فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 164

قال القرطبي:"لَمْ يَخْتَلِف الْعُلَمَاء أَنَّ الْعَامَّة عَلَيْهَا تَقْلِيد عُلَمَائِهَا , وَأَنَّهُمْ الْمُرَاد بِقَوْلِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ:"فَاسْأَلُوا أَهْل الذِّكْر إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ"وأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأَعْمَى لَا بُدّ لَهُ مِن تَقْلِيد غَيْره مِمَن يَثِق بِمَيْزِهِ بِالْقِبْلَةِ إِذَا أَشْكَلَتْ عَلَيْهِ ; فَكَذَلِكَ مَن لَا عِلْم لَهُ وَلَا بَصَر بِمَعْنَى مَا يَدِين بِهِ لَا بُدّ لَهُ مِن تَقْلِيد عَالِمه , وَكَذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِف الْعُلَمَاء أَنَّ الْعَامَّة لَا يَجُوز لَهَا الْفُتْيَا ; لِجَهْلِهَا بِالْمَعَانِي الَّتِي مِنهَا يَجُوز التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم ." [1]

وقال الألوسي:"واستدلَّ بها أيضًا على وجوب المراجعة للعلماء فيما لا يعلم ."

وفي الإكليل للجلال السيوطي أنه استدل بها على جواز تقليد العامي في الفروع وانظر التقييد بالفروع فإن الظاهر العموم لا سيما إذا قلنا: إن المسألة المأمورين بالمراجعة فيها والسؤال عنها من الأصول ، ويؤيد ذلك ما نقل عن الجلال المحلي أنه يلزم غير المجتهد عاميًا كان أو غيره التقليد للمجتهد لقوله تعالى: { فاسألوا أَهْلَ الذكر إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ } والصحيح أنه لا فرق بين المسائل الاعتقادية وغيرها وبين أن يكون المجتهد حيًا أو ميتًا اه" [2] ."

والآية عامة في كل مسألة من مسائل الدين، إذا لم يكن عند الإنسان علم منها أن يسأل من يعلمها من العلماء الراسخين في العلم [3] .

وأما احتجاجهم ببعض أقوال الأئمة في النهي عن تقليدهم ، فهو احتجاج في غير محله ، لأن هؤلاء الأئمة يقولون ذلك لطلابهم ، وهم يعلمون أنهم قد بلغوا رتبة الاجتهاد مثلهم ، وليس هذا الكلام وارداَ بحق عامة الناس مطلقًا ، ومع هذا فقد قلَّد هؤلاء المجتهدون غيرهم في بعض المسائل الفرعية ، فكيف بغيرهم من العوام ؟

والدليل من المعقول على حجية القول بالجواز أن الاجتهاد وغيره من الفروض الكفائية في الدين ، وليس من الفروض العينية بالاتفاق ، فإذا قام بهذه الفروض الكفائية البعض الذين يسدون حاجة الأمة سقط الإثم والحرج عن الباقين بالاتفاق ، وإذا لم يقم بها أحد مع قدرتهم على ذلك أثم الجميع .

وهل نطالب المسلمين جميعًا أن يكونوا أطباء أو مزارعين أوخياطين أو حدادين وكلها من فروض الكفايات ؟!

فهذا لا يقول بهذه عاقل أصلًا ، وهو تكليف بما لا يطاق ، وليس بمكنة الناس ، فهم مختلفون في مداركهم وقدراتهم العقلية والبدنية، فكيف نطلب منهم جميعًا أن يكونوا مجتهدين ونحرِّم عليهم التقليد وهو محال واقعًا ؟.

والله تعالى يقول: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} (286) سورة البقرة

وقال تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} (7) سورة الطلاق

وفي ذلك تعطيل لمصالح العباد بلا ريب ، وإلقاء بهم إلى التهلكة .

والصحابة الذين نزل عليهم القرآن الكريم ، ورأوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكانوا أئمة اللغة ، لم يملك أكثرهم أدوات الاجتهاد ، فالذين اجتهدوا منهم قلة قليلة جدًّا ، من مجموع الصحابة الذين نافوا على المائة ألف ، ولم يستطع ابن حزم أن يحصي من له فتوى منهم أكثر من مائة وعشرين صحابيا ،فأين فتاوى واجتهادات الباقين؟

مع أن أكثرهم كانوا يقلِّدون بعضهم البعض في كثير من المسائل - وهم من هم- فكيف بمن جاء بعدهم ؟!!

