذَا وُجِدَ نَصُّ إمَامِهِ لَمْ يَعْدِلْ عَنهُ إلَى غَيْرِهِ أَلْبَتَّةَ ، وَهَذَا شَأْنُ أَكْثَرِ الْمُصَنِّفِينَ فِي مَذَاهِبِ أَئِمَّتِهِمْ ، وَهُوَ حَالُ أَكْثَرِ عُلَمَاءِ الطَّوَائِفِ ، وَكَثِيرٌ مِنهُمْ يَظُنُّ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ بِهِ إلَى مَعْرِفَةِ الْكِتَابِ والسُّنَّة وَالْعَرَبِيَّةِ لِكَوْنِهِ مُجْتَزِيًا بِنُصُوصِ إمَامِهِ ، فَهِيَ عِنْدَهُ كَنُصُوصِ الشَّارِعِ ، قَدْ اكْتَفَى بِهَا مِن كُلْفَةِ التَّعَبِ وَالْمَشَقَّةِ ، وَقَدْ كَفَاهُ الْإِمَامُ اسْتِنْبَاطَ الْأَحْكَامِ وَمُؤْنَةَ اسْتِخْرَاجِهَا مِن النُّصُوصِ ، وَقَدْ يَرَى إمَامَهُ ذَكَرَ حُكْمًا بِدَلِيلِهِ ؛ فَيَكْتَفِي هُوَ بِذَلِكَ الدَّلِيلِ مِن غَيْرِ بَحْثٍ عَن مُعَارِضٍ لَهُ ،وَهَذَا شَأْنُ كَثِيرٍ مِن أَصْحَابِ الْوُجُوهِ وَالطُّرُقِ وَالْكُتُبِ الْمُطَوَّلَةِ وَالْمُخْتَصَرَةِ ، وَهَؤُلَاءِ لَا يَدَّعُونَ الِاجْتِهَادَ ، وَلَا يُقِرُّونَ بِالتَّقْلِيدِ ، وَكَثِيرٌ مِنهُمْ يَقُولُ: اجْتَهَدْنَا فِي الْمَذَاهِبِ فَرَأَيْنَا أَقْرَبَهَا إلَى الْحَقِّ مَذْهَبَ إمَامِنَا ، وَكُلٌّ مِنهُمْ يَقُولُ ذَلِكَ عَن إمَامِهِ ، وَيَزْعُمُ أَنَّهُ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ مِن غَيْرِهِ ، وَمِنهُمْ مَنْ يَغْلُو فَيُوجِبُ اتِّبَاعَهُ ، وَيَمْنَعُ مِن اتِّبَاعِ غَيْرِهِ .

فَيَا لِلَّهِ الْعَجَبُ مِن اجْتِهَادٍ نَهَضَ بِهِمْ إلَى كَوْنِ مَتْبُوعِهِمْ وَمُقَلَّدِهِمْ أَعْلَمَ مِن غَيْرِهِ ، أَحَقَّ بِالِاتِّبَاعِ مِن سِوَاهُ ، وَأَنَّ مَذْهَبَهُ هُوَ الرَّاجِحُ ، وَالصَّوَابُ دَائِمًا مَعَهُ ، وَقَعَدَ بِهِمْ عَن الِاجْتِهَادِ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَاسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ مِنهُ ، وَتَرْجِيحِ مَا يَشْهَدُ لَهُ النَّصُّ ، مَعَ اسْتِيلَاءِ كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَى غَايَةِ الْبَيَانِ ، وَتَضَمُّنِهِ لِجَوَامِع الْكَلِمِ ، وَفَصْلِهِ لِلْخِطَابِ ، وَبَرَاءَتِهِ مِن التَّنَاقُضِ وَالِاخْتِلَافِ وَالِاضْطِرَابِ ، فَقَعَدَتْ بِهِمْ هِمَمُهُمْ وَاجْتِهَادُهُمْ عَن الِاجْتِهَادِ فِيهِ ، وَنَهَضَتْ بِهِمْ إلَى الِاجْتِهَادِ فِي كَوْنِ إمَامِهِمْ أَعْلَمَ الْأُمَّةِ وَأَوْلَاهَا بِالصَّوَابِ ، وَأَقْوَالُهُ فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ وَمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ وَالْكِتَابِ ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ .

النَّوْعُ الرَّابِعُ: طَائِفَةٌ تَفَقَّهَتْ فِي مَذَاهِبِ مَنْ انْتَسَبَتْ إلَيْهِ ، وَحَفِظَتْ فَتَاوِيهِ وَفُرُوعَهُ ، وَأَقَرَّتْ عَلَى أَنْفُسِهَا بِالتَّقْلِيدِ الْمَحْضِ مِن جَمِيعِ الْوُجُوهِ ، فَإِنَّ ذَكَرُوا الْكِتَابَ والسُّنَّة يَوْمًا مَا فِي مَسْأَلَةٍ فَعَلَى وَجْهِ التَّبَرُّكِ وَالْفَضِيلَةِ لَا عَلَى وَجْهِ الِاحْتِجَاجِ وَالْعَمَلِ ، وَإِذَا رَأَوْا حَدِيثًا صَحِيحًا مُخَالِفًا لِقَوْلِ مَنْ انْتَسَبُوا إلَيْهِ أَخَذُوا بِقَوْلِهِ وَتَرَكُوا الْحَدِيثَ ، وَإِذَا رَأَوْا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَغَيْرَهُمْ مِن الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمْ قَدْ أَفْتَوْا بِفُتْيَا ، وَوَجَدُوا لِإِمَامِهِمْ فُتْيَا تُخَالِفُهَا أَخَذُوا بِفُتْيَا إمَامِهِمْ وَتَرَكُوا فَتَاوَى الصَّحَابَةِ ، قَائِلِينَ: الْإِمَامُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنَّا ، وَنَحْنُ قَدْ قَلَّدْنَاهُ فَلَا نَتَعَدَّاهُ وَلَا نَتَخَطَّاهُ ، بَلْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مِنَّا ، وَمِن عَدَا هَؤُلَاءِ فَمُتَكَلِّفٌ مُتَخَلِّفٌ قَدْ دَنَا بِنَفْسِهِ عَن رُتْبَةِ الْمُشْتَغِلِينَ وَقَصُرَ عَن دَرَجَةِ الْمُحَصِّلِينَ ، فَهُوَ مُكَذْلِكٌ مَعَ الْمُكَذْلِكِينَ ، وَإِنْ سَاعَدَ الْقَدَرُ ، وَاسْتَقَلَّ بِالْجَوَابِ قَالَ: يَجُوزُ بِشَرْطِهِ ، وَيَصِحُّ بِشَرْطِهِ ، وَيَجُوزُ مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنهُ مَانِعٌ شَرْعِيٌّ ، وَيَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إلَى رَأْيِ الْحَاكِمِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِن الْأَجْوِبَةِ الَّتِي يَسْتَحْسِنُهَا كُلُّ جَاهِلٍ ، وَيَسْتَحْيِي مِنهَا كُلُّ فَاضِلٍ .

فَفَتَاوَى الْقَسَمِ الْأَوَّلِ مِن جِنْسِ تَوْقِيعَاتِ الْمُلُوكِ وَعُلَمَائِهِمْ ، وَفَتَاوَى النَّوْعِ الثَّانِي مِن جِنْسِ تَوْقِيعَاتِ نُوَّابِهِمْ وَخُلَفَائِهِمْ ، وَفَتَاوَى النَّوْعِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ مِن جِنْسِ تَوْقِيعَاتِ خُلَفَاءِ نُوَّابِهِمْ ، وَمَنْ عَدَاهُمْ فَمُتَشَبِّعٌ بِمَا لَمْ يُعْطِ ، مُتَشَبِّهٌ بِالْعُلَمَاءِ ، مُحَاكٍ لِلْفُضَلَاءِ ، وَفِي كُلِّ طَائِفَةٍ مِن الطَّوَائِفِ مُتَحَقِّقٌ بِغَيِّهِ وَمُحَاكٍ لَهُ مُتَشَبِّهٌ بِهِ ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ .

يتلخص من النقول المتقدمة ما يأتي [10] :

أولا: إن المجتهد المطلق: هو من لديه قدرة على استنباط الأحكام من أدلتها ، بناء على أصول ارتضاها لنفسه ، وليس تابعا فيها لغيره ، فكان بذلك أهلا للإفتاء والقضاء ، وكان رأيه معتدا به في الوفاق والخلاف ، وإذا ولاه إمام المسلمين أو نائبه القضاء وجب عليه أن يحكم بما وصل إليه باجتهاده فيما رفع إليه من القضايا ، ونفذ فيه حكمه ، وارتفع به الخلاف في القضايا الاجتهادية التي حكم فيها .

(1) - انظر أبحاث هيئة كبار العلماء - (ج 3 / ص 119) فما بعدها

(2) - [مجموعة رسائل ابن عابدين] ، رسالة رسم المغني (11 \ 12) .

(3) - [الأحكام] للآمدي (4 \ 162) .

(4) - [مراقي السعود وشرحها] ، طبعة المدني .

(5) - [المسودة] ص (546) ، ويرجع أيضا إلى [المجموع شرح المهذب] (1 \ 70) وما بعدها .

(6) - [الإنصاف] (12 \ 258) وما بعدها .

(7) - [إعلام الموقعين] (4 \ 184) .و إعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 5 / ص 71) الشاملة 2

(8) - سنن أبى داود (4293 ) صحيح

(9) - الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (177) و حِلْيَةُ الْأَوْلِيَاءِ (241 ) وفيه جهالة

(10) - أبحاث هيئة كبار العلماء - (ج 3 / ص 150)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت