الأَْوْلَى لِلْمُفْتِي أَنْ يَكُونَ مُتَبَرِّعًا بِعَمَلِهِ وَلاَ يَأْخُذَ عَلَيْهِ شَيْئًا ،وَإِنْ تَفَرَّغَ لِلإِْفْتَاءِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ رِزْقًا مِنْ بَيْتِ الْمَال عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ ، وَاشْتَرَطَ الْفَرِيقَانِ لِجَوَازِ ذَلِكَ شَرْطَيْنِ: الأَْوَّل: أَنْ لاَ يَكُونَ لَهُ كِفَايَةٌ .
وَالثَّانِي: أَنْ لاَ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ ، فَإِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ ، بِأَنْ لَمْ يَكُنْ بِالْبَلَدِ عَالِمٌ يَقُومُ مَقَامَهُ ، أَوْ كَانَ لَهُ كِفَايَةٌ لَمْ يَجُزْ [1] وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ: إِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا فَفِيهِ وَجْهَانِ ، لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الْقِيَاسِ عَلَى عَامِل الزَّكَاةِ أَوْ عَلَى الْعَامِل فِي مَال الْيَتِيمِ . [2]
وَأَلْحَقَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ وَالصَّيْمَرِيُّ بِذَلِكَ: أَنْ يَحْتَاجَ أَهْل بَلَدٍ إِلَى مَنْ يَتَفَرَّغُ لِفَتَاوِيهِمْ ، وَيَجْعَلُوا لَهُ رِزْقًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ، فَيَحُوزُ ، وَلاَ يَصْلُحُ ذَلِكَ إِنْ كَانَ لَهُ رِزْقٌ مِنْ بَيْتِ الْمَال ، قَال الْخَطِيبُ: لَا يَسُوغُ لِلْمُفْتِي أَنْ يَأْخُذَ الْأُجْرَةَ مِنْ أَعْيَانِ مَنْ يُفْتِيهِ , كَالْحَاكِمِ الَّذِي لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الرِّزْقَ مِنْ أَعْيَانِ مَنْ يَحْكُمُ لَهُ وَعَلَيْهِ وَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَفْرِضَ لِمَنْ نَصَّبَ نَفْسَهُ لِتَدْرِيسِ الْفِقْهِ وَالْفَتْوَى فِي الْأَحْكَامِ , مَا يُغْنِيهِ عَنِ الِاحْتِرَافِ وَالتَّكَسُّبِ , وَيَجْعَلُ ذَلِكَ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ بَيْتُ مَالٍ , أَوْ لَمْ يَفْرِضِ الْإِمَامُ لِلْمُفْتِي شَيْئًا , وَاجْتَمَعَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا لَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ رِزْقًا , لِيَتَفَرَّغَ لِفَتَاوِيهِمْ , وَجَوَابَاتِ نَوَازِلِهِمْ , سَاغَ ذَلِكَ ، فعَنِ ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ , قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى وَالِي حِمْصَ:"انْظُرْ إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ نَصَّبُوا أَنْفُسَهُمْ لِلْفِقْهِ وَحَبَسُوهَا فِي الْمَسْجِدِ عَنْ طَلَبِ الدُّنْيَا , فَأَعْطِ كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مِائَةَ دِينَارٍ يَسْتَعِينُونَ بِهَا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ , حِينَ يَأْتِيَكَ كِتَابِي هَذَا , فَإِنَّ خَيْرَ الْخَيْرِ أَعْجَلُهُ , وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ"قَالَ: فَكَانَ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ , وَأَسَدُ بْنُ وَدَاعَةَ فِيمَنْ أَخَذَهَا ؟ فَقَالَ: يَزِيدُ: نَعَمْ"ط وعَنِ ابْنِ أَبِي غَيْلَانَ , قَالَ:"بَعَثَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَزِيدَ بْنَ أَبِي مَالِكٍ الدِّمَشْقِيَّ , وَالْحَارِثَ بْنَ يَمْجُدَ الْأَشْعَرِيَّ , يُفَقِّهَانِ النَّاسَ فِي الْبَدْوِ وَأَجْرَى عَلَيْهِمَا رِزْقًا , فَأَمَّا يَزِيدُ فَقَبِلَ , وَأَمَّا الْحَارِثُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ , فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِذَلِكَ , فَكَتَبَ عُمَرُ: إِنَّا لَا نَعْلَمُ بِمَا صَنَعَ يَزِيدُ بَأْسًا , وَأَكْثَرَ اللَّهُ فِينَا مِثْلَ الْحَارِثِ بْنِ يَمْجُدَ" [3] "
وَأَمَّا الأُْجْرَةُ ، فَلاَ يَجُوزُ أَخْذُهَا مِنْ أَعْيَانِ الْمُسْتَفْتِينَ عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ ، قَال الْحَنَابِلَةُ: لأَِنَّ الْفُتْيَا عَمَلٌ يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْل الْقُرْبَةِ ، وَلأَِنَّهُ مَنْصِبُ تَبْلِيغٍ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، فَلاَ تَجُوزُ الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ قَال لَهُ: لاَ أُعَلِّمُكَ الإِْسْلاَمَ أَوِ الْوُضُوءَ أَوِ الصَّلاَةَ إِلاَّ بِأُجْرَةٍ ، قَالُوا: فَهَذَا حَرَامٌ قَطْعًا ، وَعَلَيْهِ رَدُّ الْعِوَضِ ، وَلاَ يَمْلِكُهُ ، قَالُوا: وَيَلْزَمُهُ الإِْجَابَةُ مَجَّانًا لِلَّهِ بِلَفْظِهِ أَوْ خَطِّهِ إِنْ طَلَبَ الْمُسْتَفْتِي الْجَوَابَ كِتَابَةً ، لَكِنْ لاَ يَلْزَمُهُ الْوَرَقُ وَالْحِبْرُ.
وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَخْذَ الْمُفْتِي الأُْجْرَةَ عَلَى الْكِتَابَةِ ، لأَِنَّهُ كَالنَّسْخِ [4] .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ لِلْمُفْتِي أَخْذُ الأُْجْرَةِ عَلَى الْفَتْوَى إِنْ لَمْ تَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ . [5]
ــــــــــــــــ
(1) - المجموع للنووي 1 / 46، وشرح المنتهى 3 / 462 .
(2) - إعلام الموقعين 4 / 432 .
(3) - الْفَقِيهُ وَالْمُتَفَقِّهُ لِلْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ (1069 -1070) و المجموع 1 / 46 .
(4) - حاشية ابن عابدين 4 / 311، وإعلام الموقعين 4 / 232، وشرح المنتهى 3 / 462 .
(5) - حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 1 / 20 .