والذين لم يعاصروا التنزيل كالتابعين فمن بعدهم الاجتهاد فيهم أقلُّ من الصحابة بكثير ، وهكذا كلَّما ابتعدنا عنهم كلما قلَّ الاجتهاد وندر ، فكيف نقول للناس بعد ذلك يجب عليكم الاجتهاد وإلا أنتم آثمون !

ثم نرميهم بكمٍّ هائلٍ من الآيات- التي وردت بحق الكفار والمشركين - التي تذم اتباع الآباء والأجداد !!

وفي هذه المسألة الجلل عندنا أمران:

الأول: اجتهاد مطلق ( مستقل ) فهذا قد طوي بابه منذ قرون ، فقد أصِّلت الأصول ، وقعرت القواعد الشرعية ، فكلُّ من يطالب الناس اليوم أن يكونوا مجتهدين كالأئمة السابقين فهو يهرف بما لا يعرف .

الثاني: اجتهاد مقيَّدٌ ( غير مسقل ) وهذا موجود في المذاهب الفقهية المتبوعة، ويجب أن يكون من هؤلاء ما يغطي حاجة الأمة .

المبحث الرابع - أمثلة من تخبط المانعين من التقليد :

اختلف علماء الأصول في قول الصحابي هل هو حجَّة أم لا ؟ [4]

وقد أيد الحجية ابن القيم في إعلام الموقعين بكلام كثير وأفاض في الاستدلال على ذلك ، وفي كثير مما قاله حول هذه المسألة صحيح . [5]

ولننظر ماذا يقول الشوكاني بعد إيراده الخلاف في ذلك:"والحقُّ: أنه ليس بحجة، فإن الله سبحانه لم يبعث إلى هذه الأمة إلا نبينا محمدا - صلى الله عليه وسلم - ، وليس لنا إلا رسول واحد، وكتاب واحد، وجميع الأمة مأمورة باتباع كتابه، وسنَّة نبيه، ولا فرق بين الصحابة وبين من بعدهم، في ذلك، فكلهم مكلفون بالتكاليف الشرعية، وباتباع الكتاب والسُّنَّة، فمن قال: إنها تقوم الحجَّة في دين الله عز وجل بغير كتاب الله، وسنة رسوله، وما يرجع إليهما، فقد قال في دين الله بمالم يثبت، وأثبت في هذه الشريعة الإسلامية شرعا لم يأمر الله به، وهذا أمر عظيم، وتقوُّل بالغ، فمن حكم لفرد أو أفراد من عباد الله بأن قوله، أو أقوالهم حجَّة على المسلمين يجبُ عليهم العمل بها وتصير شرعا ثابتا متقررا تعمُّ به البلوى، مما لا يدانُ الله عز وجل به، ولا يحلُّ لمسلم الركون إليه، ولا العمل عليه، فإن هذا المقام لم يكن إلا لرسل الله، الذين أرسلهم بالشرائع إلى عباده لا لغيرهم، وإن بلغ في العلم والدين عظم المنزلة أي مبلغ" [6]

ثم ختم قوله:"فاعرف هذا، واحرص عليه، فإن الله لم يجعل إليك وإلى سائر هذه الأمة رسولا إلا محمدا - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يأمرك باتباع غيره، ولا شرع لك على لسان سواه من أمته حرفا واحدا ، ولا جعل شيئًا من الحجة عليك في قول غيره، كائنا من كان." [7]

قلت: ويردُّ على الشوكاني من وجهين:

الأول- هذا الكلام الذي قاله الشوكاني مليء بالمغالطات ، فمن من الأئمة قال: نترك القرآن والسُّنَّة ونتبع قول الصحابي ؟

والذين قالوا بجواز العمل بقول الصحابي هو فيما إذا لم يكن في المسألة الشرعية نصٌّ صريح لا في الكتاب ولا في السنَّة النبوية، وقدمه الكثيرون على القياس .

وهل اتباع قول الصحابي في ذلك هو إيجاد شرع جديد غير شرع محمد - صلى الله عليه وسلم - ؟!!!

وهل يقارن أي مجتهد في الأرض بالصحابة في العلم والفضل ؟!!

وهل الصحابة - رضي الله عنهم- كانوا يستنبطون الأحكام الشرعية من غير الكتاب والسُّنَّة؟!!

وهل أقوالهم خارجة عما يدلُّ عليه الكتاب والسُّنَّة دلالة عامة أو خاصة ؟!

وهل نقل لنا الكتاب والسُّنَّة سوى هؤلاء ؟!!

فإذا كان الذين عاصروا التنزيل مثلهم مثل غيرهم فعلى الدنيا العفاء !

بل نصوص القرآن والسُّنَّة تدلُّ على عكس ما ذهب إليه ، ومن راجع كلام ابن القيم - وهو ممن يمنع التقليد- لرأى تهافت كلام الشوكاني رحمه الله .

وقال العلامة أبو زهرة رحمه الله:"ولا شكَّ أن هذه مغالاة في ردِّ أقوال الصحابة، ومن الواجب علينا أن نقول: إنَّ الأئمة الأعلام عندما اتبعوا أقوال الصحابة لم يجعلوا رسالةً لغير محمد - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يعتبروا حجَّةً في غير الكتاب والسنَّة ، فهم مع اقتباسهم من أقوال الصحابة مستمسكون أشدَّ الاستمساك بأن النبي واحدٌ ، والسنَّةَ واحدةٌ ، والكتابَ واحدٌ ، ولكنهم وجدوا أن هؤلاء الصحابة هم الذين استحفظوا على كتاب الله سبحانه وتعالى ، ونقلوا أقوال محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى من بعدهم ، فكانوا أعرف الناس بشرعه ، وأقربهم إلى هديه ، وأقوالهم قبسةٌ نبويةٌ ، وليست بدعًا ابتدعوه ، ولا اختراعًا اخترعوه، ولكنها تلمُّسٌ للشرع الإسلامي من ينابيعه ، وهم أعرفُ الناس بمصادرها ومواردها ، فمن اتبعهم فهو من الذين قال الله تعالى فيهم: { وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100) } [التوبة/100] " [8] .

والثاني-لقد ناقض نفسه وأيد القول بحجية الصحابي في كتابه (التقليد والإفتاء والاستفتاء) [9]

قال:"منصوص الشافعي في قوله القديم والجديد أن قول الصحابي حجة."

أمَّا قوله القديم فأصحابه مقِرُّون به، وأما الجديد فحكى عنه كثير من أصحابه فيه، أن قول الصحابي ليس بحجة، إلا أن هذه الحكاية غير محرَّرة؛ إذ لا يحفظ عن الإمام قول في الجديد أن قول الصحابي ليس بحجة.

وغاية ما يتعلق به هؤلاء الذين نقلوا عنه عدم حجية قول الصحابي، هو قولهم: إن الشافعي -رحمه الله- يحكي أقوال الصحابة في مذهبه الجديد، ثم يخالفها، وهذا يدل على أن أقوال الصحابة ليست بحجة عنده، ولو كانت عنده حجة لم يخالفها.

ويتعلَّق بعضهم بأن الشافعي في الجديد إذا ذكر أقوال الصحابة لا يعتمد عليها وحدها، كما يعتمد على النصوص وحدها، بل نراه يعضدها بضروب من الأقيسة: فنراه تارة يذكرها ويصرح بخلافها، وتراه تارة أخرى يوافقها ولا يعتمد عليها، بل يعضدها بذكر دليل آخر.

وما تعلَّق به كل من الفريقين ضعيف جدًّا.

أما ما تعلق به الفريق الأول فيجاب عنه، بأن المجتهد إذا خالف الدليل المعين لدليل هو أقوى في نظره منه، فإنه لا يدل على أنه لا يرى الأول دليلا، وهذا من حيث الجملة.

وأما ما تعلق به الفريق الثاني، فيجاب عنه: بأن الشافعي -رحمه الله- إذا عضد قول الصحابي بضروب من الأقيسة، فهذا من باب تظافر الأدلة وتناصرها، وهذا من عادة أهل العلم قديمًا وحديثًا، فلا يدل سردهم للأدلة المتتابعة على أن ما ذكروه من الأدلة مقدَّمًا ليس بدليل.

ويجاب أيضًا عن ما توهمه كل من الفريقين الذين حكوا عن الشافعي في الجديد أن قول الصحابي ليس بحجة، بأن الشافعي صرَّح في الجديد من رواية الربيع عنه، بأن قول الصحابي حجة يجب المصير إليه، قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الْمُحْدَثَاتُ مِنَ الْأُمُورِ ضِرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا أُحْدِثَ يُخَالِفُ كِتَابًا أَوْ سَنَةً أَوْ أَثَرًا أَوْ إِجْمَاعًا , فَهَذِهِ لَبِدْعَةُ الضَّلَالَةِ . وَالثَّانِيةُ: مَا أُحْدِثَ مِنَ الْخَيْرِ لَا خِلَافَ فِيهِ لِوَاحِدٍ مِنْ هَذَا , فَهَذِهِ مُحْدَثَةٌ غَيْرُ مَذْمُومَةٍ وَقَدْ قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ:"نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ"يَعْنِي أَنَّهَا مُحْدَثَةٌ لَمْ تَكُنْ , وَإِنْ كَانَتْ فَلَيْسَ فِيهَا رَدٌّ لِمَا مَضَى". [10] "

فقد جعل -رحمه الله- مخالفة الأثر الذي ليس بكتاب ولا سنة ولا إجماع، ضلالة، فكيف يقال بعد هذا إنه لا يرى قول الصحابي حجة، والربيع إنما أخذ عنه بمصر.

وفي مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَالْآثَارِ لِلْبَيْهَقِيِّ-أَقَاوِيلُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ , وَمَا يُقْضَى وَمَا يُفْتَى بِهِ أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَا كَانَ الْكِتَابُ أَوِ السُّنَّةُ مَوْجُودَيْنِ فَالْعُذْرُ عَلَى مَنْ سَمِعَهُمَا مَقْطُوعٌ إِلَّا بِاتِّبَاعِهِمَا ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ صِرْنَا إِلَى أَقَاوِيلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُمَّ كَانَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ أَيْ: أَبِي بَكْرٍ أَوْ عُمَرَ أَوْ عُثْمَانَ - قَالَ فِي الْقَدِيمِ: أَوْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - إِذَا صِرْنَا إِلَى التَّقْلِيدِ أَحَبُّ إِلَيْنَا وَذَلِكَ إِذَا لَمْ نَجِدْ دَلَالَةً فِي الِاخْتِلَافِ تَدُلُّ عَلَى أَقْرَبِ الِاخْتِلَافِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَنَتَّبِعُ الْقَوْلَ الَّذِي مَعَهُ الدَّلَالَةُ ، ثُمَّ بَسَطَ الْكَلَامَ فِي تَرْجِيحِ قَوْلِ الْأَئِمَّةِ إِلَى أَنْ قَالَ: فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ عَنِ الْأَئِمَّةِ فَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدِّينِ فِي مَوْضِعِ الْأَمَانَةِ أَخَذْنَا بِقَوْلِهِمْ ، وَكَانَ اتِّبَاعُهُمْ أَوْلَى بِنَا مِنَ اتِّبَاعِ مَنْ بَعْدَهُمْ . قَالَ: وَالْعِلْمُ طَبَقَاتٌ: الْأُولَى: الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ إِذَا ثَبَتَتِ السُّنَّةُ ، ثُمَّ الثَّانِيَةُ: الْإِجْمَاعُ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ ، وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يَقُولَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا نَعْلَمُ لَهُ مُخَالِفًا مِنْهُمْ ، وَالرَّابِعَةُ: اخْتِلَافُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْخَامِسَةُ: الْقِيَاسُ عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الطَّبَقَاتِ . وَلَا يُصَارُ إِلَى شَيْءٍ غَيْرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَهُمَا مَوْجُودَانِ وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ الْعِلْمُ مِنْ أَعْلَى . قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ أَدَبِ الْقَاضِي: وَغَيْرِ جَائِزٍ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ وَاحِدًا مِنْ أَهْلِ دَهْرِهِ وَإِنْ كَانَ أَبْيَنَ فَضْلًا فِي الْعَقْلِ وَالْعِلْمِ مِنْهُ ، وَلَا يَقْضِي أَبَدًا إِلَّا بِمَا يَعْرِفُ ثُمَّ سَاقَ الْكَلَامَ إِلَى أَنْ قَالَ: وَإِذَا اجْتَمَعَ لَهُ عُلَمَاءٌ مِنْ أَهْلِ زَمَانِهِ أَوِ افْتَرَقُوا فَسَوَاءٌ لَا يَقْبَلُهُ إِلَّا تَقْلِيدًا لِغَيْرِهِمْ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ يُدِلُّونَهُ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْقِلَهُ كَمَا عَقَلُوهُ ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ عَلَى التَّقْلِيدِ أَوِ الْقِيَاسِ . قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ: رُوِّينَا فِي حَدِيثِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي مَوْعِظَتِهِ:"أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ ، فَتَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ"وَرُوِّينَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ:"إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَاخْتَارَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَبَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ وَانْتَخَبَهُ بِعِلْمِهِ ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ النَّاسِ بَعْدَهُ فَاخْتَارَ لَهُ أَصْحَابَهُ ، فَجَعَلَهُمْ أَنْصَارَ دِينِهِ وَوُزَرَاءَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ وَمَا رَأَوْهُ قَبِيحًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ قَبِيحٌ"

وقال البيهقي في كتابه:"مدخل السنن"، باب:"ذكر أقاويل الصحابة إذا تفرقوا ( 20) ": قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي أَقَاوِيلِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَضِيَ عَنْهُمْ:"إِذَا تَفَرَّقُوا فِيهَا نَصِيرُ إِلَى مَا وَافَقَ الْكِتَابَ أَوِ السُّنَّةَ أَوِ الْإِجْمَاعَ ، أَوْ كَانَ أَصَحَّ فِي الْقِيَاسِ , وَإِذَا قَالَ الْوَاحِدُ مِنْهُمُ الْقَوْلَ لَا نَحْفَظُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْهُمْ فِيهِ لَهُ مُوَافَقَةً وَلَا خِلَافًا , صِرْتُ إِلَى اتِّبَاعِ قَوْلِ وَاحِدِهِمْ ، إِذَا لَمْ أَجِدْ كِتَابًا وَلَا سُنَّةً وَلَا إِجْمَاعًا وَلَا شَيْئًا فِي مَعْنَاهُ يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِهِ أَوْ وُجِدَ مَعَهُ قِيَاسٌ"

قلت: وفي حِلْيَةُ الْأَوْلِيَاءِ (13592) حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانٍ ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ ، ثَنَا أَبُو حَاتِمٍ ، حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ: الْأَصْلُ قُرْآنٌ وَسُنَّةٌ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيَاسٌ عَلَيْهِمَا ، وَإِذَا اتَّصَلَ الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَحَّ الْإِسْنَادُ عَنْهُ فَهُوَ سُنَّةٌ . وَالْإِجْمَاعُ أَكْثَرُ مِنَ الْخَبَرِ الْمُنْفَرِدِ ، وَالْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ . وَإِذَا احْتَمَلَ الْمَعَانِيَ فَمَا أَشْبَهَ مِنْهَا ظَاهِرَهُ أَوْلَاهَا بِهِ . وَإِذَا تَكَافَأَتِ الْأَحَادِيثُ فَأَصَحُّهَا إِسْنَادًا أَوْلَاهَا . وَلَيْسَ الْمُنْقَطِعُ بِشَيْءٍ مَا عَدَا مُنْقَطِعُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ . وَلَا يُقَاسُ أَصْلٌ عَلَى أَصْلٍ . وَلَا يُقَالُ لِأَصْلٍ: لِمَ وَلَا كَيْفَ ، وَإِنَّمَا يُقَالُ لِلْفَرْعِ: لِمَ ، فَإِذَا صَحَّ قِيَاسُهُ عَلَى الْأَصْلِ صَحَّ ، وَقَامَتْ بِهِ الْحُجَّةُ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَكُلًّا قَدْ رَأَيْتُهُ اسْتَعْمَلَ الْحَدِيثَ الْمُنْفَرِدَ ؛ اسْتَعْمَلَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ حَدِيثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّغْلِيسِ ، وَاسْتَعْمَلَ أَهْلُ الْعِرَاقِ حَدِيثَ الْغَرَرِ . وَكُلٌّ قَدِ اسْتَعْمَلَ الْحَدِيثَ هَؤُلَاءِ أَخَذُوا بِهَذَا وَتَرَكُوا الْآخَرَ ، وَهَؤُلَاءِ أَخَذُوا بِهَذَا وَتَرَكُوا الْآخَرَ . وَالَّذِي لَزِمَ قُرْآنٌ وَسُنَّةٌ ، وَأَنَا أَظْلِمُ فِي إِلْزَامِ تَقْلِيدِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا اخْتَلَفُوا نَظَرًا أَتْبَعُهُمْ لِلْقِيَاسِ ، إِذَا لَمْ يُوجَدْ أَصْلٌ يُخَالِفُهُمْ ، أَتَّبِعُ أَتْبَعَهُمْ لِلْقِيَاسِ . قَدِ اخْتَلَفَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ ؛ الْقِيَاسُ فِيهَا مَعَ عَلِيٍّ ، وَبِقَوْلِهِ آخُذُ ، مِنْهَا الْمَفْقُودُ ، قَالَ عُمَرُ: يُضْرَبُ الْأَجَلُ إِلَى أَرْبَعِ سِنِينَ ، ثُمَّ تَعْتَدُّ امْرَأَتَهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا . وَقَالَ عَلِيٌّ: امْرَأَتُهُ لَا تُنْكَحُ أَبَدًا . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ عَلِيٍّ حَتَّى يَتَّضِحَ بِمَوْتٍ أَوْ فِرَاقٍ . وَقَالَ عُمَرُ فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ فِي سَفَرٍ ، ثُمَّ يَرْتَجِعُهَا فَسَيَبْلُغُهَا الطَّلَاقُ ، وَلَا تَبْلُغُهَا الرَّجْعَةُ حَتَّى تَحِلَّ وَتُنْكَحُ: إِنَّ زَوْجِهَا الْآخَرَ أَوْلَى بِهَا إِذَا دَخَلَ بِهَا . وَقَالَ عَلِيٌّ: هِيَ لِلْأَوَّلِ ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا . وَقَالَ عُمَرُ فِي الَّذِي يَنْكِحُ الْمَرْأَةَ فِي الْعِدَّةِ ، وَيَدْخُلُ بِهَا أَنَّهُ يفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ، ثُمَّ لَا يَنْكِحُهَا أَبَدًا وَقَالَ عَلِيٌّ: يَنْحِكُهَا بَعْدُ . وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَقْرَاءِ ، وَأَصَحُّ ذَلِكَ أَنَّ الْأَقْرَاءَ الْأَطْهَارُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ:"مُرْهُ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّهَا فِيهِ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ". فَلَمَّا سَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِدَّةً كَانَ أَصَحَّ الْقَوْلِ فِيهَا لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمَّى الْأَطْهَارَ الْعِدَّةَ" [11] ."

(1) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 3635)

(2) - تفسير الألوسي - (ج 10 / ص 172)

(3) - التفسير الميسر - (ج 4 / ص 415)

(4) - البحر المحيط - (ج 7 / ص 318) فما بعدها

(5) - قلت: قد أفردتها بكتاب بعنوان ( جواز الفتوى في الآثار السلفية )

(6) - إرشاد الفحول لتحقيق الحق من علم الأصول - (ج 3 / ص 313) ، وقد أيده أستاذنا الزحيلي في كتابه أصول الفقه الإسلامي حيث قال- بعد تأييده لعدم حجيته-: وأحسن ما يختم به هذا المبحث كلمو رائعة للشوكاني في مذهب الصحابي قال: وذكرها كلها ،دون تعقيب ص 857-858 ط دار الفكر

(7) - إرشاد الفحول لتحقيق الحق من علم الأصول - (ج 3 / ص 315)

(8) - أصول الفقه ص 218 - دار الفكر العربي

(9) - التقليد والإفتاء والاستفتاء للشوكاني - (ج 1 / ص 51) فما بعدها

(10) - الْمَدْخَلُ إِلَى السُّنَنِ الْكُبْرَى لِلْبَيْهَقِيِّ (190 ) صحيح

(11) - الْفَقِيهُ وَالْمُتَفَقِّهُ لِلْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ (457)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت